قراءة نقدية لنص (بريق القمر) للشاعر السوري احمد احمد|الدكتور مرواني عاشور

اديب وناقد |جزائري

القراءة:

قراءة وجدانية في نص بريق القمر الشاعر كاظم أحمد أحمد

“بريق القمر” عنوانٌ يَعِدُ بالضوء، لكن القصيدة تُسلّمك إلى الشوق من أوله. تقرأها فتشعر أنك تُمسك بيدٍ ثم تنفلت.

البداية: اكتمالٌ عابر
“أغرقتِ العينَ وملأتِ الوتين” الحب هنا ليس عاطفة، بل غزوٌ كامل. تدخل المحبوبة العين، ثم الوتين، ثم تكسر “طقوس الرتيب”، وتلوّن الأيام بالرحيق. لحظةٌ من الامتلاء الخالص… ثم كما في كل حبٍّ صادق الهروب.

“مرّتْ كلمح الريم هاربة من قطيع” صورة موجعة. الجمال هنا خائف، هارب، لا يقيم. وكأن الشاعر يعرف منذ البداية أن الفرح في هذا العالم مكتوب عليه المرور لا البقاء.

الوسط: رحلة الفقد
“تأبطتُ قلبي أرافقها للرحيل” يذهب معها. يرافقها كي لا تفقد الطريق، لا كي يبقى معها. ثم يعود “وحيداً” تسامره الصور واللقطات. الذاكرة هنا ليست عزاءً، بل سجّان لطيف يُغفي الشاعر بين مشهد ومشهد، بلا أمل، لكن بكلماتها “سنلتقي بعد أجل” تُبلسمه وتُبقيه حياً على أمل مؤجل.

الجرح الوجودي
“ما ذنب الإنسان خُلق على عجل؟” هنا ينتقل النص من ذات الشاعر إلى الذات الإنسانية كلها. سؤال يوجع لأن جوابه معروف: العجلة هي التي تجعلنا نفقد ما نحب قبل أن نكتمل معه.

الذروة: صورة الآس المخطوفة
“من إبط الأوراق تدلّت يانعة / حبات آسٍ خطفها طيرٌ وطار” هذه أصدق صورة في النص. الثمر الناضج لم يُقطف، بل خُطف. والفرق بين القطف والخطف هو الفرق بين الرحيل الذي نختاره والرحيل الذي يُفرض علينا.

الخاتمة: الحزن كإيقاع كوني
“كل يوم يُولد فجر و ينام بعد الأفول / و يسطع قمر يروي الحكايات للنجوم / لتبكي عيونها طلّ الصباح و تغفو / و تستيقظ ثغور الورد على نحيب جديد”

الطبيعة لا تشارك الشاعر حزنه فحسب، بل تُديره بنظام. الفجر يولد، القمر يروي، النجوم تبكي، الورد يستيقظ على نحيب جديد. الحزن هنا ليس حالة عابرة، بل دورة أبدية. كل صباح يحمل معه حزناً جديداً، وكل ورد يفتح ليذرف.

خلاصة وجدانية:
هذه قصيدة رجل يعرف أن الحب لا يُنسى، وأن الفقد لا يُعالج، وأن الذكرى تُطعم ولا تُشبع. كتبها بإيقاع هادئ كي لا يصرخ، فخرجت أصدق من أي صراخ. “بريق القمر” هنا ليس ضوءاً بل دمعة تلمع في الظلام.
النص:
بريق القمر

أغرقتِ العينَ و ملأتِ الوتين
ولجتْ بإيابها نسماتِ الشهيق
گسرتْ طقوس الرتيب
لوّنتِ الأيام المعدودة بالرحيق
مرّتْ گلمح الريم هاربة من قطيع
ما خلتْ من كمشات سعادة و عبير
تأبطتُ قلبي أرافقها للرحيل
عدتُ وحيدا تُسامرني لقطات الصّور
أغفو بين كلّ مشهد و آخر بلا أمل
تُبَلسمني كلماتها سنلتقي بعد أجل
ما ذنب الإنسان خُلق على عَجل؟
فِلذاتُ الأكبادِ نأتْ عن المقل
من إبط الأوراق تَدَلّتْ يانعة
حبات آسٍ خطفها طيرٌ و طار
نَقتاتُ على الذكريات أيام ما تبقى
ننتظر عودة الفراشات و الزهر
كلُّ يوم يُولد فجر و ينام بعد الأفول
و يسطع قمر يروي الحكايات للنجوم
لتبكي عيونها طلَّ الصباح و تغفو
و تستقيظ ثغور الورد على نحيب جديد