ابناء الأيام:حين يكتب إدواردو غليانو التاريخ من جهة المنسيين |علاء أحمد الشاهين |ناقد عراقي

أبناء الأيام: حين يكتب إدواردو غليانو التاريخ من جهة المنسيين | علاء أحمد الشاهين
ناقد | عراقي

 

لا يشبه كتاب (أبناء الأيام) للكاتب الاورغوياني إدواردو غليانو أي عمل تاريخي أو أدبي تقليدي. فهو ليس رواية بالمعنى المألوف، ولا كتاباً في التأريخ، بل فسيفساء إنسانية تتوزع على أيام السنة كلها، حيث يمنح الكاتب لكل يوم حكاية أو ذكرى أو شخصية أو حدثاً يستحق أن ينتشل من ظلمة النسيان. وكأن غليانو يكتب تقويماً موازياً للعالم، تقويماً لا تسكنه أسماء الملوك والقادة فقط، بل أيضاً أصوات المقهورين والمجهولين والضحايا الذين طردتهم السرديات الرسمية من صفحات التاريخ.
يستهل غليانو كتابه بفكرة مستوحاة من تراث شعب المايا، فيكتب:
(وهكذا وُلدنا نحن، أبناء الأيام). في هذه العبارة الموجزة يختصر الكاتب فلسفة العمل كله، فالإنسان ليس مجرد كائن يعيش داخل الزمن، بل هو ابنٌ لهذا الزمن، يتشكل من ذاكرته وأحلامه وانكساراته. ومن هنا يتحول الكتاب إلى محاولة لاستعادة الذاكرة الإنسانية المبددة عبر القرون.
تقوم بنية الكتاب على نصوص قصيرة ومكثفة، لكن هذا التكثيف لا يعني ضيق الأفق، بل على العكس تماماً. ففي بضعة أسطر يستطيع غليانو أن يفتح أمام القارئ أفقاً تاريخياً وسياسياً وأخلاقياً واسعاً. إن لغته تشبه ومضات البرق، قصيرة، لكنها قادرة على إضاءة مساحات شاسعة من الواقع.
ومن أبرز التقنيات التي يعتمدها الكاتب السخرية السوداء وقلب الوقائع التاريخية لكشف حقيقتها الأخلاقية. ويتجلى ذلك بوضوح في نصه الشهير عن غزو العراق عام 2003. فبدلاً من أن يروي الأحداث كما جرت، يعكس الصورة تماماً ليجعل القارئ يرى عبثية الخطاب السياسي الذي برر الحرب. فيكتب: (في 20 آذار 2003 قصفت طائرات العراق الولايات المتحدة، ثم غزت القوات العراقية الأراضي الأمريكية). من خلال هذا الانقلاب السردي المدهش يضع غليانو القارئ أمام سؤال جوهري: كيف سيكون رد فعل العالم لو تبدلت المواقع بين الغازي والمغزو؟ وكيف تتغير الأحكام الأخلاقية عندما تصبح القوة في يد الطرف الآخر؟ إن الكاتب لا يناقش الحرب بوصفها حدثاً سياسياً فحسب، بل بوصفها بنية ذهنية وإعلامية قادرة على تحويل العدوان إلى فعل مشروع.
وتتجلى قوة الكتاب أيضاً في دفاعه المستمر عن المهمشين. فغليانو لا يبحث عن البطولة في قصور الحكام أو في خطابات المنتصرين، بل يعثر عليها في حيوات البشر العاديين. النساء المنسيات، والعبيد، والعمال، والسكان الأصليون، والمنفيون، جميعهم يتحولون في هذا العمل إلى أبطال حقيقيين للتاريخ. إنه يعيد الاعتبار للأصوات التي سُرقت منها القدرة على الكلام.
وفي أكثر من موضع يكشف الكاتب عن قلقه من عالم حديث أصبحت فيه التكنولوجيا أداة جديدة للعنف. ومن النصوص اللافتة في هذا السياق وصفه للطائرات المسيرة بقوله: (تقتل بلا ندم، وتطيع بلا تردد). هذه العبارة القصيرة تكثف رؤية غليانو لعصر باتت فيه المسافة بين القاتل والضحية تتسع إلى حد يجعل الجريمة تبدو عملية تقنية باردة، منفصلة عن أي إحساس إنساني بالمسؤولية.
إن ما يمنح (أبناء الأيام) فرادته ليس المعلومات التي يحتويها فحسب، بل الطريقة التي ينظر بها إلى التاريخ. فالتاريخ عند غليانو ليس سرداً محايداً للأحداث، بل معركة دائمة ضد النسيان. ولذلك يبدو الكتاب وكأنه أرشيف للكرامة الإنسانية أكثر منه أرشيفاً للوقائع. فكل نص فيه هو محاولة لإنقاذ لحظة أو إنسان أو حلم من الغرق في العتمة.
لقد نجح إدواردو غليانو في هذا العمل في تحويل اليوم العادي إلى مناسبة للتأمل في مصير البشرية، وتحويل الحكاية القصيرة إلى أداة للمقاومة الثقافية والأخلاقية. ولهذا يمكن اعتبار (أبناء الأيام) واحداً من أهم كتبه وأكثرها نضجاً، كتاباً يذكرنا بأن التاريخ الحقيقي لا يُكتب دائماً بأقلام المنتصرين، بل تحفظه أيضاً ذاكرة الذين قاوموا النسيان وظلوا، رغم كل شيء، أبناءً للأيام.