
الأب الجزائري صار خوفه من الفاتورة أكبرمن فرحته بنجاح الأبناء|د نور الهدى قرباز كاتبة جزائرية
الأب الجزائري… صار خوفه من الفاتورة أكبر من فرحته بنجاح الأبناء
د. نور الهدى قرباز – جامعة بسكرة
هناك أوجاع لا تُكتب في التقارير، ولا تظهر في الإحصائيات، ولا تلتقطها عدسات الكاميرات.
أوجاع تسكن عيون الآباء.
ذلك الأب الذي يقف أمام واجهة محل الملابس أيام الدخول المدرسي، فيتظاهر بالقوة بينما قلبه يتشقق بصمت.
وذلك الطفل الذي يقف إلى جانبه.
لا يطلب الكثير…
فقط حذاءً يشبه أحذية زملائه.
أو محفظة لا يشعر بالخجل منها.
أو هاتفًا بسيطًا لا يجعله آخر الواقفين في طابور المقارنات اليومية.
وربما جهاز كمبيوتر يساعده على الدراسة الجامعية مثل بقية الطلبة.
لكن عين الطفل، مهما حاولت البراءة إخفاءها، تبقى معلقة بوجه أبيه.
تنظر إليه وكأنها تقول:
“أعرف أنك تريد… وأعرف أنك لا تستطيع.”
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
ليس في عجز الأب عن الشراء.
بل في عجزه عن احتمال نظرة الانكسار في عيني طفله.
أي قسوة أشد من أن يشعر الأب أنه خذل أبناءه وهو الذي أفنى عمره من أجلهم؟
لقد صار كثير من الآباء يعيشون تحت حصارٍ يومي.
راتب يطارد الأسعار.
وأسعار تطارد الكرامة.
وكرامة تحاول أن تحافظ على ابتسامتها أمام الأبناء.
في زمنٍ أصبح فيه الدخول المدرسي موسمًا للرعب أكثر منه موسمًا للعلم.
وفي زمنٍ صار فيه بعض الأطفال يقيسون قيمة زملائهم بما يرتدونه لا بما يحملونه من أخلاق وأحلام.
ثم جاءت موجة المظاهر لتضيف حجرًا جديدًا فوق ظهر الأسرة.
حفلات تخرج في الابتدائي.
حفلات تخرج في المتوسط.
حفلات وصور وزينة وقاعات وملابس وهدايا.
وكأننا نخرّج علماء الذرة لا أطفالًا أنهوا مرحلة من مراحل التعلم.
لا أحد يعترض على الفرح.
فالفرح رزق.
لكن حين يتحول الفرح إلى منافسة اجتماعية مرهقة، يصبح عبئًا على الفقير قبل أن يكون مناسبة للغني.
وكم من أبٍ عاد إلى بيته بعد حفلٍ صاخب وقلبه مثقلٌ بالدين والقلق.
وكم من أمٍ أخفت دمعتها حتى لا يراها أطفالها.
لقد حضرتُ مناقشات جامعية رأيت فيها من المشاهد ما يكفي لكتابة مجلدات عن الكرامة والصبر.
رأيت طالبات وطلبة ينتمون إلى أسر تكافح تحت خط العسر.
رأيت قارورة ماء يحملها والدٌ بيده، بعد رحلة شاقة، ليشارك ابنته أو ابنه فرحة يوم المناقشة.
رأيت آباءً لا يملكون الكثير، لكنهم كانوا يملكون شيئًا أعظم من المال:
الإيمان بأبنائهم.
وكانت هيبة تلك القارورة في نظري أكبر من آلاف الموائد الفاخرة.
لأنها كانت تحمل قصة تعبٍ كامل.
وقصة أبٍ أراد أن يقول لابنه:
“أنا هنا.”
ولهذا أجد من الواجب توجيه كلمة تقدير إلى الجهود التي ساهمت في الحد من كثير من مظاهر البذخ والاستعراض داخل الجامعة.
فالعلم لا يحتاج إلى استعراض.
والنجاح لا يقاس بحجم الحلوى ولا بعدد المصورين.
بل يقاس بحجم الجهد الذي أوصل الطالب إلى تلك اللحظة.
وحين تتراجع المظاهر، يقترب الجميع من بعضهم.
ويجلس ابن العامل إلى جانب ابن المسؤول.
وابن الفقير إلى جانب ابن الميسور.
وتصبح الشهادة انتصارًا للعلم لا للقدرة الشرائية.
ويستطيع الأب أن يعيش فرحة نجاح ابنه كاملة، دون أن يطاردَه شبح النفقات.
لقد خلق الله الناس متفاوتين في الأرزاق، لكنه لم يخلق الكرامة بدرجات.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
ولم يقل أغناكم.
ولم يقل أكثركم مظهرًا.
ولم يقل أكثركم استهلاكًا.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بأطفالنا أن نربط قيمتهم بما يملكون.
وأخطر ما يمكن أن نفعله بآبائهم أن نحول كل مناسبة سعيدة إلى اختبار مالي جديد.
أعيدوا لهم أطفالهم….
أعيدوهم إلى براءة لا تعرف المقارنات.
أعيدوهم إلى مدارس تُعلِّم المعرفة لا التفاخر.
وأعيدوا لهذا الأب بعض الطمأنينة.
ذلك الأب الذي ينام متأخرًا وهو يحسب مصاريف الغد.
ويستيقظ مبكرًا وهو يبحث عن رزق اليوم.
ذلك الأب الذي لا يطلب تصفيقًا ولا أوسمة.
كل ما يريده أن يرى أبناءه سعداء.
فلا تجعلوا فرحة النجاح مناسبة أخرى لكسر ظهره.
لأن الأمة التي ترهق آباءها بالمظاهر…
وتربّي أبناءها على المقارنات…
تسرق الطفولة من أطفالها، والطمأنينة من رجالها، ثم تتساءل بعد ذلك: لماذا أصبح الحزن أكبر من البيوت؟
ويبقى السؤال معلقًا في عيون آلاف الأطفال:
هل أصبح الحلم مكلفًا إلى هذا الحد؟
وهل صار الأب مطالبًا أن يحمل العالم كله فوق كتفيه… حتى يسمح لأبنائه أن يبتسموا؟






