طليعة النبلاء : الأستاذ الجليل حمدة بومنصورة قدة وتاريخا|الدكتور طارق لعرابي

كتبه وفاء وعرفانا:د.طارق لعرابي كاتب وناقد جزائري

إنَّ للأُمَمِ في مَسيرِها نحوَ المَعالي مَناراتٍ منَ الرِّجالِ، لا تُقاسُ أقدارُهُم بامتدادِ الأعمارِ ولا بكثرةِ الأعوانِ، بل بما يَبُثُّونَهُ في الأرواحِ الخامدةِ من يَقَظةٍ، وما يَغرِسونَهُ في العقولِ الأسيرةِ من حُرِّيَّةِ الفِكرِ وسُمُوِّ الإدراكِ. فالتَّاريخُ لا يَصنَعُهُ الخامِلونَ الذينَ يَستَمرِئونَ الدَّعَةَ في ظِلالِ السُّكونِ، وإنَّما يَصنَعُهُ الأفذاذُ الذينَ إذا رَأَوا ليلَ الغَفلةِ قد عَسعَسَ، شَقُّوا بسَنا بَصيرتِهِم حُجُبَ الظَّلامِ، وأَوقَدوا من ذَوْبِ أرواحِهِم مَشاعِلَ الهِدايةِ. وفي طَليعةِ هؤلاءِ الأكابِرِ الذينَ انتَدَبَتْهُمُ العِنايةُ الإلهيَّةُ لحِراسةِ المَعرفةِ وإعلاءِ شأنِ الحَقيقةِ، يَبرُزُ مَقامُ أستاذِنا الجليلِ والعَلَمِ الهُمامِ حَمْدَةَ بُومَنْصُورَة؛ ذلكمُ الرَّجُلُ الذي ما اتَّخَذَ التَّعليمَ يَومًا حِرفةً للتَّكسُّبِ أو مَنصِبًا للتَّباهي، بل جَعَلَهُ رسالةً للإحياءِ، وثَورةً بَيضاءَ على الجَهلِ، وبَعْثًا للهِمَمِ الرَّواقدِ من سُباتِ التَّقليدِ الأعمى إلى فَضاءِ البَصيرةِ النَّافذةِ.
لقد أدركَ الأستاذُ حَمْدَةُ بُومَنْصُورَة، ببَصيرةِ الحَكيمِ الخَبيرِ بأدواءِ المُجتمعاتِ، أنَّ أعظمَ استعبادٍ يَفتِكُ بالإنسانِ هو استعبادُ الوَهمِ للعَقلِ، وأنَّ أسمى ضُروبِ التَّحريرِ هو تحريرُ الفِكرِ من قُيودِ الجُمودِ والاتِّكاليَّةِ. لذلكَ وقفَ في مِحرابِ العِلمِ وُقوفَ الحُكماءِ الرَّاسخينَ، يُبدِّدُ بنورِ بَيانهِ غَياهِبَ الحَيرةِ، ويَفُكُّ بحُجَّتِهِ النَّاصعةِ وسُلطانِ مَنطِقهِ أغلالَ التَّلقينِ العَقيمِ عنِ الأذهانِ؛ فإذا بمَجلسهِ مَشْهَدٌ مَهيبٌ من مَشاهدِ النَّهضةِ، تَتلاقَحُ فيهِ الأفكارُ الحُرَّةُ، وتَستيقِظُ فيهِ الضَّمائرُ الغافلةُ، وتُصاغُ فيهِ الرُّجولةُ الفِكريَّةُ على عَينِ الحِكمةِ. لم يَكُنْ يَحشو الرُّؤوسَ بمَحفوظِ المُتونِ فحَسبُ، بل كانَ يَقدَحُ في الصُّدورِ شَرارةَ التَّساؤلِ، ويُعلِّمُ النَّاشئةَ كيفَ يَملِكونَ زِمامَ عُقولِهِم، وكيفَ يَرفَعونَ هاماتِهِم بعِزَّةِ المَعرفةِ التي لا تَنحَني إلَّا للحقِّ والبُرهانِ.
وإنَّ المُتأمِّلَ في سَمْتِ أستاذِنا الجليلِ حَمْدَةَ بُومَنْصُورَة لَيأخُذُهُ الجَلالُ أمامَ هَيبةِ العالِمِ العامِلِ الذي طابَ مَخْبَرُهُ كما طابَ مَظْهَرُهُ؛ فقدِ استَعصى بشُموخِ نَفسهِ على المَظاهرِ الزَّائفةِ وبَهْرَجِ الدُّنيا، وسَما برُوحِهِ إلى ذُرى الإخلاصِ والتَّجرُّدِ التَّامِّ لِغايةٍ أسمى. عَرَفْناهُ طَوْدًا أَشَمَّ لا تَستخِفُّهُ العَواصفُ، وبَحرًا زاخِرًا لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ، يَجمَعُ بينَ صَرامةِ الحقِّ التي لا تُداهِنُ، ورَحمةِ الأبِ المربِّي التي تَحْنو على الغِراسِ حتَّى يَستويَ على سُوقِهِ. فلم نَرَهُ على مَرِّ السِّنينَ إلَّا شُعلةً وقَّادةً تَحترِقُ في صَمتٍ ونُبلٍ لتُنيرَ السَّبيلَ للسَّائرينَ، وتَبذُرَ في نُفوسِ طُلَّابهِ أنَّ كَرامةَ الإنسانِ من كَرامةِ عِلمهِ، وأنَّ الأُمَّةَ التي تُعظِّمُ العَقلَ والخُلُقَ أُمَّةٌ عَصِيَّةٌ على الانكِسارِ.
إنَّ العُظماءَ أمثالَ الأستاذِ حَمْدَةَ بُومَنْصُورَة لا يَكتُبونَ آثارَهُم بالحِبرِ على القَراطيسِ التي تَبْلى، بل يَنقُشونَها بمِدادِ النُّورِ في صُدورِ الرِّجالِ؛ فكُلُّ طالبٍ تَخرَّجَ من مَدرستهِ الفِكريَّةِ والأخلاقيَّةِ هو كِتابٌ حَيٌّ يَمشي على الأرضِ، يَنطِقُ بفَضلهِ، ويَشهَدُ بنُبلِ غَرْسِهِ. ولَعَمْري إنَّ هذا لَهُوَ المُلْكُ الذي لا يَزولُ، والذِّكْرُ الذي لا يَنقطِعُ، والصَّدقةُ الجاريةُ في شَرايينِ الأُمَّةِ وعَقلِها الجَمعيِّ جيلًا بعدَ جيلٍ.
فيا أيُّها المربِّي العَظيمُ، ويا حارِسَ الفَضيلةِ والبَيانِ؛ إنَّ ما صَنَعتَهُ في ضَمائرِ تَلامذتِكَ وعُقولِهِم لَهُوَ الخُلودُ الحقُّ الذي لا تَبْلى جِدَّتُهُ على تَعاقُبِ العُصورِ وكَرِّ الدُّهورِ. فطُوبى للعِلمِ إذْ كُنتَ لِواءَهُ المَرفوعَ وحِصنَهُ المَنيعَ، وطُوبى للأجيالِ إذْ كُنتَ دَليلَها الأمينَ وحَادِيَ رَكْبِها نحوَ مَدارجِ الرُّقِيِّ، وجَزاكَ اللهُ عنِ الفِكرِ والحقِّ والفَضيلةِ جَزاءَ المُصلِحينَ الصَّادقينَ الذينَ يَبْنونَ الإنسانَ الحُرَّ قبلَ أنْ يُشيِّدوا البُنيانَ.