مالم يكتب في كتاب الأمراض

نورالدين المسلمي كاتب – مصر

الأيام تمرّ بسرعة أحيانًا، وببطءٍ شديد أحيانًا أخرى.
يمضي اليوم الواحد كأنه لحظة عابرة، ثم تأتي لحظة أخرى فتبدو كأنها تحمل عمرًا كاملًا.

في الطب، تعلّمنا أن الصلابة والمرونة خواصّ للأنسجة، وأن لكل نسيج حدودًا لتحمّل الضغط، وأنه حين يتجاوز الضغط قدرته على الاحتمال، يبدأ الضرر.
لكننا لم نتعلم أن الإنسان كذلك.

فالصلابة والمرونة وجهان لسلاح واحد؛ سلاح مواجهة الحياة.
أن تكون صلبًا لا يعني ألا تنكسر، وأن تكون مرنًا لا يعني أن تكون ضعيفًا. ربما تكون الحكمة الحقيقية أن تعرف متى تتمسّك، ومتى تنحني، ومتى تترك الشيء يمرّ من خلالك دون أن يمزّقك.

درسنا الألم، لكننا لم ندرس الجزع.
درسنا الاستجابة الالتهابية، لكننا لم ندرس كيف يتعامل الإنسان مع جرح لا يظهر في الأشعة.
درسنا المرض، ولم ندرس المريض بما يكفي.
درسنا النشوة، ووصفنا مساراتها الكيميائية والعصبية، لكننا لم نعرف من خلال الكتب ما هو الحب.
عرفنا الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين، لكننا لم نعرف لماذا يستطيع إنسان أن يشعر بالأمان لمجرد أن شخصًا آخر أمسك بيده.
كتاب علم الأمراض كتاب مرعب.
ليس لأنه يتحدث عن السرطان، أو الالتهاب، وإنما لأنه يعلّمك أن تنظر إلى الألم من خلال المجهر.
هناك، تحت العدسة، يتحول الإنسان إلى خلايا… تتضخم هذه وتنكمش تلك وتختفي نواة ويصبح المرض صورةً يمكن وصفها.

لكن ماذا عن الإنسان الذي يسكن ذلك الجسد؟
ماذا عن الأم التي تنتظر نتيجة الخزعة؟
عن الأب الذي يخفي خوفه كي لا يخيف أبناءه؟
عن الشاب الذي يبتسم أمام الطبيب بينما يتخيل أسوأ الاحتمالات؟
عن المريض الذي لا يريد منك دواءً جديدًا بقدر ما يريد أن يسمع منك جملة واحدة تطيب خاطره!

ولعل كتب الطب النفسي أكثر رعبًا. فهي لا تصف الاضطراب إلا عندما يصبح واضحًا بما يكفي وعندما يبدأ في تعطيل حياة صاحبه وعندما يصبح الألم مرئيًا للآخرين.

لكن ماذا عن الإنسان الذي يعاني قبل أن يصل إلى عيادتك؟
ماذا عن القلق الذي لا يزال قادرًا على الذهاب إلى الجامعة؟
والحزن الذي لا يزال قادرًا على الذهاب إلى العمل؟
والوحدة التي تختبئ خلف آلاف الرسائل والمحادثات؟
والخوف الذي يرتدي كل صباح ملابس طبيعية، ويخرج إلى العالم كأن شيئًا لم يحدث؟

ربما لم تُكتب هذه الأشياء في كتاب الأمراض لأنها ليست أمراضًا.. فليس كل ما يؤلم يحتاج إلى تشخيص، وليس كل ما يحتاج إلى احتواء يحتاج إلى وصفة طبية.

ليس دور الطبيب أن يعالج المرض وحسب… بل أن يقي منه حين يستطيع، وأن ينتبه إلى الإنسان قبل أن يتحول ألمه إلى مرض. أن يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يمد يده، ومتى يترك للمريض مساحةً آمنة ليبكي فيها دون أن يشعر أنه فشل في أن يكون قويًا.

أن يسير الطبيب بين الناس، لا كمن يحمل دواءً لكل شيء، وإنما كمن يحمل قدرًا من الطمأنينة. او بلسمًا على كل جرح،
أو على الأقل… على كل نسيج ضعيف قابل للجرح.

ولكن، أيًا ما يكن من أمر الطبيب والممرض، فلنترك المستشفى قليلًا، ولننظر إلى أنفسنا.

فنحن، في نهاية الأمر، أكثر الناس مرافقةً لأنفسنا. ونحن أطباء أنفسنا في بعض اللحظات… لا لأننا نملك التشخيص أو العلاج، وإنما لأننا أول من يشعر بأن شيئًا في الداخل بدأ يختل.

فماذا نفعل حين تضيق بنا الحياة؟

لماذا لا نمارس اليقظة؟

وقد تتساءل: ما اليقظة؟

دعني أناولك يدي، لعلها تساعدك يومًا ما.

توقف قليلًا.

خذ نفسًا عميقًا…
ثم أخرجه ببطء.

لا تحاول أن تطرد أفكارك. لا تحاربها. فقط دعها تمر.

انظر حولك.

صف الحائط أمامك.
لون الكوب الذي تشرب منه.
ملمس الطاولة تحت يدك.
صوت المروحة.
ضوء النافذة.
الهاتف المحمول الذي بين راحتيك.

سمِّ الأشياء من حولك.

ثم تذكّر مدينتك.
شارعك.
بيتك.
غرفتك.
اذكر أسماء أفراد أسرتك.

أين أنت الآن؟

اجعل عقلك يعود إلى المكان الذي يوجد فيه جسدك.

فالعقل القَلِق يعيش غالبًا في مكان آخر… في مستقبل لم يحدث بعد، أو في ماضٍ لا يمكن تغييره.

أما اليقظة، فهي محاولة بسيطة لأن تقول لعقلك:
عد إليّ.
نحن هنا الآن.

هذا التشتّت الممنهج بين الحواس والذاكرة واللحظة الحاضرة ليس هروبًا من الحياة، بل عودة إليها.

فالقلق يأخذنا إلى ما قد يحدث،
والندم يأخذنا إلى ما حدث،
أما الحياة… فلا تحدث إلا الآن.

ولعل أعظم ما لم يُكتب في كتاب الأمراض هو أن الإنسان ليس جسدًا ينتظر التشخيص… إنه قصة.
له خوفه الذي لا يظهر في الأشعة، وذكرياته التي لا تظهر في التحاليل، وأحلامه التي لا تستطيع الموجات فوق الصوتية أن تراها.

قد يكون أمامك جسدٌ سليم تمامًا، بينما يحمل صاحبه قلبًا أنهكته الحياة.

وقد يكون أمامك مريضٌ بمرض عضال، لكنه أكثر الناس امتلاءً بالحياة.

ولهذا، ربما لا يكون الطب في أسمى صوره حين نعرف اسم المرض فقط، بل حين نعرف من الذي يحمل المرض.

فالمشرط يستطيع أن يصل إلى النسيج،
والمجهر يستطيع أن يكشف الخلية،
والدواء يستطيع أن يصل إلى المستقبلات…

لكن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى شيء آخر.
يحتاج إلى إنسان… إنسانٍ يراه !
لا يرى مرضه فقط.
وهذا، في ظني، هو الفصل الذي لم يُكتب بعد في كتاب الأمراض.