الأوغاريتية والعربية : شاهد مبكر على التاريخ السامي عندما استعاد الطين صوته

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي|00 سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
الجزء الأول
“”””””””””””””””
كشفت لنا الألواح الفخارية المترجمة التي عُثر عليها في مدينة أوغاريت خلال مواسم التنقيبات الآثرية السايقة عن واحدة من أقدم اللغات السامية الموثقة بنصوص واسعة نسبياً. وقد حفظت هذه الألواح التي يعود معظمها إلى القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد. نصوصاً إدارية وقانونية واقتصادية ودينية وأدبية ومعجمية .. مما جعل الأوغاريتية مصدراً أساسياً لدراسة تاريخ اللغات السامية والكتابة في الشرق الأدنى القديم.
تنتمي الأوغاريتية إلى مجموعة اللغات السامية الشمالية الغربية .. وهي لغة مستقلة ذات نظام صوتي وصرفي ونحوي خاص بها. ومن ثم لا يصح علمياً اعتبارها أصلاً مباشراً للعربية أو مرحلة مبكرة من تطورها. والأدق أن تُفهم العربية والأوغاريتية بوصفهما لغتين شقيقتين تنتميان مع سائر اللغات السامية إلى تاريخ لغوي أقدم يُعاد بناء بعض ملامحه من خلال المنهج المقارن.
تظهر أهمية الأوغاريتية في أنها توفر شاهداً مكتوباً مبكراً يمكن مقارنته بالعربية والعبرية والفينيقية والأكادية وغيرها من اللغات السامية. وتبرز هذه المقارنة في الجذور والمفردات وفي بعض البنى الصرفية والنحوية وفي صيغ الأسماء والأفعال والضمائر وفي التمييز بين الجنس والعدد إضافة إلى عدد من الظواهر الإعرابية.
غير أن التشابه المعجمي وحده لا يكفي لإثبات القرابة التاريخية إذ يعتمد علم اللغة المقارن على انتظام المقابلات الصوتية والصرفية والدلالية بين مجموعة من اللغات. ومن خلال هذه المقارنات يمكن التمييز بين العناصر الموروثة من السلف السامي المشترك وبين التطورات والابتكارات التي نشأت في كل لغة على حدة.
ومن هنا يمكن القول إن الأوغاريتية ليست “أم العربية” لكنها تمثل نافذة مبكرة على البيئة اللغوية التي تنتمي إليها العربية.
حبث كشفت لنا النصوص الأوغاريتية عن حضور واضح للنظام الجذري الذي يميز كثيراً من اللغات السامية ولا سيما الجذور الصامتة التي تتفرع منها صيغ متعددة. كما نجد مفردات تتصل بالقرابة والملك والزراعة والحرب والعبادة والحياة اليومية ويمكن مقارنة عدد منها بنظائرها في اللغات السامية الأخرى.
ولا تكمن قيمة هذه المفردات في تشابهها الشكلي مع العربية فحسب بل في قدرتها على إضاءة تاريخ الكلمات وتطور أصواتها ومعانيها ووظائفها عبر الزمن. وهنا يتحول النص الأوغاريتي من وثيقة تاريخية إلى شاهد لغوي يساعد في إعادة بناء مراحل أقدم من تاريخ السامية.
تميزت أوغاريت أيضاً بنظام كتابتها فقد دوّن أهلها لغتهم بأبجدية مسمارية تتكون من نحو ثلاثين علامة. وقد جمعت هذه الكتابة بين مبدأ الأبجدية وتقنية الكتابة المسمارية المعروفة في الشرق الأدنى.
وتكمن أهمية هذا النظام في أنه يبرهن على قدرة المجتمع الأوغاريتي على تكييف تقاليد الكتابة المسمارية لخدمة لغة سامية محلية ويجعل أوغاريت موقعاً محورياً في دراسة تاريخ الأبجدية وتطور الكتابة في المنطقة.
قيمة النصوص الأوغاريتية لم تقتصر على القواعد والمفردات. فالرسائل والنصوص المختلفة تكشف عن عالم من المخاطبة والتحية والتمني والدعاء وعلاقات القرابة والصداقة والولاء. ومن خلالها تظهر اللغة بوصفها تعبيراً عن الإنسان بقدر ما هي نظام لغوي.
وهنا تكمن إحدى أكثر ميزات أوغاريت إثارة: فقد اختفى المجتمع الذي كان يتحدث الأوغاريتية لكن لغته بقيت محفوظة على الطين. وبفضل ذلك نستطيع اليوم أن نقترب من مرحلة بعيدة من التاريخ اللغوي للمشرق لا من خلال الافتراض وحده بل من خلال نصوص مكتوبة بالفعل.
لا تقدم أوغاريت أصل العربية ولا تمثل مرحلة مباشرة من تطورها لكنها تقدم شاهداً مبكراً بالغ الأهمية على تاريخ اللغات السامية. ومن خلال مقارنتها بالعربية وشقيقاتها يمكن للباحث أن يدرس الجذور المشتركة والتطورات الصوتية والصرفية والدلالية وأن يقترب من إعادة بناء بعض ملامح الماضي اللغوي الذي سبق تفرع هذه اللغات.
وهكذا تتجاوز ألواح أوغاريت قيمتها الأثرية والتاريخية لتصبح وثائق في الذاكرة اللغوية للمشرق.
فقد انهارت المدينة وغابت مملكتها واندثرت لغتها من الاستعمال لكن الطين حفظ الكلمة.
وفي أوغاريت لم يبقَ لنا حجر المدينة وحده بل بقي صوت الإنسان منقوشاً على الطين شاهداً على أن اللغة قد تعبر من بين أنقاض الحضارات حتى حين تعجز الحضارات نفسها عن البقاء.
ولعل أجمل ما تمنحه لنا أوغاريت اليوم هو هذه الحقيقة:
إن الإنسان يتغير واللغات تتطور والممالك تزول.. لكن جذور الكلمات تحفظ ذاكرة البشر أطول مما تحفظها الحجارة.
ومن بين تلك الجذور، تظل العربية ومعها شقيقاتها الساميات شاهدة على عمق هذه الذاكرة.
أما أوغاريت فتظل واحدة من أقدم الصفحات التي نستطيع أن نقرأ عليها شيئاً من تلك الحكاية
أوغاريت… حيث تمتزج الذاكرة القديمة لماضيها الغابر وحيث كلما سبرنا أغوار ألواحها اكتشفنا أن جزءاً من ماضينا اللغوي ما زال حياً بين حروفها.
“الأوغاريتية بقيت كما هي لأن التطور لم يلحق بها” بصياغة أدق.. فاللغة لم تتوقف عن التطور لأنها “لم تلحق بها اللغة وإنما توقّف توثيقها بوصفها لغة حية بعد انهيار أوغاريت. ولذلك فإن النصوص التي وصلتنا تمثل مرحلة تاريخية محددة من تاريخها. وهذه نقطة مهمة جداً إذا كان البحث سيُنشر بوصفه مادة علمية.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

المراجع العلمية.
“””””””””””””””””””””
سيروس هـ. غوردون كتاب الأوغاريتية المدرسي: قواعد اللغة والنصوص والمعجم روما، المعهد البابوي للكتاب المقدس، 1965.
(Cyrus H. Gordon, Ugaritic Textbook)
بيير بودروي ودينيس باردي، دليل اللغة الأوغاريتية، وينونا ليك إنديانا 2009.
(Pierre Bordreuil & Dennis Pardee, A Manual of Ugaritic)
دينيس باردي الطقوس والعبادة في أوغاريت أتلانتا، 2002.
(Dennis Pardee, Ritual and Cult at Ugarit)
مارك س. سميث. دورة بعل الأوغاريتية ليدن دار بريل.
(Mark S. Smith, The Ugaritic Baal Cycle)
إدوارد ليبينسكي اللغات السامية: مخطط لقواعد اللغة المقارنة لوفان 1997.
(Edward Lipiński, Semitic Languages: Outline of a Comparative Grammar)
جون هوهنرغارد، مقدمة إلى اللغة الأوغاريتية، بيترز، 2012.
(John Huehnergard, An Introduction to Ugaritic)