
أبجدية اوغاريت حكاية الحرف الذي انطق التاريخ وجعل الحقائق تتنفس والحروف تنبض بالحياة كما لو اننا نسمع صوت التاريخ يهمس في آذاننا
الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم آثار أكاديمي |سوري .
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
ذات صباح من ألفٍ وثلاثمئة عام قبل الميلاد تنفست الأرض عند شاطئ البحر الأبيض المتوسط ونطقت الحجارة أخيرًا بما عجزت عنه الشفاه آلاف السنين.. هناك في مدينة أوغاريت ولدت الأبجدية.
لم تكن ولادة الحرف الأوغاريتي مجرد حدث لغوي بل كانت قفزة حضارية انبثقت من الطين لا كأثر جامد بل كنبض حيّ.. كان العالم يكتب يومها بالمسامير خطٌ صعبٌ كأنه شيفرة بين الملوك والكهنة بينما اختارت أوغاريت أن تمسك القصبة وتخط على اللوح الطيني حروفًا واضحة بسيطة تُقرأ كما يُنطق الكلام وتُعلَّم كما تُعلَّم الأناشيد في الصغر.
لكن السؤال الذي يصرخ في وجه الدارسين والمختصين والمهتمين..
إن كانت الأبجدية قد وُلدت هنا فلماذا لم تنتشر في كل بلاد الشام؟…
الحرف والسياسة.. من يكتم أنفاس الكتابة؟
في جبيل في مجدو في قادش في طعنال وبيسان وبيت شمس.. حيث كانت الحضارة تُشيَّد بالحجر والنار لم نجد من آثار الحرف الأبجدي سوى صمت مدوٍ. لم تُنقش الجدران بالحروف ولم تحفظ هذه العواصم إلا بضعة ألواح مكسورة كتبت هي أيضًا بالخط المسماري.
فأين ذهبت أبجديتهم؟..
أين أرشيف الملوك؟..
أين مراسلاتهم التجارية والسياسية؟
هل ضاعت في ألسنة اللهب حين سقطت المدن؟ أم لعلها ترقد تحت أنقاض لا يزال التنقيب الأثري عنها جاريًا؟
يبدو أن الأمر أبعد من صدفة.
فانتشار الكتابة لم يكن يومًا قرارًا فرديًا بل كان وما يزال فعلاً سياسيًا اقتصاديًا بامتياز.
أبجدية أوغاريت رغم عبقريتها لم تجد سبيلها إلى الانتشار لا لأنها عاجزة بل لأن الكتبة في البلاطات الكبرى ورجال الدين والتجار كانوا قد اعتادوا المسمار.. وكان التخلي عنه تهديدًا لسلطتهم.
أبجدية نشأت من ثلاثين نغمة… وحرف بثلاثة أرواح..
وحين نطالع الرقم الفخارية التي نُقشت فيها الأبجدية الأوغاريتية نجد شيئًا يشبه التجربة الشعرية لا مجرد كتابة:
ثلاثون حرفًا لا تنقص ولا تزيد كأنها سيمفونية مكتملة الأركان.
حرف الألف وحده لم يكن مجرد بداية بل جاء في ثلاثة وجوه: ألف مفتوح وألف مضموم وألف مكسور كأنه يُريد أن يلتقط أنفاس اللغة كلها من شهيقها إلى زفيرها.
وفي نهاية السطر يقف حرف “السين”.. غريبًا على الأبجديات الأخرى لكنه هنا يهمس بثاءٍ ناعمة كما تنطق العامة في ثنايا حديثهم الشعبي: “ثور ثوب ثقافة..”
أوغاريت لم تخترع أبجدية فقط.. بل صاغت نظامًا صوتيًا متكاملًا يُراعي النطق ويُحاكي الإيقاع ويرسم بالحروف صورة للصوت كما يُسمع.
مدارس الطين.. وأصابع الأطفال تتعلم الحلم
لم تكن الأبجدية حكرًا على الكهنة والعرافين.
لقد وجد المنقبون ألواحًا فخارية نقشت عليها الحروف الأبجدية مرات ومرات ..كما يفعل الأطفال حين يتمرنون على الكتابة للمرة الأولى.
وهناك في زوايا المدينة بُنيت مدارس لم تُشيَّد بالحجارة بل بالطين والكلمة.. حيث جلس التلاميذ على الأرض وأمسكوا بالأقلام المصنوعة من القصب وبدؤوا يخطون أسماءهم أحلامهم وأبجديتهم.
تخيل أحدهم طفلٌ اسمه ربما ضاع في التاريخ يجلس ويكتب:
𐎀 𐎁 𐎂 𐎃…
وفي كل خط تتشكل حضارة. الأبجدية التي همست للأسطورة
لكن الأبجدية لم تكن لتبقى حيّة لو لم تُستخدم في ما هو أكبر من المراسلات.
لقد استخدمها الكهنة في كتابة أسرار الآلهة والأساطير وسُطرت بها ملاحم لا تزال تدهش الباحثين حتى اليوم.
وفي مكتبة كبير الكهنة “إيل ملك” وُجدت رقم كاملة وأخرى ناقصة تحكي عن الصراع بين الإله بعل وأعدائه وعن الحياة والموت والخلاص.
كتبت أوغاريت حكايتها بالحروف التي اخترعتها لكنها لم تكتبها لنفسها فقط.. كتبتها لنا لمن جاء بعدها ولمن سيأتي بعدها بألف عام أو ألفين أو أكثر..
من الطين إلى الأبدية ..ورغم أن المدينة احترقت وتداعت جدرانها وغارت حروفها في الأرض.. فإن الأبجدية لم تمت.
لقد تسللت إلى الأبجديات الفينيقية ومن هناك إلى الآرامية فالنبطية فالعربية فاللاتينية… وها نحن نكتب اليوم أنا وأنت بنظام الكتابة نفسه الذي ابتدأ في أوغاريت قبل ثلاثة آلاف عام ونيف..
إنها أبجدية خالدة..لا لأن الطين حفظها بل لأن العقل أحبها ولأن الحروف حين تُولد في زمن مناسب تخلّد الأمم.
وفي النهاية..
إذا كانت الأمم تُعرف بما تكتب فإن أوغاريت قالت كلمتها منذ البداية:
“أنا من علمت العالم كيف ينطق الحرف.. وكيف يكتب الحلم.”
اوغاريت لا تقرأ بالعجلة تحب دائمآ من يقرأها بهدوء..
وعندما أكتب عن أوغاريت أكتب بعين الباحث وأعيشها بقلب العاشق وأؤمن أن الحضارة التي تُروى قصتها تبقى حيّة إلى الأبد.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎






