
بين الهندسة والأدب حكاية رجل اختار ان يسكن الكلمات /حوار مع الحكواتي فايل المطاعني/|إعداد وحوار ليلى برادة
حوار مع الحكواتي فايل المطاعني
بين الهندسة والأدب… حكاية رجل اختار أن يسكن الكلمات
إعداد وحوار: الأديبة ليلى برادة – المغرب 🇲🇦
مدخل الحوار
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أستاذي الفاضل، وأديبنا الكبير، الراوي والحكواتي الأستاذ فايل بن سريد المطاعني.
أديبٌ عالي المقام، غنيّ عن التعريف، عاشقٌ متيّم بالأدب والتاريخ والقصص والحكايات. ومن خلال متابعتي لرواياتكم وأعمالكم الأدبية، علمت أن تخصصكم الدراسي كان علميًا، وأنكم مهندس، فكيف استسلمتم لجاذبية المسالك الأدبية، من شعر وقصة وحكاية ورواية؟
ج ـ بدايةً، أهلًا وسهلًا بالأديبة والشاعرة الجميلة ليلى برادة، ويسعدني هذا اللقاء الذي يجمعنا على مائدة الأدب والكلمة.
أما عن سؤالك، فأعتقد أن الإنسان لا يختار دائمًا ما يحب، أحيانًا يكون الحب قد اختاره منذ البداية.
درست الهندسة، وعملت في مجال علمي، وما زلت أؤمن بأن العلم والهندسة يمنحان الإنسان عقلًا منظمًا وطريقة مختلفة في النظر إلى الأشياء، لكن الأدب كان يسكنني منذ طفولتي.
منذ الصغر كنت عاشقًا للقراءة، مولعًا بالشعر، ومفتونًا بالحكايات والتاريخ. كنت أجد نفسي بين الكتب أكثر مما أجدها في أي مكان آخر. الهندسة كانت تخصصًا دراسيًا ومهنيًا، أما الأدب فكان حالة عشق.
ولذلك لم أشعر يومًا أن هناك صراعًا بين الهندسة والأدب، بل على العكس؛ ربما أعطتني الهندسة النظام، بينما منحني الأدب الروح، وبين العقل والروح حاولت أن أكتب حكايتي الخاصة.
لكل أديب عرّاب بالفطرة… فمن أغوتكم كتاباته وأغرتكم حكاياته وقصصه؟
ج ـ هناك أسماء كثيرة أحببتها وتأثرت بها، لكن الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس يحتل مكانة خاصة في ذاكرتي الأدبية.
كنت أقرأ له منذ سنوات مبكرة، وكنت مفتونًا بقدرته على الاقتراب من الإنسان، والدخول إلى أعماقه دون ضجيج.
وأعترف أنني في بداياتي كنت أكتب متأثرًا بأسلوب إحسان عبد القدوس، وربما حاولت، دون أن أشعر، أن أسير في بعض ملامح مدرسته الأدبية.
لكن مع مرور السنوات، يبدأ الكاتب في البحث عن صوته الخاص. التأثر في البداية أمر طبيعي، أما الاستمرار فهو مسؤولية الكاتب أمام نفسه.
إحسان عبد القدوس علمني أن الإنسان هو أعظم قصة يمكن أن يكتبها الكاتب.
متى تفطنت لموهبتكم؟ وهل تذكرون أول قصة كتبتموها أو أول رواية حكيتها؟
ج ـ نعم، أتذكر ذلك جيدًا. أول رواية كتبتها كانت بعنوان: «امرأة في حياتي».
كنت وقتها شابًا صغيرًا، أكتب بحماس البدايات، وربما ببراءة الكاتب الذي لم يكن يفكر كثيرًا في الشهرة أو النشر، بقدر ما كان يريد أن يقول شيئًا.
وأعتقد أن الإنسان لا ينسى أول نص يكتبه، لأنه يشبه أول خطوة في طريق طويل. قد تنظر إليه بعد سنوات بعين مختلفة، وقد تبتسم لبعض ما كتبته، لكنك لا تستطيع أن تنكر أنه كان البداية.
وفي أي سن آمنتم أن الكتابة والقصة هما محراب معبدكم الأمين؟
ج ـ في الخامسة عشرة تقريبًا.
في ذلك العمر بدأت أشعر أن الكتابة ليست مجرد هواية عابرة، بل مساحة أستطيع أن أعيش فيها بطريقتي الخاصة.
كنت أقرأ كثيرًا، وأكتب كثيرًا، وأحاول أن أفهم الناس والحياة من خلال الكلمات.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الكتابة جزءًا مني. قد تمر فترات أبتعد فيها عن الورق، لكنني لم أبتعد يومًا عن الحكاية.
وهل للوالدين والإخوة والمقربين دور فيما أنتم عليه اليوم؟
ج ـ بالتأكيد، فالإنسان لا يصنع نفسه وحده.
وكانت والدتي، رحمها الله وغفر لها، أكبر داعمة لي في مسيرتي الأدبية والإنسانية.
الأم أحيانًا لا تكتب كتابًا، لكنها تكتب داخل أبنائها أشياء كثيرة لا يستطيعون التعبير عنها إلا بعد سنوات.
كانت تؤمن بي، وتشجعني، وربما كانت ترى في ذلك الشاب الذي يقرأ ويكتب شيئًا لم أكن أنا نفسي أراه بوضوح في ذلك الوقت.
رحمها الله، فما زال دعاؤها ومحبتها يسكنان كثيرًا من تفاصيل حياتي.
فمن من الكُتاب أو القصاصين أدخلكم ملكوت الكتابة؟ وكيف تملكتكم سحر القصة وجاذبية الإلقاء؟
ج ـ أعتقد أن الحكاية دخلت حياتي قبل أن أدخل أنا إليها.
كنت منذ طفولتي مولعًا بالشعر، وألقي القصائد في المناسبات، وكانت لدي علاقة مبكرة بالكلمة والصوت.
الإلقاء بالنسبة لي لم يكن مجرد أداء، بل كان حالة تواصل مع الناس. كنت أحب أن أرى أثر الكلمة في وجوه المستمعين.
أما القصة، فقد جاءت من القراءة، ومن مراقبة الحياة، ومن عشقي للتاريخ والناس وتفاصيلهم.
أنا أؤمن أن كل إنسان يحمل داخله حكاية، لكن ليس كل إنسان يجد من يرويها.
وربما كانت مهمتي التي أحببتها أن أكون ذلك الرجل الذي ينصت للحكايات ثم يمنحها صوتًا.
وكيف كان شعوركم حين نشرتم أول باكورة من كتاباتكم؟ وكيف استقبلها القراء والنقاد؟
ج ـ لا يمكن أن ينسى الكاتب شعور أول إصدار، فهو يشبه أول ولادة.
كنت سعيدًا جدًا، وممتنًا لأن ما كان يعيش طويلًا بين الأوراق أصبح كتابًا يقرأه الناس.
وكانت من بداياتي سلسلة «جريمة على شاطئ العشاق»، والحمد لله لاقت نجاحًا جميلًا ونفدت من السوق الأدبي.
والأجمل من كل ذلك أن شخصيات السلسلة أصبحت معروفة لدى القراء، وكأن أبطال الحكاية خرجوا من الورق وأصبحوا جزءًا من ذاكرة الناس.
ذلك الشعور لا يشبهه شيء؛ أن تكتب شخصية من خيالك، ثم تجد الناس يتحدثون عنها وكأنهم يعرفونها.
هنا يدرك الكاتب أن الكلمة عندما تصل إلى الناس لم تعد ملكًا له وحده.
في لحظة اختبار، كيف تكون مشاعركم وأنتم تلقون رواياتكم وقصصكم أمام متابعيكم ومحبيكم؟
ج ـ شعور جميل جدًا، وفي الحقيقة هو شعور يحمل كثيرًا من الامتنان.
لم أتوقع في يوم من الأيام أن تنتشر الحكايات بهذا الشكل، أو أن تصبح جزءًا من حياة بعض الناس.
أحيانًا ألتقي بأطفال في الأماكن العامة فينادونني: «عمي فايل»، وأحيانًا يطلب مني الكبار حكاية جديدة أو يتحدثون معي عن شخصية من شخصياتي.
هذه الأشياء تجعلني أشعر أن ما أقدمه وصل فعلًا إلى الناس.
وأنا لا أتعامل مع الشهرة باعتبارها هدفًا، بل مسؤولية. عندما يحب الناس ما تقدمه، يصبح عليك أن تحترم هذا الحب وألا تخذلهم.
أما لقب «الحكواتي»، فهو من أجمل الألقاب التي ارتبطت بي، لأنه جاء من الناس، واللقب الذي يمنحك إياه الناس له مكانة خاصة.
كيف تزاوجون بين تخصص علمي محض في المهارات الهندسية وبين الإبحار والغوص في محيطات الأدب بمختلف أنواعها، من القصة والرواية الواقعية والخيالية إلى التاريخ والحكاية؟
ج ـ أنا لا أرى تناقضًا بين العلم والأدب، بل أراهما وجهين مختلفين للمعرفة.
الهندسة علمتني الدقة والتنظيم والصبر، والأدب علمني أن الإنسان ليس معادلة يمكن حلها بسهولة.
في الهندسة تبحث عن الحل، وفي الأدب تبحث أحيانًا عن السؤال.
في الهندسة تبني شيئًا يمكن أن تراه، وفي الأدب تبني عوالم لا تُرى، لكنها قد تبقى في ذاكرة الإنسان سنوات طويلة.
وأعتقد أن التنوع هو ما صنع شخصيتي. أنا قارئ للتاريخ، عاشق للأدب، مهتم بالإنسان وتجربته، وأحب أن أتنقل بين الواقع والخيال دون أن أفقد هويتي.
الكاتب لا يجب أن يحبس نفسه داخل غرفة واحدة.
وهل لديكم كتب أو أعمال مترجمة إلى لغات أجنبية؟ وما شعوركم حين تقرؤون إبداعكم بلغة أخرى؟
ج ـ نعم، من الأعمال التي تُرجمت قصة «اغتيال عائشة» إلى اللغة الألمانية.
والحقيقة أن الشعور جميل جدًا.
أن تكتب بلغتك، ثم تجد حكايتك تعبر الحدود واللغات والثقافات، هو أمر يجعل الكاتب يشعر أن الأدب بالفعل لا يعرف الجغرافيا.
اللغة تختلف، لكن المشاعر الإنسانية واحدة.
وعندما تقرأ نصًا كتبته بلغة أخرى، تشعر وكأن حكايتك سافرت بعيدًا عنك، لكنها ما زالت تحمل اسمك وروحك.
وهذا بالنسبة لأي كاتب شعور لا يوصف.
وهل من جديد تحبل به قريحتكم؟ ومتى يكون الميلاد؟
ج ـ الكاتب الحقيقي دائمًا لديه شيء جديد، حتى لو لم يكن قد اكتمل بعد.
هناك أفكار كثيرة ومشاريع أدبية أعمل عليها، وبعض الحكايات ما زالت تنضج بهدوء.
أنا لا أحب أن أستعجل الكتابة، فبعض الحكايات تحتاج إلى وقت حتى تقول لك بنفسها: الآن أنا جاهزة للخروج إلى الناس.
لكنني أعد القارئ دائمًا أن القادم سيكون مختلفًا، لأن الكاتب إذا توقف عن التجدد، توقف عن الكتابة حتى لو ظل يمسك القلم.
كلمة أخيرة للأديبة ليلى برادة ولقرائكم في المغرب والوطن العربي؟
ج ـ أولًا، أقول للأديبة والشاعرة ليلى برادة: أشكرك من القلب على هذا الحوار الجميل، وعلى الأسئلة التي جعلتني أعود إلى محطات كثيرة من حياتي.
وأقول لأهل المغرب، بلد الثقافة والشعر والجمال والتاريخ: لكم في القلب مكانة خاصة، فالمغرب ليس بعيدًا عن المشرق كما يظن البعض، لأن الأدب يجعلنا جميعًا أبناء وطن واحد اسمه اللغة العربية.
أما لقرائي وأصدقائي في كل مكان، فأقول: شكرًا لأنكم منحتم الحكايات حياة أخرى.
أنا أكتب، لكن أنتم من تمنحون الكتابة معناها.
وسأظل، ما دام في العمر متسع، أقرأ وأتعلم وأكتب وأروي الحكايات…
ليس لأنني أملك كل الإجابات، بل لأنني ما زلت، مثل طفل صغير، أحب أن أعرف ماذا سيحدث في الصفحة القادمة.
الحكواتي لا يتوقف عن الحكي… لأنه ببساطة ما زال يؤمن أن في هذه الحياة حكايات تستحق أن تُروى.
في الختام
الأديبة ليلى برادة:
أستاذ فايل المطاعني، نتمنى لكم دوام الألق والتألق والإبداع، وأن تبقى حكاياتكم ممتدة بين القلوب، حاملةً ذلك الصوت الإنساني الجميل الذي عرفه القراء وأحبوه.
الحكواتي فايل المطاعني:
وأنا أقول لكِ أستاذة ليلى: شكرًا لأنكِ لم تسأليني عن كتبي فقط، بل جعلتني أعود إلى حكايتي أنا.
وأحيانًا يحتاج الحكواتي إلى من يروي له حكايته… حتى يتذكر من أين بدأ.







