
قراءة في ديوان عشقها اصل الحكاية للشاعر شكري الغضاب |الناقد فتحي مديمغ
***قراءة في ديوان ***عشقها أصلُ اناق
**بين الماضي و الحاضر جُذُورٌ**
======
**إنّ العمل الفنّيّ العظيمَ يمتلكُـ القدرةَ على التّجدّدِ و النّبضِ في كلّ عَصرٍ** الفيلسوف الألمانيّ ”أرثر شوبنهاور”
و أنا أقول…
**الورْدُ مَنبتُ شوْكٍـ، فورْدٌ مُتحَوّلٌ أو شوْكٌـ باقٍ… و لِكُلٍّ من بِدَايَاتِه نِهايَاتٌ… فالانفِرادُ صارَ صِفةً عامَّةً… أمّا التّفرُّدُ فهْوَ غايةٌ لا يُدرِكُها إلاّ العباقِرَةُ، فاحذِفُوا النّقَطَ مِن على الحرُوفِ، و اتْرُكُونَا… كُلٌّ يقْرَأُ على هوَاهُ… فلا أسْرَارًا بعد مُغادرةِ الحرفِ حِبْرَ القَلمَ و لا توجيهًا للفهمِ بعد بدْءِ التّأويلِ…**…
================
منذ العنوان، تجد نفسكـ أمام شَطحاتٍ من الذّاكرةِ و الواقِعِ المَعِيشِ المُتَحوّلِ و أمام فلسفةٍ في دروبِ اكتِشافِ الذّاتِ في علاقتِها بذاتِها و بالذّوَاتِ الأخرى و أمام طاقةٍ إيحائيةٍ تغُوص بكـ عميقًا تجَاه نَفَسٍ شعريّ كثيفٍ وجدانيّا و لغويّا دون الولوجِ إلى مكنون المحتوى الذي اعتمد فيه الشّاعر تبسيطا معنويّا في لغةٍ رفيعةٍ دون الحاجة إلى مترجم و لا وسيط لتقبُّل انسيابيّتِها في الرّوح و تمرير صُورٍ واقعيّةٍ غَزيرةٍ، فلا الرّحيلُ كان نِسيانًا و لا البقاءُ دامَ بيانًا حيث اتّخذ الشّاعر ” شكري الغضّاب ” في ديوانه البكر ” عشقُها أصلُ الحكاية ” الصّادر عن دار الفردوس للنّشر و التّوزيع، جانفي 2026… العلاقةَ العاطفيّةَ الأزليّةَ بين الشّاعر و المحبُوب بُعداً يتجاوز التّعبيرَ الوجدانيَّ المُباشرَ ليغدوَ تأمّلاً في الوجود و الذّات لِيتألّفَ الإنسانُ بعناصِرِه الثّلاثة : الجسَدُ و الرُّوحُ و النَّفْسُ.
منذ العنوان، يضعُ الشّاعر القارئَ أمام مِحورٍ رمزيّ أساسيّ هو العشق بتوابعه الثّلاث : الوطن… ( صفحة 116 : “عشقُها أصلُ الحكاية”)
و الأمّ… ( صفحة 66 : “حنين”)
و الحبيبة… ( صفحة 38 : “لو كان بإمكاني”)
و كلٌّ من الوطن و الأمّ و الحبيبة… رمزٌ للاستقرار من جهة و الانطلاق من جهةٍ أخرى و أيضا العودةُ في مُراوحةٍ بين التّطواف و الحركة و السّكون…
فنحن أمام تجربةٍ تتشكّلُ بين الحياة و الكتابة، و بين الخبرةِ و اللّغةِ لتقُولَ ما لا يُقال بسُهولةِ المُتيقّظِ الفطِنِ المُنغَمِسِ المُرَاوِدِ للمُفردَاتِ و المعاني و القَوْلِ و بساطةِ الخِطَابِ.
تجربةٌ لا تقف عند حدود النّوع الشّعريّ، بل تتجاوزُه إلى سؤالٍ أوسعَ عن الإنسان في مُواجهةِ ما يُحيطُ و ما يُحَاطُ، وأيضا عن الكتابة حين تتحوَّل إلى مساحةِ فَهْمٍ للحياةِ باستحضارِ ما كانَ و ما هو كائِنٌ و استقراءِ ما يُمكِنُ أن يكُونَ في تَقَاطُعٍ بين المُمكنِ و الكائنِ من جهةٍ و بين أصلِ الحكايةِ من جهة أخرى…
( صفحة 56 : “ملح الكلام”)
و من ذلكـ أن جعَل الشّاعرُ ” شكري الغضّاب ” أصلَ الحكايةِ في ديوانه البكر” عشقُها أصلُ الحكاية ” “وِلاَدَةً” و نبعًا للحنان يُغذّي وجدانَهُ و شعورَهُ بالأمل في حياة أنسَبَ ليَبقَى عشقُهُ على قيد الحياة لا اعتِبَاطًا بل برمْزيَّتِهِ فيَبعث الحياةَ من جديد في شَغَفٍ مُتَجدّدٍ كلّما أشرَفَ على الذّبُولِ وسطَ عَصْفِ الحَيَواتِ الأخرى ليبْقى حُلمُ اللّقاءِ قائِمًا و الثّباتُ و الإرادَةُ سلاحًا حفاظًا على الجزءِ الحيِّ من الذّاكرةِ… لأنّ المَشاهدَ وُلِدَتْ مع بعضها لا مُجزّأةً ترفضُ النّسيان و تتمرّدُ على الذّاكرةِ و تتحوّل الأمّ و الحبيبةُ إلى وطنٍ مُمتدِّ الأطرافِ بلا حُدُودٍ و لا مَوانِعَ في لغةٍ عَجَزَت عن احتواءِ العاطفَةِ الجيّاشةِ للشّاعر…
( صفحة 110 : “ماذا لو”)
و ينطلق بناء النّصّ الشّعريّ في ديوان ” عشقُها أصلُ الحكاية ” في عالم تخييليّ تتماهى فيه الحبيبَةُ بوصفها مصدرُ الحياة، و يتماهى الشّاعر مع انسياب الاندماج في علاقةٍ تؤسّس لانصهار الذّات و الآخر فتتجلّى الرّغبة في تأسيس توازن روحيّ بين الطّرفين، و يصبح العاشق جزءاً من المَعشوق و كلاًّ يدلّ عليه، لا مجرّد مُتأثّرٍ بل مُؤثّرٌ إيجابيٌّ في كُنهِ العلاقة ليُشكّل حقلاً إيقاعيّا متكاملاً بين المفردات و المعنى، وهو ما يمنح النّصوص وحدةً متكاملةً متماسكةً تنبضُ حياةً حيث تتداخلُ عناصرُ الطّبيعة في هذه العلاقات المتشعّبة في مُراوحةٍ سامقةٍ شائقةٍ بين الوطن و الأمّ و الحبيبة…
( صفحة 77 : “عزفٌ على وتر القصيد”)
ممّا أضفى على القصائدِ متانَةً بين مقتضيات الحياة و الحُلم في علاقتهما بالواقع ليحصل الاندماجُ العاطفيّ بينها في مسارٍ خلاّق يتعدّى العشق و يتجاوز الأمنياتِ ليلامس صوفيّةَ شاعرٍ في علاقته بالآخر و يحوّل المستورَ إلى مُتعرٍّ و مُتبرّجٍ يستلهمُ فضاعَةَ المكشوفِ كسبيل للحياة التي يبتغِيها في فصاحةٍ لغويّةٍ كلاسيكيّةٍ أضفت على القصائد روحا سَهلةَ التّحليق بِمعانٍ و مَبَانٍ تركيبيّةٍ تُوحي بحقيقة الشّاعر ” شكري الغضّاب “…
( صفحة 09 : “هذه الأرض تلعنُكم”)
و يسمُو الزّمنُ بنفسِه مُتحوّلاً إلى أزمانٍ تُعيدُ ذاتَها و تُكرّر مُحتواها فيغدو العُمْر مزيجا من اللّهو و الحميميّة ضمن سنفونيّة حياتيّة رتّبتها الأقدار بموسيقى تقوم على خليطٍ رائع بين المعنى و المبنى و المغنى في انسيابٍ و امتدادٍ و امتلاكٍـ لبدايةٍ لا يحكمها و نهايةٍ يُؤسّس لها دونَ الحسم في مُجريات تفاصيلِ العشقِ المحتوم في مسارٍ روحيّ مفتوحٍ عبر رحلةٍ داخل الذّات و انجذاب نحو الآخر ليحتضن الشّاعر الوطن و الأمّ و الحبيبة في عنوان واحدٍ هو ”العشق” ليكون ملاذاً وُجودياً يُعيد للإنسان توازنَه فتبلغ القصيدة ذُروةَ تأمّلها و أوجاعها و ألمها و تعجز عن احتواء التّجربة العاطفيّة، لأنّ الحبيبة صارت مصدر المعنى و أصل العشق،…
( صفحة 54 : “مَملكةُ العشْق”)
و ذلكـ ما منح تجربتهُ الشّعريّة بُعداً إنسانيًّا وُجوديّا يقطعُ مع روتين الحياة و يتجاوز حدودَ اللّحظةِ الزّمنيّةِ بمباركةٍ حُروفٍ أضْفَتْ تكتّلا قويّا حصينا حَوَى ما أراد الشّاعرُ







