حين يكون المعلم وطنا لا وظيفة: قراءة في سيرة القلم التربوي عند الأستاذ صبحي سرحان

طه دخل الله عبد الرحمن كاتب وناقد وباحث فلسطيني

1-09-2026
لكأنّي بهِ، وهو يمسكُ بتلابيبِ الذاكرة، لا يكتبُ مقالاً، بل يعتصرُ من روحهِ ثلاثين عاماً من سهادٍ ولهفة، فيصوغُها كلماتٍ تمشي على استحياء، كأنها نخيلٌ مثقلٌ بتمرِ الخبرة، يتهدّلُ صمتاً، ثم يفيضُ حكمةً. إن الأستاذ صبحي سرحان، في نصّه “المعلم الناجح”، لا يخاطبُ عقولَنا، بل يوقظُ فينا ذلك الطفلَ الذي جلسَ يوماً خلفَ مقعدٍ خشبي، ينتظرُ من معلّمهِ أن يكونَ وطناً، لا وظيفةً، وأملاً، لا واجباً.
منذ السطرِ الأول، تكتشفُ أنك لست أمامَ كاتبٍ يجرّدُ الأفكارَ على مشرحةِ التحليل، بل أمامَ قلبٍ تربويٍّ يكتبُ بمدادِ الوجدان، ويمسحُ الغبارَ عن وجه الحقيقةِ التربوية التي طالما أهملها من يظنّون التعليمَ ملءَ سبّورةٍ وإفراغَ منهج. إنه يبدأ بالتهنئة، لكنها ليست تهنئةَ العابرين، بل هي طقسُ دخولٍ إلى محرابِ التربية، حيث يتوشّحُ المعلمُ رداءَ القداسة، ويقفُ أمام ضميرهِ كما يقفُ العابدُ أمامَ قبلته.
أما العنوانُ الذي اختاره لنفسه، “المعلم الناجح باني الإنسان وصانع المستقبل”، فليس عنواناً، بل هو ميثاقٌ، وصكُّ اعترافٍ بأنّ التربيةَ أسمى من أن تختزلَ في حصصٍ وجداول. إن صيغةَ اسم الفاعل “باني” و”صانع” لا تدلّ على حدثٍ عابر، بل على حالةٍ وجودية دائمة؛ فالمعلمُ، في عرفِ سرحان، لا يُنجزُ فعلَ البناء ثم يغادر، بل يظلّ يبني، ويظلّ يصنع، حتى بعد أن يُطفأ جرسُ المدرسة، لأنّ أثرَهُ ممتدٌّ في أرواحِ طلابهِ، كامتدادِ النهر في عروقِ الأرض.
وحين يقول: “وظيفة المعلم من أرقى الوظائف، لأنها تبني البشر قبل أن تبني الحجر”، فإنه يضعُ أمامَنا معادلةً وجوديةً قلّ من ينتبهُ إليها: إنّ الحضارةَ التي نتباهى بها، بعماراتها وجسورها، ليست سوى ظلٍّ باهتٍ لإنسانٍ تمّ بناؤه على مهل، في غرفةٍ صفّية، على يدِ معلمٍ كان يزرعُ في صمت. وهنا تتجلى بلاغةُ الكاتب في اختيارهِ لكلمة “تبني” بدل “تعلّم”، و”البشر” بدل “الطلاب”، فكأنه يوسّعُ دائرةَ المعنى حتى تبتلعَ كلَّ إنسانٍ على هذه الأرض، لأنّ خلفَ كلّ عظيمٍ معلّمٌ كان يوماً ما يهمسُ له: “أنت تستطيع”.
ثم ينتقلُ الكاتبُ انتقالةً مدهشة، إذ يشرّحُ جسدَ المعلمِ الناجحِ تشريحَ العارف، فيخرجُ لنا أربعةَ أعمدة، لكنها ليست أعمدةَ معبد، بل هي شرايينُ قلب. يبدأُ من “فهمِ نفسياتِ الطلاب”، فيجعلُ من المعلمِ طبيبَ أرواحٍ، يتحسّسُ نبضَ القلوبِ الصغيرة، ويراعي “الفروقَ الفردية” كما يراعي البستانيُّ اختلافَ التربة. وهنا ينسابُ التشبيهُ الضمني، إذ يتحوّلُ الطلابُ إلى أزهارٍ لا تروى بماءٍ واحد، والمعلمُ إلى يدٍ حانيةٍ تعرفُ أنّ لكلّ زهرةٍ عطشَها الخاص.
ولا يكتملُ المشهدُ حتى يأتيَ العمودُ الثاني: “الموضوعية والعدالة”، فإذا بالعدلِ عند سرحان ليس مجرّدَ حيادٍ جاف، بل هو طقسُ حبٍّ، وسببُ أمان، وشرطُ ازدهار. إنه يقول: “يكسب المعلم محبة طلابه وأولياء أمورهم من خلال تعامله العادل”، فيحوّلُ العدلَ من فضيلةٍ صامتةٍ إلى لغةِ تواصلٍ عاطفي، وإلى جسرٍ من الثقةِ يمتدّ بين المدرسةِ والبيت، فيصيرُ المجتمعُ كلُّهُ صفاًّ واحداً، يتعلّمُ فيه الجميع.
أما العمودُ الثالث، “العطاء وبناء المجتمع”، فهو قمةُ التصعيد، إذ يمتدّ أثرُ المعلمِ من حدودِ الغرفةِ الصفّيةِ إلى آفاقِ الوطن، فيغرسُ “قيم المحبة والتعاون والإخلاص والتضحية واحترام الآخر وزرع السلام”، وكأنه يغرسُ في تربةِ النفوسِ بذوراً لا يراها أحد، لكنها ستظلّ تنمو بعد ذلك لتصيرَ أشجاراً تظلّلُ الوطن. إن هذا الانتقالَ من الخاصّ إلى العام، من الفرد إلى الجماعة، لهو من أعمقِ ما في النص، إذ يجعلُ من المعلمِ حجرَ زاويةٍ في بناءِ “مجتمع سليم ومتماسك”، وكأنّ التربيةَ ليست مهنةً، بل هي هندسةُ روحٍ وطنيةٍ متكاملة.
ثم تأتي الخاتمةُ، فتتحولُ إلى مرآةٍ عاكسةٍ، إذ يقلبُ الكاتبُ الأسئلةَ من الغائبِ إلى الحاضر، ومن الآخرِ إلى الذات: “فاسأل نفسك أيها المعلم، ما هو موقعك مما ذكر أعلاه؟”. إنها لحظةُ ارتدادٍ بلاغيٍّ رائعة، حيث يتحوّلُ القارئُ من متلقٍّ إلى مسؤول، ومن متفرجٍ إلى بطلٍ في المشهد. ويصفُ هذا السؤالَ بأنه “الذهبي”، فيسبغُ عليهِ بريقاً من القداسة، ويجعله “المقياس الحقيقي والمحرك الداخلي”، وكأنّ كلَّ ما سبقَ من كلامٍ جميلٍ ليس سوى مقدمةٍ لاستفزازِ الضميرِ، وإيقاظِ ذلك الصوتِ الداخليّ الذي لا يكذب.
وفي الجملةِ الختامية، يرتقي النصُّ إلى ذروةِ شعريته، إذ يقول: “إن الوقوف مع النفس بهذه الصراحة والشفافية هو الخطوة الأولى والأساسية لتحوّل المعلم من إنسان يؤدي وظيفته، إلى معلم ملهم يترك أثراً لا يُنسى في حياة طلابه ومجتمعه”. هنا تلتقي البلاغةُ بالحقيقة، وتتآلفُ الصورةُ بالرسالة، إذ يتحوّلُ المعلمُ من “إنسان يؤدي وظيفته”، وهي صيغةٌ باردةٌ كالروتين، إلى “معلم ملهم”، وهي صيغةٌ متوهجةٌ كالنبض. إنّ كلمة “ملهم” هنا ليست صفةً عابرة، بل هي تاجٌ لا يوضعُ إلا على رأسِ من أدرك أنّ التعليمَ ليس تمريرَ معرفة، بل إشعالَ روح.
وهكذا، فإنّ نصّ الأستاذ صبحي سرحان، رغمَ قصرِه، ليستحقُّ أن يُقرأَ لا بوصفهِ مقالاً، بل بوصفهِ وثيقةَ عهدٍ بين المعلمِ وضميره، وشهادةً أدبيةً تكتبُ بالدمِ لا بالحبر، لأنّ صاحبَها لم يكتفِ بأن يتكلّمَ عن التعليم، بل عاشَهُ ثلاثين عاماً، فصارَ يكتبُ من داخلِ التجربة، لا من خارجِها. إنّ هذا النصَّ يذكّرُنا بأنّ البلاغةَ الحقيقيةَ ليست في السجعِ والطباق، بل في ذلك الصدقِ الذي يجعلُ الكلمةَ تخرجُ من القلبِ لتصلَ إلى القلب، من غيرِ وسيط.
وإذا كانَ لا بدّ من كلمةِ ختام، فلتكن: إنّ الأستاذ صبحي سرحان قدّمَ لنا، في عصرِ التعليمِ الآليّ الذي نحيا فيه، ما يشبهُ قصيدةً نثريةً تحتفي بالمعلمِ الإنسان، وتذكّرُنا بأنّ خلفَ كلّ جيلٍ ناهضٍ معلماً كان يوماً يكتبُ على السبورةِ بيد، ويمسحُ دمعةَ طالبٍ باليدِ الأخرى، فيبني بذلك وطناً، قبل أن يبنيَ صفاًّ، ويخلّدُ اسمهُ في سجلّ الأيام، قبلَ سجلّ الدرجات.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
1/09/2026
****************
[ المعلم الناجح ]
كل عام وجميع طلاب المدارس، والمعلمين، والعاملين في سلك التعليم والعمل التربوي بألف خير..
أكتب هذه المقالة بناءَ على تجربة شخصية استمرت ل 30 سنة من العمل التربوي…
وظيفة المعلم هي من أرقى الوظائف. لأنها تبني البشر قبل ان تبني الحجر…فالمعلم الناجح هو صاحب علم ومعرفة، وهو الذي يفهم نفسيات الطلاب ويراعي مشاعرهم ويعاملهم كاولاده، ويراعي الفروق الفردية بين طالب وآخر، يراعي هواياتهم وينمي هذه الهوايات ليخرج مجتمعاََ سليماَ، محبوب لدى طلابه، ومحبوب عند الاهالي والمعلمين، يعطي كل ما يستطيع كي يبني مجتمعاَ مبني على المحبة والتعاون والاخلاص والتضحية والسلام…
[المعلم الناجح باني الانسان وصانع المستقبل ]…
المعلم صانع العقول وباني الانسانية، فهو ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو صاحب رسالة سامية تقوم على نشر العلم والتثقيف وبناء المجتمع..
تتجلى نجاحات المعلم الحقيقي في عدة محاور أساسية ومن اهمها:
1… فهم نفسيات الطلاب ومراعاة الفروق الفردية، يتعامل بروح الابوة، ويرعى هواياتهم ومواهبهم ليضعهم على طريق المستقبل بثقة واقتدار…
2…. الموضوعية والعدالة…يكسب المعلم محبة طلابه واولياء امورهم من خلال تعامله العادل والمنصف مع الجميع دون تمييز، مما يخلق بيئة تعليمية آمنة ومحفزة..
3…. العطاء وبناء المجتمع: يمتد أثر المعلم الى الطاقم المدرسي والمجتمع ككل، اذ يقدم اقصى ما لديه لغرس قيم المحبة والتعاون والاخلاص والتضحية واحترام الاخر وزرع السلام. والابتعاد عن العنف..
4….المعلم الناجح هو حجر الزاوية في بناء مجتمع سليم ومتماسك، يخرج اجيالاَ واعية تسهم بكل ايثار في رفعة وطنها وتطوره..
فأسأل نفسك ايها المعلم، ما هو موقعك مما ذكر اعلاه؟؟؟؟؟؟
هذا هو السؤال الذهبي وهو المقياس الحقيقي والمحرك الداخلي لكل معلم يسعى للتطوير والتميز، فالتعليم رحلة مستمرة من التفكير والتقويم الذاتي…
أن الوقوف مع النفس بهذه الصراحة والشفافية هو الخطوة الاولى والاساسية لتحول المعلم من انسان يؤدي وظيفته، الى معلم ملهم يترك أثراََ لا ينسى في حياة طلابه ومجتمعه…
الاستاذ…. صبحي سرحان.. ابو مجدي.
1.9.2026