حين يضيق القلب

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم آثار أكاديمي| سوري
تستطيع أن تهرب حين تضيق البيوت فتبحث عن بيتٍ آخر.
وتستطيع أن تغادر الشوارع حين تزدحم بالضجيج فتسلك درباً أكثر هدوءاً.
وتستطيع أن تترك المدن والأماكن والبحار وتمضي بعيداً حيث لا يعرفك أحد.
لكن إلى أين تمضي حين يضيق القلب؟….
ذلك الكائن الصغير المختبئ خلف الأضلاع الذي لا يُرى بالعين لكنه أوسع من البحار حين يفرح وأضيق من ثقب إبرة حين يتألم. ذلك القلب الذي نحسب أننا نملكه ثم نكتشف في لحظات الانكسار أنه هو الذي يملكنا.
في أوغاريت القديمة كان البحّارة إذا هاج البحر بهم يبحثون عن ميناء يلوذون به. وكانت القوافل إذا عصفت بها الرياح تهرع إلى أسوار المدينة طلباً للأمان. أما الإنسان المعاصر فحين تعصف به رياح الخذلان والحزن والوحدة لا يجد ميناءً يلجأ إليه سوى قلبه. فإذا ضاق هذا الميناء غرق المركب كله.
كم من إنسان امتلك من الخبرة ما يكفي لقيادة الآخرين لكنه وقف عاجزاً أمام وجعٍ صغير سكن قلبه. وكم من حكيم حفظ آلاف الكلمات ثم تبعثرت حكمته كلها أمام لحظة فراق أو خيبة أو فقدٍ عزيز. عندها تتبخر النظريات وتتراجع الفلسفات وتسقط الأقنعة ويبقى الإنسان وحيداً أمام الحقيقة الكبرى: أن القلب هو سيد الحكاية كلها.
ولعلّ أكثر ما يرهق القلب أنه يحمل ما لا تستطيع الأكتاف حمله يحمل الذكريات التي لا تموت والأحلام التي لم تكتمل والكلمات التي لم تُقَل والأشخاص الذين غادروا وبقيت آثارهم معلقة في زواياه. وكلما حاول أن ينسى أعادته نبضةٌ عابرة إلى أول الحكاية.
ومع ذلك، فإن القلب ذاته الذي يضيق حتى نظن أنه لن يتسع لشيء هو القادر على أن يتسع من جديد. فكما تنقشع غيوم الشتاء عن جبل صفون وكما تعود الشمس إلى حجارة أوغاريت بعد العواصف يعود القلب للحياة حين يلامسه صدق إنسان أو دفء كلمة أو ذكرى جميلة أو إيمان عميق بأن الليل مهما طال لا بد أن يعقبه فجر.
لذلك ليست المأساة أن تضيق البيوت أو الشوارع أو البحار فلكل ضيقٍ مخرج. المأساة الحقيقية أن يضيق القلب حتى يفقد قدرته على الحب وعلى التسامح وعلى الأمل. وحينها لا ينقذه إلا قلب آخر يمدّ له يداً من نور.
فالقلب ليس قطعة لحمٍ بين الأضلاع بل وطنٌ كامل. وإذا ضاق الوطن في الداخل اتسعت الدنيا كلها ولم تتسع لنا..

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎