حين يعتقد البعض ان المؤسسة دار باباهم!

حين يعتقد البعض أن المؤسسة “دار باباهم”!
بقلم: د. نور الهدى قرباز
ليس أخطر على المؤسسات من مسؤول ضعيف الكفاءة يملك سلطة القرار. فالمشكلة ليست في الخطأ العابر، فكل إنسان يخطئ، وإنما في العقلية التي ترى المنصب غنيمة لا مسؤولية، وامتيازاً لا أمانة، وسلطة تُمارس على الناس لا خدمة تُقدَّم لهم.
وحين يصل بعض الأشخاص إلى الكرسي، ينسون أن المناصب مؤقتة وأن المؤسسات باقية. فيتحول الكرسي في مخيلتهم إلى عرش صغير، وتتحول المكاتب إلى حدود مغلقة، وتصبح القاعات والمشاريع والقرارات وكأنها ملكية خاصة لا يجوز لأحد الاقتراب منها إلا بإذن صاحب “المملكة”.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالمؤسسة التي وُجدت لخدمة الناس وتحقيق أهدافها النبيلة تصبح ساحة لتعطيل المبادرات. والمرفق العمومي الذي أُنشئ لخدمة المواطنين يتحول إلى متاهة من العراقيل. وصاحب الفكرة الجديدة يُعامل وكأنه خصم، وصاحب المشروع يُستقبل وكأنه عبء، والمجتهد يُكافأ بالتأجيل والتعطيل بدل التشجيع والمرافقة.
إن أخطر ما يصيب أي مؤسسة ليس نقص الإمكانيات، بل انتشار عقلية “دار باباهم”.
تلك العقلية التي تجعل البعض يتصرف وكأن القاعات قاعاته الخاصة، والقرارات قراراته الخاصة، والمرافق مرافقه الخاصة، مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: لا أحد يملك المؤسسة، ولا أحد يملك الإدارة، ولا أحد يملك المرفق العمومي. الجميع عابرون، أما المؤسسة فتبقى.
والمؤسف أن الفاشل لا يخاف من الفشل بقدر ما يخاف من الناجحين.
فالنجاح يزعجه لأنه يكشف ضعفه، والكفاءة تؤلمه لأنها تفضح هشاشته، والمبادرة تثير قلقه لأنها تذكره بما عجز عن تحقيقه. لذلك تجده يحارب كل فكرة مضيئة، ويقف في وجه كل مشروع واعد، ويضيّق على كل صاحب اجتهاد.
إنه لا يبني شيئاً، لكنه يتقن تعطيل ما يبنيه الآخرون.
ولا عجب في ذلك، لأن من لم يصنع نجاحه بجهده الشخصي يصعب عليه أن يتقبل نجاح غيره. ومن لم يعرف قيمة العمل لا يدرك معنى الإنجاز. ولهذا يتحول بعض المسؤولين إلى حراس للأبواب بدل أن يكونوا فاتحي آفاق، وإلى صناع للعراقيل بدل أن يكونوا صناعاً للحلول.
ويزداد المشهد بؤساً حين تتحول المؤسسة إلى مزرعة للمجاملات، فتُقدَّم الوجوه المطيعة على العقول المبدعة، وتُمنح الفرص على أساس الولاء لا الكفاءة، ويُقاس الناس بمدى قربهم من أصحاب القرار لا بمدى قدرتهم على العطاء. عندها لا تصبح المؤسسة فضاءً للعمل، بل ساحةً لتصفية الحسابات وإدارة المصالح الضيقة.
لكن التاريخ له حكمه الخاص.
فكم من مسؤول ظن أن الكرسي سيدوم له، فغادره ولم يبق من اسمه إلا الذكر السيئ. وكم من مجتهد حورب وضُيِّق عليه ثم انتصر بعمله وكفاءته، وبقي أثره بينما اختفى أثر من حاربه.
فالسلطة ليست دليلاً على القيمة، والمنصب ليس شهادة على الكفاءة، والكرسي ليس برهاناً على النجاح.
النجاح الحقيقي هو ما يتركه الإنسان من أثر نافع في حياة الناس.
أما الذين يتعاملون مع المؤسسات بمنطق “دار باباهم”، فهؤلاء ينسون حقيقة بسيطة جداً: أن المفاتيح التي يحتكرونها اليوم ستنتقل غداً إلى غيرهم، وأن الأبواب التي يغلقونها في وجوه الناس قد تُفتح بعد رحيلهم بدقائق، وأن الكرسي الذي يدافعون عنه بكل هذه الشراسة سيبقى في مكانه عندما يغادرونه، بينما سيبقى التاريخ يسأل:
ماذا قدموا للمؤسسة؟
هل بنوا أم هدموا؟
هل شجعوا الكفاءات أم حاربوها؟
هل فتحوا الأبواب أم أغلقوها؟
هل تركوا أثراً طيباً أم مجرد ضجيج عابر؟
في النهاية، لا ينتصر صاحب المنصب، بل ينتصر صاحب الأثر. ولا يبقى صاحب الصوت الأعلى، بل يبقى صاحب العمل الأفضل. أما الكرسي فزائل، وأما النزاهة والكفاءة والعدل فباقية، لأنها وحدها ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.