من الواح اوغاريت الى لهجة الساحل السوري: حكاية لغة عبرت آلاف السنين

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ  وعالم أثار أكاديمي| سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين وقف علماء الآثار في ربيع عام 1929 فوق تل رأس شمرة شمال مدينة اللاذقية لم يكونوا يدركون أنهم على وشك الكشف عن واحدة من أهم صفحات تاريخ اللغات في الشرق القديم. فبين القصور والمعابد والبيوت التي طمرها التراب أكثر من ثلاثة آلاف عام خرجت إلى النور ألواح طينية صغيرة حملت لغة مجهولة سرعان ما تبيّن أنها لغة مملكة أوغاريت المدينة التي ازدهرت على الساحل السوري خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد.
ولأن الموضوع يتناول علاقة اللهجة المعاصرة باللغة الأوغاريتية فمن المهم التمييز بين ما هو مثبت علمياً وما هو افتراض أو احتمال لغوي. فحتى اليوم لا يوجد دليل علمي قاطع يثبت أن كلمات بعينها مثل “إيلي” أو “عيّن” أو لاحقة “هنّه” انتقلت مباشرة من الأوغاريتية إلى لهجة الساحل السوري لكن توجد مؤشرات لغوية وثقافية تسمح بطرح هذه الاحتمالات ضمن إطار البحث المقارن، لا على أنها حقائق مؤكدة.
ومنذ ذلك الاكتشاف، لم تعد أوغاريت مجرد مدينة أثرية عظيمة، بل أصبحت شاهداً على مرحلة مبكرة من تاريخ اللغات السامية وعلى واحدة من أقدم الأبجديات المعروفة في العالم وهي الأبجدية الأوغاريتية المسمارية المؤلفة من ثلاثين علامة.
لكن الحكاية لا تنتهي عند حدود الألواح الطينية
فكل من يجلس اليوم بين قرى الساحل السوري من اللاذقية إلى جبلة والحفة والقرداحة ويصغي إلى أحاديث الناس اليومية.. يشعر أحياناً بأن بعض الكلمات والتعابير تحمل رائحة زمن بعيد وكأنها خرجت من أعماق التاريخ لتستقر في الذاكرة الشعبية. وهنا يبرز السؤال الذي شغل كثيراً من الباحثين والمهتمين بالتراث اللغوي:
هل يمكن أن تكون بعض ملامح لهجة الساحل السوري امتداداً بعيداً للغات التي كانت تُنطق في هذه الأرض منذ آلاف السنين؟
نقول بان الأرض لا تنسى لغتها ويعرف علماء اللغات أن اللغات لا تختفي دفعة واحدة بل تترك آثارها في الألسنة اللاحقة تماماً كما تترك المدن القديمة آثار جدرانها تحت المدن الحديثة.
فالساحل السوري لم يعرف انقطاعاً بشرياً كاملاً عبر تاريخه الطويل. فمنذ العصور الكنعانية والأوغاريتية مروراً بالفترات الآرامية واليونانية والرومانية والبيزنطية ثم العربية الإسلامية ظل الإنسان يعيش على هذه الأرض نفسها يزرع حقولها ويصطاد من بحرها ويتناقل أسماء الأماكن والعادات والكلمات من جيل إلى جيل.
ولهذا السبب يرى الباحثون أن اللهجات المحلية قد تحتفظ أحياناً ببقايا لغوية تعود إلى طبقات حضارية أقدم بكثير من اللغة الفصحى المتداولة اليوم.
وتنتمي اللغة الأوغاريتية إلى أسرة اللغات السامية الشمالية الغربية وهي الأسرة نفسها التي تنتمي إليها الكنعانية والفينيقية والعبرية والآرامية وترتبط أيضاً بعلاقات لغوية وثيقة مع العربية.
وعندما بدأ الباحثون بدراسة النصوص الأوغاريتية لاحظوا وجود عدد كبير من الجذور المشتركة مع العربية مثل:
أب (ʾab)
أم (ʾum)
أخ (ʾaḫ)
يد (yd)
عين (ʿn)
شمس (špš / شمش)
أرض (ʾarṣ)
وهذا التشابه ليس دليلاً على انتقال مباشر للكلمات من أوغاريت إلى اللهجة الساحلية بل نتيجة انتماء اللغتين إلى أصل سامي مشترك يعود إلى آلاف السنين.
اسم “إيل”.. من ألواح الطين إلى الذاكرة الثقافية
وهو من أكثر الأسماء حضوراً في النصوص الأوغاريتية اسم الإله “إيل” كبير الآلهة في المعتقد الأوغاريتي. وتظهر كلمة “إيل” عشرات المرات في الأساطير والنصوص الدينية المكتشفة في رأس شمرة بوصفه الأب الأعلى للآلهة وسيد الحكمة والخلق.
أما كلمة “إيلي” التي لا تزال تُستعمل في بعض مناطق الساحل للتعبير عن الدهشة أو التأثر فهي تستحق اهتمام الباحثين من الناحية اللغوية والثقافية لأنها تتقاطع صوتياً مع الاسم الأوغاريتي القديم.
غير أن الربط المباشر بين الكلمتين ما زال في نطاق الفرضيات اللغوية إذ لا توجد وثيقة تاريخية تثبت استمرارية الاستعمال منذ العصر الأوغاريتي حتى اليوم وإن كان التشابه يفتح باباً شيقاً للبحث في الذاكرة اللغوية العميقة للساحل السوري.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي بقي من أوغاريت؟
قد لا نستطيع الجزم بأن كلمة بعينها نجت من ثلاثة آلاف عام دون تغيير لكن ما نستطيع تأكيده هو أن البيئة الثقافية التي أنتجت اللغة الأوغاريتية لم تختفِ تماماً.
فأسماء بعض المواقع الطبيعية وأنماط الحياة الزراعية والعلاقة الوثيقة بين الإنسان والبحر والجبل، واستمرار الاستيطان البشري في المنطقة كلها عناصر تجعل الساحل السوري واحداً من أكثر مناطق الشرق القديم احتفاظاً بذاكرته التاريخية
إن اللغة ليست كلمات فقط.. بل هي أيضاً طريقة في النظر إلى العالم. وحين نقرأ نصوص أوغاريت ونقارنها بتراث الساحل الشعبي نكتشف أن ثمة خيطاً خفياً يصل بين الماضي والحاضر خيطاً نسجته الأجيال المتعاقبة عبر آلاف السنين.
وحين يتكلم الطين في متحف اللاذقية وفي خزائن المتاحف العالمية ترقد آلاف الألواح الفخارية التي خرجت من قصور أوغاريت ومعابدها. تبدو صامتة للوهلة الأولى لكنها في الحقيقة ما تزال تتكلم.
تخبرنا عن ملوك وتجار وكهنة ومزارعين عاشوا هنا قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين قرناً. تخبرنا عن أغنيات للآلهة ورسائل بين الملوك وعقود بيع ونصوص أدبية ما زالت تُقرأ حتى اليوم.
وعندما يسير المرء بين أطلال رأس شمرا ويستمع في الوقت نفسه إلى حديث الناس في قرى الساحل المجاورة يشعر أن الزمن لم ينقطع تماماً وأن بعض ما كتب على الطين ما زال يعيش بصورة أو بأخرى في ذاكرة المكان.
فأوغاريت ليست مجرد مدينة أثرية اندثرت بل فصلٌ مستمر من تاريخ الساحل السوري وحلقة أساسية في قصة اللغة والحضارة والإنسان على هذه الأرض.
وربما تكمن روعة أوغاريت الحقيقية في أنها لم تترك لنا حجارتها وألواحها فحسب بل تركت أيضاً ذلك الشعور العميق بأن الذاكرة أطول عمراً من المدن وأن الكلمات مثل البحر تستطيع أن تعبر آلاف السنين دون أن تفقد صوتها تماماً..
وكم من الكلمات التي ننطقها كل يوم تحمل في أعماقها أثراً خافتاً من لغةٍ كانت تُكتب ذات يوم على طين أوغاريت الدافئ؟..
قد لا نملك جواباً نهائياً عن ذلك لكن المؤكد أن أوغاريت لم تترك لنا أبجديتها وحسب بل تركت لنا سؤالاً جميلاً ما زال مفتوحاً..
هل يمكن للغة أن تموت حقاً ما دام في الأرض من يتذكرها ولو من غير أن يدري؟..

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
مراجع علمية أساسية للتوثيق:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
سيروس هـ. غوردون، كتاب الأوغاريتية المدرسي: قواعد اللغة والنصوص والمعجم، روما المعهد البابوي للكتاب المقدس 1965.
(Cyrus H. Gordon, Ugaritic Textbook)
بيير بودروي ودينيس باردي، دليل اللغة الأوغاريتية، وينونا ليك، إنديانا 2009.
(Pierre Bordreuil & Dennis Pardee, A Manual of Ugaritic)
دينيس باردي الطقوس والعبادة في أوغاريت، أتلانتا، 2002.
(Dennis Pardee, Ritual and Cult at Ugarit)
مارك س. سميث دورة بعل الأوغاريتية ليدن، دار بريل.
(Mark S. Smith, The Ugaritic Baal Cycle)
إدوارد ليبينسكي اللغات السامية مخطط لقواعد اللغة المقارنة لوفان، 1997.
(Edward Lipiński, Semitic Languages: Outline of a Comparative Grammar)
جون هوهنرغارد، مقدمة إلى اللغة الأوغاريتية، بيترز، 2012.
(John Huehnergard, An Introduction to Ugaritic
الصورة المرفقة بعدسني مدينة اوغاريت الآثرية عندما تشرق منها شمس الصباحات الجميلة