اخطاء محدقة..تصنيعها ولى

عبد السلام أضريف

الزمان :
بُعَيد فجر يوم ما ، من شهر ما، من سنة ما، حيت ان الموسم كان صيفا ،والساعة كانت تشير الى الخامسة والنصف صباحا .
في اللفظ اللغوي،الزمن والزمان هما مترادفان في المعاجم العربية الكبرى، مثل لسان العرب حيث يُدلان على اسم لقليل الوقت وكثيره. لكن بعض أهل العلم والفلسفة فرقوا بينهما في الاستخدام الدقيق.
الفروق الدقيقة بين اللفظين
الزمان: يُطلق غالباً على المدة الطويلة أو الحقبة التاريخية أو العصر المحدّد بحدث معين مثل: زمان الجاهلية، زمان الطفولة.
الزمن: يُستخدم للدلالة على المفهوم العام المطلق للوقت،أو المقدار الفيزيائي المستمر بغض النظر عن طوله أو قصرة.
الوقت: أخصّ من الزمن والزمان، فهو مقدار معين من الزمن قُدّر لأمر أو فعل محدد كوقت الصلاة، او وقت الحصاد
المكان :
*أ ؛ الشارع الرئيس للمدينة،حيت حركة المرور قليلة الا من بعض متاخري رواد الحانات التي تستفيد من ترخيص خاص، يبيح لأصحابها الإغلاق المتأخر .
*ب ؛ذاك ناسك متعبد خرج للتو من المسجد بعد أداء صلاة الصبح ، وتلاوة ورد الصباح ،المتمثل في قراءة الحِزب كعادة كل مساجد المملكة .
*ج ؛ في حين ان آخرين يقتنون زجاجات خمر، وبعض الجعة من محل خاص لبيع الخمور ،بعدما أقفلت الحانات ابوابها ، علها تنسيهم هما او كدرا او بؤسا ،او فرارا من شحنات عائلية ،وفي نفس الوقت ختاما لليلة خمرية بيضاء .
*د ؛ آخر يحرق اِشارة الضوء الاحمر الذي ينظم حركة المرور ، مزهوا بابتسامة النصر على قانون السير ، وعلى غياب عناصر تنظيم المرور ، وهذه الحركة لا يجرأ على القيام بها اثناء تواجد عناصر الأمن ، لأننا نخاف ولا نستحيي، ولا زالت ثقافة احترام قانون السير ،لم نقتنع بها بعد .
*ه ؛ هناك في الجهة المقابلة لمفترق الطرق من الشارع الرئيس ،مجموعة من الاشخاص الذين يظهر من تجاويف وسحنات وجوههم ، فضلا عن لباسهم الخشن،غير المتناسق، عبارة عن سراويل كبيرة الحجم ، وجدوها في بالوعات القمامة ،او ورثوها عن آبائهم،ممزقة من الأمام ومن الخلف ،ويرتدون أحذية رياضية مقاسها لا يتناسب وحجم ارجلهم ،تفوح منها رائحة تزكم الأنفس ، مربوطة باسلاك رفيعة لأنها تجاوزت صلاحية ارتدائها لعدة سنين ، ولا بديل عنها لشِدة العَوَز ، هذه الشريحة من المجتمع تقطن في دور للصفيح على هامش المدينة،حيت لا بنية تحتية ،ولا مرافق صحية ،ولا تجهيزات اجتماعية ،و هي تمثل جزءا من طبقة مسحوقة حظهم في هذه الحياة الدنيا سوى طعم المهانة والإذلال،اوضاعهم الاجتماعية تفوق بؤساء (فكتور هوغو )يتعايشون مع لحظات الاحتضار التي رفضت أن تزورهم،يفتخرون بهذا البؤس الجاثم على رقابهم،فلا تسمع لهم الا انين الحزن الاخرس ،الذي يعتبرونه كمؤشر واضح انهم فعلا ما زالوا على قيد الحياة ،يتجهون بسرعة يدفعون عربات يدوية عجلاتها غير متوازنة ، متجهين الى الميناء من اجل اقتناء أو اِستعطاف ارباب مراكب الصيد التقليدي للسمك ،قصد تزويدهم ببعض الصناديق الخشبية من سمك السردين أو بعض بقايا من سمك (التونة ) المتخلى عنها في رصيف ميناء الصيد .
*و ؛ في اجزاء اخرى من الشارع ، وعلى مداخل بعض الازقة الفرعية ، هناك فئة اخرى من القاصرين لا يتجاوز أكبرهم اثني عشر سنة ما زالت تغط في نومها العميق ،مفترشة علب الكارتون ، والبلاستيك كلحاف ، ويرتدون البِسة اكبر واطول من قاماتهم النحيفة ،عليهم نفس علامات البؤس والقهر،والافتقار الى الحنين،والى الاحضان الدافئة ،التي تفتقر اليها كل الاوساط الاجتماعية الهشة ،هذه الشريحة من البراعم غادرت بيوتها كرها ،وتمردا على اوضاع اسرهم المهزوزة، اِذ انهم وجدوا في الشارع الحضن الشاعري والنعومة المرغوبة ، فهم يحبون كل من يناديهم بِالعفاريت، يبتسمون في وجه المارة من أجل الحصول على عطفهم أو بعض القروش من أجل اقتناء مادة اللصاق ،وهذه المادة كانت تصنع في الماضي من مواد طبيعية كعصارة الأشجار وجلود الحيوانات. أما اليوم، فإنها تصنع بصورة رئيسية من المواد المصنّعة كالنيلون ومادة السيليكون ، يتم وضع القليل منها في قطعة من الثوب او خرقة بالية، بعدها يتم فَركُها واستنشاق مفعولها ،وهذا يترك اثرا ونشوة لا يعرف حجمها الا من اعتاد على استعمالها الدائم والغرض من وراء ذلك تخدير خلايا الدماغ ،كما انها تسبب اضرارا كطنين الادنين ،فضلا عن تشنجات ، مع غياب التركيز، وضبابية في الرؤيا .
*ز ؛ وفي طريق العودة الى البيت ، بعد ان اقتنيت بعض الخبز من المخيزة المجاورة للحي الذي اقطنه، تلقيت خبرا بوفاة امرأة عجوز مسنة تخلى عنها أهلها بسبب مشاكل مرتبطة بالارث ، ومشاكل أخرى مع زوجة ابن عاق، فَضَّل زوجه على من كانت سببا في إخراجه إلى حيز الوجود ، وما اكثر هذه النمادج التي توسع وجودها في العالم العربي،حيت يعتبر هذا الفعل المشين واللااخلاقي عصيانا وتمردا على كل ما له ارتباط بالاخلاق والقيم، التي أضحى وجودها عبءا ثقيلا في اوساط بعض الشباب الطائش باسم الموضة والحضارة العصرية ، الامر الذي ترتب معه وفاتها المفاجئة، فماتت من شدة الاِنكسار،الغم والقهر ممن كانت تظنه سيكون لها سندا،ومِنْسَاَة تتكِىء عليها عند بلوغها ارذل العمر
*ك ؛ كما تلقيت خبرا آخرا تمثل في انهيار دور سكنية ايلة للسقوط ، على قاطنيها بالمدينة العتيقة ، والسبب في ذلك غياب الصيانة ، وقلة اليد التي تحول دون القيام بإصلاح التشققات التي تعرفها هذة المساكن ،ولحسن الحظ لم يخلف ذلكم الانهيار خساير في الارواح ، علما ان الاقدار قد حكمت عليهم بالموت ،إلا أن لطف الله كان حاضرا.

وفي خضم هذ ه الفسيفساء من المشاهد الدرامية ،وتوالي الأحذات والاحزان كنت بعيدا أراقب تارة ،وألاحظ اخرى ،وأُعَقب سِرا لا جَهْرًا، احاول تحليل فصول مشاهد هذه المسرحية،وانا خارج الإطار،لكني لم أستطيع ذلك .
اتدرون لماذا ؟ لانني جزء من تركيبة المشهد، فَصَعب علي وصفها، وصفا دقيقا ،واستيعابها وتحليلها.هذه النمادج البشرية التي تعج بها شوارع العالم العربي،لها دلالة تبرز مدى هشاشة الاوضاع الاجتماعية ،للمواطن العربي المغلوب على امره،نتيجة اختلالات بِنيَوية ،تحتاج إلى تقويم هيكلي في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،قد يتغير الفضاء،ويتغير اللون والذوق ،ويتغير المِعمار،واسماء الشوارع وأضواء المدينة،لكن اللاسلام و الظلم، والبؤس المُدقع اللامتناهي، والقهر المتواصل ،والانكسار الفعلي ،والهشاشة القابعة في أعماق النفوس المُدَمرة ،والخواطر المكسورة، الساعية دوما إلى من يجبرها،تبقى تلكم هي القواسم المشتركة ، والحليف القوي المميز الذي يتعايش معه المواطن العربي الذي يستنشقها،إلى درجة أن اضحت جزءا من كينونته،حيت ترتب عن ذلك أن امست ربيبةً لذكرياته،لعنة أصابت كلا من عَمرو و زَيد ،اِنها فعلا مشاهد في الحقيقة في حاجة إلى مخرج ماهر لكي يخرجها إلى الوجود ثانية ، وصياغتها في قالب فني فُرجوي من اجل المزيد من التحليل والتأمل والترصد .انه مشهد يثير الشفقة، على الرغم من كونه يعكس جزءا من الخيال الواقعي،لكننا نؤمن ايمانا قطعيا ،بأن مع المشاهد ظرفية ، وعُسرها سينقلب حتما إلى يُسر ، على الرغم من غياب مؤشرات على ذلك .

صفوة القول ، اردد ما قاله شكسبير :
شمس روما غارت !
ونهارنا اكبر؛
غيوم و ضباب
وأخطاء مْحدقة ؛ تَصْنِيعُها وَلَّى .

الله غالب
12 شتنبر 2026