المواطنة وتحديات الإنتماء

د.علي أحمد جديد كاتب وباحث| سوري

إن مصطلح (المواطَنة) يعني العلاقة القانونية المتبادَلة بين الأفراد المقيمين – قانونياً – علىٰ بقعةٍ جغرافية واحدة ، وبين الدولة التي تبسط سلطتها علىٰ هذه البقعة مهما كان نوع نظامها الحاكم ، وينتمي إليها المواطنون ليحصلوا بالتساوي وبالعدل علىٰ حقوقهم المدنية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية . لأنه لا دولة بلا مواطنين ولا ملوك بلا رعايا .
وتُعرَف المواطنة أيضاً ، بأنها العلاقة القائمة والدائمة بين الفرد وبين الدولة كما يُحدّدها دستور الدولة الناظم بكل ما تتضمّنه من حقوقِ وواجبات الطرفين .
وبرغم تعدّد الثقافات واختلاف العقائد والقِيَم والمبادئ بين المجتمعات ، إلّا أنّ المقوِّمات الأساسيّة والمشتركة لتعريف المواطنة بين بلدٍ وآخر تكون متمثلة بالمساواة والعدالة بين جميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات ، وفي إتاحة الفرص أمامهم علىٰ اختلاف عقائدهم الدينية ومعتقداتهم الفكريّة ، أو انتماءاتهم السياسيّة أو العِرقية ، حيث يُمكن تحقيق ذلك بوجود ضماناتٍ قانونيةٍ (الدستور) ، ووجود قضاءٍ عادلٍ ونزيه يُنصِف كلَّ مَن تَتعرَّض حقوقُه للانتهاك ، أويَتعرَّض إلىٰ منعه من المشاركة في الحياة العامة دون أي مُسَوِّغٍ قانوني . وكذلك المساواة في فتح المجال أمام المواطنين كافة للمشاركة في الأنشطة السياسيّة ، والاجتماعيّة ، والثقافيّة ، والاقتصاديّة ، بدءاً من حقّ الطفل في النمو الصحي السليم ، وحقه في التعليم ، مروراً بالحرية الفكريّة ، وبحقّ المساواة في الاستفادة من الخدمات العامّة ، والمشاركة بالأنشطة الثقافية المختلفة ، وليس انتهاءً بحقّ المعتقدات السّياسيّة والفكرية ، وتولّي المناصب للمواطنين الأصليين تاريخياً حصراً ، والمساهمة في صنع القرار . لأن المواطَنة هي أهم المفاهيم المحورية في الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع القانوني ، ولأنها تُمثِّل العقد الاجتماعي الذي ينظِّم العلاقة بين الفرد وبين الدولة . وفي ظل العولمة الاستعمارية والثورة الرقمية ، بدأت محاولات تغيير مفهوم الانتماء بالمواطَنة ، فلم يعد يقتصر اليوم علىٰ الحدود الجغرافية والواجبات التقليدية ، بل صار يشمل أبعاداً رقمية وعالمية جديدة تتطلب إعادة تعريف الحقوق والواجبات والتباين بين المفهوم الكلاسيكي للمواطَنة (القائم علىٰ السيادة الوطنية في الحدود الجغرافية) وبين الممارسات الحديثة والناشئة للمواطَنة الرقمية العالمية ، ولذلك يكون التساؤل حول كيفية تأثير الفضاءات المفتوحة علىٰ بنية المواطَنة الفعلية مُلِحَّاً وضرورياً .
تاريخياً ، كان تطور فلسفة مفهوم المواطَنة في كلٍّ من الفلسفتين اليونانية والرومانية ، إذ كانت المواطَنة امتيازاً ووراثة شرعية لأبناء الدولة المولودين علىٰ أرضها منذ الأجداد ، لأن العلاقة بين الفرد والدولة والمعروفة باسم المواطَنة المُكتَسَبَـة ، تُصنَّف كظاهرةٍ حديثةٍ وطارئة في الحضارات الغربية أكثر من كونها جزءاً من الحضارات الشرقية . لأنها كانت في العصور القديمة العلاقة الأبسط مقارنةً بأشكالها الحديثة . ففي اليونان القديمة كان الشعور بالانتماء والمواطَنة كرَدِّ فعل علىٰ الخوف من العبودية . وفي الحضارة الرومانية ، كانت المواطَنة تأخذ طابَعاً قانونياً أكثر مع مشارَكةٍ سياسية أقل ، بالمقارنة مع الحضارة الإغريقية القديمة . وفي العصور الوسطىٰ ، كانت المواطَنة في أوروبا ترتبط بالحياة التجارية والإنتاجية في المدن المتنامية ، وأصبحت مفهوماً يعكس الانتماء في الدول القومية الناشئة . أما في الرؤية (الليبرالية) الفردية فإن المواطَنة تعني التركيز علىٰ الحقوق والاحتياجات والحماية القانونية للأفراد بوصفهم كيانات سلبية سياسياً ، إلا أن الرؤية (المدنية) تُشدِّد علىٰ المشاركة الفاعلة لأن المواطَنةَ في مفهومها علاقةُ امتيازاتٍ والتزاماتٍ مُحدَّدة .
وعلىٰ الرغم من تعدد تفسيرات مفهوم المواطَنة عبر التاريخ ، إلا أنه مفهومٌ يتجاوز الروابط العائلية أو القبلية ليجمع بين كل أفراد المجتمع الواحد مهما كانت الاختلافات بينهم فكرياً أو طائفياً وعِرقياً إثنياً ، أي أن المواطَنة ليست رابطة دم أو نسب ، ولكنها العلاقة بين الفرد وبين كيان اجتماعي (الأُمَّة) ونظامٍ سياسي عام (الدولة) ، وتَدُلُّ علىٰ أصالةِ الانتماء التاريخي والحضاري إلىٰ هذا الكيان . وقد اعتُبِرَت المواطَنةُ ـ عبر العصور ـ حالةً مثاليةً ترتبط بالحرية وتَحمِل وضعاً قانونياً هاماً يشمل الحقوق الإنسانية ، و بأنها حزمةٌ من الحقوق أو حَق أصالةِ الانتماء التاريخي في امتلاك الحقوق ، والتي تنطوي في معناها علىٰ استبعاد غير المواطنين الأصلاء من الامتيازات التي تتجاوز حَقَّ العيش تحت مظلة العدالة والكرامة والحرية . وصارت في مفهوم الدولة الحديثة بعد الثورة الفرنسية تتبع أطروحات العقد الاجتماعي عند (جون لوك و جان جاك روسو) المتمثلة في التلازم البنيوي بين ما يمنحه القانون بتحديد مدة الإقامة الفعلية علىٰ أرض الدولة للوافدين إليها ، وبين ما يتم فرضه علىٰ دور الفرد في صنع القرار والمجتمع المدني ومواجهة التحديات العابرة للحدود مثل حقوق الإنسان الكونية ، ومحاولات تغليب صعود الهويات الهامشية كالقومية الضيّقة و الإثنية العِرقية أو الطائفية علىٰ حساب المواطَنة الجامعة في تَعمُّدِ تجاهل حقيقة أن المواطَنة بحدِّ ذاتها مفهومٌ ديناميكي يتطور بتطور أبناء المجتمعات مع تطور الوسائل التكنولوجية التي تستدعي مواجهتها بتحديث المناهج التعليمية والمنظومات القانونية واستيعاب تطور المواطَنة الرقمية ، مع الحفاظ علىٰ القِيَم الأخلاقية والأصالة الحضارية للتضامن الاجتماعي والعدالة التي تشكل جوهر المواطَنة التقليدية ، لتكون المواطَنة في حقيقتها فِعلاً واعياً لبناء العقد الاجتماعي الجامع في عالم متغير ، لأن المواطَنة هي الشعور بمسؤولية الانتماء وليست وثيقة رسمية تُثبت انتساب الفرد إلىٰ بقعة جغرافية ، ولا بطاقة هوية تُبرَز عند المراكز الحدودية ، ولأنها في جوهرها أسلوبُ حياة ، وممارَسةٌ أخلاقية واعية تُوازِن بين الأنا الفردية (الأنا الدنيا Lower Ego) المدفوعة بالخوف والتملك وبين المجتمع (الأنا العليا Super Ego) المتميزة بالعقل وبالوعي السامي ، ولأنها التجلي الأسمىٰ لفكرة “العيش المشترك” القائم علىٰ الندّية التشاركية والاعتراف المتبادَل ، حيث تُواجه المجتمعات المعاصرة اختباراً حقيقياً لمفهوم المواطنة الفعلية وتحدياً غير محدود . في مواجهة محاولات “العقيدة الأممية” التي تضغط بالعولمة الاقتصادية والتكنولوجية من جهة لتذويب الحدود الجغرافية حتىٰ تجعل الفرد “مواطناً عالمياً” يتأثر بأي حدث يقع علىٰ الكرة الأرضية . ومن جهة أخرىٰ ، تدفع ما استطاعت من الأفراد – تحت وطأة القلق من المستقبل – نحو هوياتهم الهامشية الصغرىٰ ، كالطائفة أو العِرق ، وذلك ما يهدد بتمزيق النسيج الوطني الجامع وتحويل الدولة إلىٰ ساحة في تنازع المصالح الإقصائية بين المواطنين بالأصالة وبين الغرباء الطارئين .
إن المواطَنة الجامعة لا تلغي التنوع ، وإنما تحتضنه وتسمو به كلغةٍ مشتركة يتحدث بها الجميع مهما اختلفت أعراقهم وطوائفهم وعقيدتهم الفكرية . وحين تتحول المواطَنة إلىٰ ممارسة يومية تشاركية يصبح المواطن حريصاً علىٰ بيئته في ظل احترام القانون ، والمبادرة لخدمة المجتمع دون انتظار أي مقابل ، ولا تعود العلاقة بين الفرد والدولة علاقة “تبعية وإذعان” ، بل تتطور إلىٰ علاقة “شراكة ومسؤولية” . وبذلك يكون الانتقال الصِحي من “المواطَنة القانونية الساكنة” إلىٰ “المواطَنة النشطة” ، وهذا ما يتطلّب إرادةً وجهداً يُرسِّخ النقد البَنّاء في إعلامٍ ينبذ التحريض ، وفي منظومة سياسية واقتصادية تضمن العدالة وتكافؤ الفرص للجميع دون امتياز أو محسوبيات . لأن مواطَنةَ الإنتماء بالأصالة لا تزدهر في بيئات التهميش ، بل تنمو وتثمر حيثما توجد العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ، وتكون الرهان التاريخي لبناء دولة المؤسسات والحصن الذي يحمي المجتمعات من التفتت والانهيار . ولا تكون قوة الأوطان ببناء حصونٍ شاهقة حولها بقَدْرِ ما تتجلىٰ في شعور الإنسان (المواطن) بأنه موجود ومحترم وشريك أساسي في صياغة المصير المشترَك . ولأن علاقة المواطن بوطنه تسمو علىٰ أيِّ علاقةٍ غيرها ، وهي لا تنحصر في الجانب العاطفي ولا في الشُّعور فقط بطارئ الانتماء ، وإنّما بالإدراك من خلال الإيمان والتيقن الدائم بأهميّة التقيُّد التام بالالتزامات والواجبات تجاه الوطن الذي ينتمي إليه ، وكذلك هو الشعور بأصالة الانتماء ، وبالمسؤولية لتحقيق النفع العام ، لأنّ كلّ فرد مَعنيٌّ بخدمة وطنه وتنميته والعمل علىٰ الرفع من شأنه . وبذلك تتجلّىٰ خصائص المواطَنة في أنها علاقة تبادليّة بين الفرد وبين وطنه ، وهي قابلة للتغيُّر الإيجابي وللتطور البَنّاء بين فترةٍ وأخرىٰ ، لأنها علاقةٌ طوعيّة واختيارية تقوم بين المواطن الفرد وبين وطنه وبقيّة أفراد المجتمع المشاركين في مواطنتهم علىٰ اختلاف فئاتهم وتفكيرهم ومعتقداتهم ، ولأنها العلاقة المؤسَّسَة علىٰ حبِّ الوطن وشعور الفرد بحقيقة الانتماء إليه والتضحية من أجله . وهذا الشعور بالإنتماء لايلغي الشعور بالفردية حين يتمتع كلّ فرد بأمنه في المجتمع وبحقوقه المدنية والسياسية لأنه مولود في هذا الوطن وعاش علىٰ أرضه وخيراته التي أكسبته الانتماء إليه بغَضِّ النظر عن تفكيره ومعتقداته .
وتُساهم المواطَنة بشكل كبيرٍ وملموسٍ في تطوّر المجتمعات من خلال تحقيق الانسجام بين أفراد المجتمع الواحد بالتأكيد علىٰ الحوار السِلمي في حلّ جميع أنواع الخلافات التي قد تنشأ بين الأفراد أو بين الفئات الاجتماعية منها أو السياسية ، وحتىٰ الدينية عملاً بمبدأ سيادة القانون وحفظ الحقوق والحريّات ، وتحفيز الأفراد علىٰ تقديس التزاماتهم وواجباتهم تجاه الوطن ، وبالتالي تَحمُّلِهُم المسؤولية في الدفاع عن الوطن وحمايته .
وكذلك هو احترام وتقديس الاختلاف العقائديّ والفكريّ بين الأفراد المواطنين لأنها العلاقة القانونية المتبادلة بين الأفراد وبين الدولة التي ينتمون إليها ليحصلوا بالتساوي وبالعدل علىٰ حقوقهم المدنية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية .
وتُعرَّف المواطَنة أيضاً بأنّها العلاقة بين الفرد وبين الدولة والتي يُحدّدها دستور الدولة بكل ما تتضمّنه من حقوق وواجبات لكلا الطرفين .
ويُجادل علماء الاجتماع بأنّ الانتماء في المواطَنة اليوم أعقد ممّا سبق ، لأنّها باتت تتأثّر بعدّة عوامل ترتبط بالقضايا الاجتماعية المحيطة كالطبقة الاجتماعية ، والجنس ، والعِرق .. وغير ذلك . وتؤكد الدراسات السيوسولوجية علىٰ أن لكل جماعة خصائص ومميزات اجتماعية ونفسية ومعيشية وتاريخية متماثلة تعبّر عن كيانٍ ينصهر فيه قوم منسجمون بتأثير هذه الخصائص التي تجمعهم . إلا أن العولمة الاستعمارية اليوم تعمل علىٰ إلغاء الانتماءات الوطنية كما في (ثورة المعلوماتية) التي جعلت من العالم قرية واحدة ، مثل مجتمعات (الفيس بوك و التيليغرام والإنستغرام) التي تجمع بين مختلف الأفراد علىٰ اختلاف انتماءاتهم الوطنية أو القومية !!.
وفي ثورات ماأطلقوا عليه تسمية (الربيع العربي) التي أدّت إلىٰ الصراع علىٰ تشويه الانتماءات الوطنية وتشظيتها ، وانقلب الهدف المنشود من تلك الثورات إلىٰ صراعِ عَصبياتٍ لاعلاقة لها بحقيقة الانتماء ، وبات يتسبب بتدهور المجتمعات وتخلّفها ، وبتقسيم البلد الواحد ونسف مفهوم التشاركية الوطنية والتعايش والمصير الواحد فيه ، كالصراع السابق في العراق ، والحالي في سورية بين (سوريين و عرب و أكراد) وهو ما يؤدي إلىٰ القضاء علىٰ الهوية الوطنية الواحدة .
وتاريخياً ، فإن يـ.ـهو.د العالم قد تخلوا عن هوياتهم الوطنية لصالح الهوية الدينية التي انقلبت إلىٰ هوية قومية ، بهدف تحقيق مطامع استعمارية واقتصادية ، وهذا مادفع بأكراد العراق علىٰ سبيل المثال ومايدفع بأكراد سورية اليوم للتخلي عن مواطَنتهم بذريعة الهوية الإثنية أو القومية مهما أدىٰ ذلك إلىٰ المَضرّة بمصلحة الوطن الجامع للكل . والخطير الأخطر ، هو ما بات يعيشه المواطن من الضغوطات اليوم ، ومايعمل جاهداً علىٰ التعايش معه رغم كل التحديات المتوالية – داخلياً و خارجياً – التي تهدف إلىٰ إفقاده الشعور بالإنتماء من خلال خَلقِ الهوّة الساحقة بينه وبين لقمته من أجل إعادة ترسيخ المفهوم الإثني (العِرقي) أو الطائفي بواجهةِ مفهومٍ طبقي عَفّىٰ عليه الزمن في التاريخ الغابر ، والذي كان يتمثل بوجود طبقتين اثنتين في المجتمع لا ثالث لهما أي ( السادة و العبيد ) .

ـ لندن 2026 ـ