
قراءة نقدية في رموز قصة(الرجل الذي حضرجنازته) للكاتبة التونسيةذكرى الكشباطي|سعيدة بركاتي
كاتبة وناقدة وفنانة تشكيلية| تونسية
لننطلق في القراءة من عتبة القصة : العنوان :
“الرجل الذي حضر جنازته” عنوان صادم من أول سطر، أليس كذلك؟
الجنازة طقس للغياب، و الحضور طقس للحياة. فكيف جمعت الكاتبة بينهما ؟ الجواب جاء في النهاية: “أقيمت جنازته بعدما لم يعثروا على جثّته. و قرّر أن يحضرها، و أن ينعي نفسه”. لم يمت جسداً، بل مات معنى. و حين حضر لم يبكِ نفسه، بل جلس يستمع لحكم الناس عليه بعد موته. هذا الحضور فعل نقدي خالص.
لكن من الذي يحكم عليه؟
تفتح القصة على القرية بوصفها فضاء الضجيج و الحكم ” و الأحداث : الإطار المكاني للقصة” . تصفهم القاصة بـ “الذّباب الّذي يعشق التّطبيل و التّزمير”. لغتهم قاسية و مختزلة: “أصمّ”، “به مسّ”. لا يرون إلا القشرة: “جلسته مهابة و مشيته مشية باشاوات”. هم جمهور سونيا الذي يصفق، و جلادها في نفس الوقت الذي يصمت. هذا هو العالم القديم الذي لا يحتمل صوتاً مختلفاً.
فإلى أين يذهب الرجل حين يضيق به هذا العالم؟
ينسحب إلى الكوخ و الغابة. “انتبذ هذا الرّكن القصيّ من القرية و سكن غاباتها”. الكوخ هنا ليس سجناً، بل محراباً. ينام مع “روفي” “يحضنه كما يحضن العاشق صورة معشوقته”. و تتحول الطبيعة إلى بديل عن البشر: زقزقة العصافير موسيقى، و خرير الوادي غسل للروح، و المطر يجعله “يفترش التّراب النّديّ مشهرا جسده للغيث”. أهي عزلة مرضية؟ لا، إنها اعتكاف صوفي. “خوّص عينه في خرم إبرة فانجلي أمامه الحب الأكبر”. مقابل “الألقاب الفخمة” التي تركها، اختار “التراب الندي” معمودية جديدة.
ما الذي دفعه إلى هذا الانسحاب؟
هنا تظهر سونيا، المحور الغائب الحاضر. كل القصة تدور حول فراغ تركته. هي “امرأة من شعر” و “ابنة الحرف المغزول”. جمالها لا يوصف جسداً فقط، بل فعلاً: “حين ترمّش عينيها، تنتظم الأبيات على شفتيه”. ليست شاعرة تكتب، هي القصيدة نفسها ” جسديا ، ماديا و معنويا ” . و هي الضد الكامل للنسوة اللواتي “يتعمّدن استمالة نظره”.
فلماذا سونيا تحديداً؟ و ما هي جريمتها؟
هنا أخطر ما في القصة . لم تُقتل لسبب سياسي أو جنائي. القصة تُصرح بالسبب ببرودة قاتلة: “قُتلت سونيا… لأنّها تغنّت بالحبّ و الحياة و الجمال”. و تكشف الجملة اللاحقة آلية القمع: “إمساك المرأة عن كتابة الشعر ” هذا بمقياس فضيلتهم ” شرف و عفّة”. سونيا تمثل سلطة مغايرة لسلطة القرية. على الركح “تنحني لها الرقاب و تمجّد”. صوتها كان تهديداً لأنه حر، لذلك كان لا بد من إسكاته. قتلها هو قتل للغة نفسها. بينما تقدم الأخريات الجسد بضرب الأرض بالخلاخل، قدمت هي الروح و الكلمة. و سونيا ليست شاعرة تنظم، بل “امرأة من شعر”: جسدها نص، و نفسها بيت، و حضورها ديوان…
سؤال كبير : إذا كان الأمر كذلك، فكيف تعامل البطل مع هذا الفقد؟
نص القصة يقطع الشك: “خال أنّ الشّعر سيكتب عنها مرثيّته، غير أنّه واصل نظمه دون أن ينتحر”. بدلاً من ذلك اختار “موتاً بتدبير محكم”. لماذا؟ لأنه جرّب الحياة الأولى و وجدها زائفة. “كان في الأربعين من عمره حين تفتّحت وردة قلبه”، و “انتشلته من رتابة الألقاب الفخمة”. بعد سونيا، العودة مستحيلة: “من أيّ باب سيعود لحياته الأولى وهو الّذي وطأ الجنّة و امتلأ بها؟” حضور الجنازة كان اللحظة الحاسمة : عندما سمع “ما لا يعرفه عن نفسه” من “الذّباب”، “أدرك حينها أنّه مات حقّا”. مات في عيونهم. و بذلك تحرر . “عبرهم مبتسما. و تماهى مع الوجود حيث تناثرت سونيا بكل سحرها آيات من الجمال المطلق”.
لكن ما معنى الأشياء الصامتة التي رافقته؟ و هنا نتطرق إلى بعض الرموز الواردة في القصة :
نبدأ بِ “روفي”. “في كوخه الصّغير، ينام بجنبه كلبه ‘روفي’ يحضنه كما يحضن العاشق صورة معشوقته”. روفي ليس حيواناً. هو المجتمع البديل في وجه “الذباب”. الذباب يرمز لسلطة التفاهة و النفاق، يصفق في الحياة و يذم في الموت. أما روفي فوفاء بلا نفاق، حضور بلا شروط. بعد سونيا انتقلت طاقة الحضن من الجسد إلى المخلص، فصار شاهد الحداد و رفيق الاعتكاف.
عن التراب والماء:
“يفترش التّراب النّديّ مشهرا جسده للغيث و البلل فيغدو جسده حدائق من آس و ورد وسوسن”. التراب هنا ليس قبراً بل رحماً، مقابل الجنازة التي أقاموها له. و المطر “كرم و بركة” يغسل الروح، في مقابل “الصمت المرضي” للقرية. من جسد مسجى في التراب تنبت حدائق. هذا موت يثمر حياة. التراب محراب، و الغيث معمودية جديدة بدل طقوس الموت.
أما عن إغراء النسوة :
“تمرّ به النّساء… فيتعمّدن استمالة نظره… يضحكن و يواصلن سيرهنّ ضاربات الأرض بخلاخلهنّ”. هن امتداد لسلطة القرية. “لو رأينه صاحبات زليخة لما اكتفين بقطع أيديهنٌ”. يردنه للعبة الجسد و السلطة. لكنه “لم يكن يرى غمازاتهنّ” لأن سونيا “امرأة من شعر” وضعت معياراً جديداً: جمال الكلمة و الروح. رفضه لهن وفاء كوني. فبينما يقدمن الإغراء الجسدي، كانت سونيا تقدم “أغنية تنبثق من رحم الوجود”.
و سؤالنا عن الأربعين تحديداً :
“كان في الأربعين من عمره حين تفتّحت وردة قلبه”. الأربعون عتبة الحكمة و النضج. الحب لم يأت متهوراً بل ناضجاً كاملاً: “أهدته الحبّ الّذي يشبهه على طبق من سحر”. و حين يُقتلع في ذروته، تصبح العودة إلى “الألقاب الفخمة” مستحيلة. الرقم شهادة على أن قلبه تأخر لينضج للحق، لا للزيف.
يأتي السؤال الذي اعتبره سؤال المحور : “الذباب” الذي جلس بمحاذاته؟
“جلس بمحاذاته الذّباب الّذي يعشق التّطبيل و التّزمير… ذمّوه و تشفّوا بموته”. هم طبقة المنافقين، النقيض المباشر لروفي. كانوا حوله في “هالة الرّتب”. في الجنازة كشفوا وجههم. محاذاته لهم و هو متنكر ” هي قمة السخرية ” . و في تلك اللحظة “أدرك أنّه مات حقّا” في ضميرهم، فتحرر و تركهم.
فكيف كانت الخاتمة؟
“عبرهم مبتسما… و تماهى مع الوجود”. العبور تجاوز نبيل و راقي، و الابتسامة سلاح من عرف السر ” ابتسامة سخرية و انتصار في آن واحد” و بعدها لا يذهب لمكان، بل يذوب. “تناثرت سونيا… آيات من الجمال المطلق”. لم يعد يبحث عنها في قبر ، أصبحت من نور في كل شيء. ترك “الصمت المرضي” للقرية و دخل في “صمت التأمل” الكوني.
سؤال فرض نفسه : ألا تشعر أيها المتلقي أن النص مشبع بتناص ديني و صوفي رفعاه من الحكاية الفردية إلى الملحمة الروحية؟
الكلب روفي : تناص كلب أهل الكهف في سورة الكهف ،
تناص يوسف و زليخة حاضر: “لو رأينه صاحبات زليخة لما اكتفين بقطع أيديهنٌ”. لكنك تقلب الأسطورة. يوسف كان يُفتن به، أما بطلنا فلا يرى “غمازاتهنّ” لأن قلبه امتلأ ” بسورة ” أخرى اسمها سونيا. الفتنة هنا لا تكسر العفة، بل تؤكدها . أما “انتبذ هذا الرّكن القصيّ” قرآني من قصة مريم. انسحابه إلى الغابة اعتزال للعالم و “تلبية لنداء الوجود”. و “خوّص عينه في خرم إبرة” صورة صوفية للفناء في الواحد . المطر و التراب طقس تطهر يشبه الغسل. يموت اجتماعياً ليولد روحياً، و جسده يتحول “حدائق” بعد أن كان يُظن ميتاً، كما تُحي الأرض بعد موتها. و حضوره جنازته شهادة على نفسه و على نفاقهم، و”تماهى مع الوجود” قيامة لا بجسد بل بالذوبان في الكل. “تناثرت سونيا آيات من الجمال المطلق” كأنها آيات كتاب مقدس مبثوث في الكون. و قُتلت سونيا لأنها “تغنّت بالحب و الحياة و الجمال” : شهيدة الجمال في زمن يرى “صوت المرأة عورة”. موتها إعدام لفكرة.
كيف صاغت ذكرى الكشباطي كل هذا لغوياً ؟
الأسلوب شعري غنائي بامتياز. التناص مع “صاحبات زليخة” يوظف الأسطورة ليقول إن جمال البطل فتنة، لكنه لا يفتن. و الحواس حاضرة: السمع في “زقزقات العصافير”، اللمس في “التراب الندي”، البصر في “يكتحل من سواد عينيها”. عالم حسي نقي مقابل عالم القرية اللغوي الفارغ. و المفارقات متكررة: “ينام بجنبه كلبه” مقابل “تنام على صدره” سونيا. “جبّه” الذي أسموه به مقابل جبة الزاهد. و الموت الذي هو قيامة.
فما هي الأفكار الكبرى التي اشتغل عليها نص القصة ؟
أولها: صراع الجمال مع السلطة. المجتمع الذي يسمي صوت المرأة عورة سيقتل من تغني بالحب. ثانيها: العزلة كاختيار وجودي، ليست هروباً بل “تلبية لنداء الوجود”. “عاف عالمهم، فناداه الوجود، فلبّى النّداء”. ثالثها: الحب كتجربة دينية. الحب هو “الحب الأكبر”. هو الجنة التي “وطأها” فلم يعد يقوى على العودة. رابعها: النفاق الاجتماعي. الناس يمدحون في الغياب و يذمون في الجنازة، و حضوره كشف زيفهم.
فيتضح جليا مما تقدم أن قصة “الرجل الذي حضر جنازته” هي قصة عن رجل قتلوه مرتين: مرة بقتل سونيا “امرأة الشعر”، و مرة بدفنه و هو حي. فاختار أن يدفن نفسه بنفسه، ليولد من جديد في “موسيقى الوجود”. النهاية ليست حزينة، هي انتصار. لأنه عندما “تماهى مع الوجود” صارت سونيا ليست ذكرى، بل “آيات من الجمال المطلق” مبثوثة في كل شيء . جعلت القتيل يحضر بكاءه و يبتسم.
قصتكِ ليست مجرد قصة قصيرة. هي مرثية، و نشيد، و اعتراف في آن واحد، تشتغل على فكرة واحدة مركزية: كيف يقتل المجتمع الجمال، فيختار المحب أن يموت اجتماعياً ليعيش وجودياً. وهي في جوهرها معمار رمزي. كل تفصيل فيها إشارة، وكل إشارة باب إلى معنى أكبر.
دون أن انسى انها تعالج قضية كبرى عن المرأة.. و للمتلقي أبواب التأويل مفتوحة لأنني تناولتها من الجانب الرمزي

ممتنة لكِ يا ذكرى لانكِ اتحتِ لي الفرصة لأغوص في ثنايا هذه القصة الرائعة
بقلمي الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳
رابط القصة على صفحة الأستاذة ذكرى الكشباطي
https://www.facebook.com/share/p/1EvqxqEsXG/







