
قراءة نقدية في ثلاثية ققج حفاة المدن للقاصة الهام عيسى|طه دخل الله عبد الرحمن |ناقد فلسطيني
قراءة أديبة – لثلاثية ق ق ج – حفاة المدن – قوس قزح – صمت المحراب – للأديبة الأستاذة الهام عيسى 25-6-2026
الثلاثية:
ثلاثية ق ق ج
=========
بقلم الهام عيسى
حفاة المدن
======
على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد. وحدهم من يملكون جواز العبور إلى مملكة السماء. مشوا حفاة في مدينة الطهر، بمسامات جائعة. كانت كتبهم سلاحًا، وأحلامهم مدافع من نور، وكلماتهم بيارق مرفوعة.
قوس قزح
======
البرق يخطف منها آخر الأمنيات. تلتف حول الضوء، وتمشي على أنقاض العالم. أمسكت ريشتها، فرسمت قوس قزح. دوّنت العالم بملامحها؛ هي وحدها، دون العالمين.
صمت المحراب
======
على ضفاف التوق، حيث لا شيء يروي الظمأ، كان النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه. في الأفق مدّ يديه، تلامسان عباب السماء، لعل قُطبًا يأويه. وأرواح تحلق معه، يصطفون جميعًا في محراب صلاة صامتة.
*****************************
القراءة:
على ضفاف التوق: من حفاة المدن إلى صمت المحراب
لعلّنا، إذ نقفُ مشدوهين على عتباتِ هذه الثلاثيةِ الآسِرة، لا نقرأُ نصوصًا تُروى، بل نشهدُ ميلادَ كونٍ من الكلماتِ، كوناً موازياً يُشيّدُ صرحَه على أنقاضِ المعنى المألوفِ، ويفتحُ في جدارِ اللغةِ شقوقًا ينسابُ منها ضوءُ الأسئلةِ الأولى. إنّ “إلهام عيسى” لا تكتبُ “ق.ق.ج” بوصفها صيغةً أدبيةً تُقاسُ بعددِ كلماتِها، بل تبتكرُ جنسًا أدبيًا خالصًا هو “الومضةُ الكونية”، حيثُ تتقلّصُ المسافةُ بين الكلمةِ والمعنى حتى تختفي، فيصبحُ الحرفُ شيئًا، ويصبحُ الشيءُ روحًا. في “حفاة المدن” و”قوس قزح” و”صمت المحراب”، نحن أمامَ تَجَلٍّ ثلاثيٍّ للمقدّسِ في قلبِ اليوميّ، وأمامَ هندسةٍ سرديةٍ تقومُ على التكثيفِ العموديِّ لا الأفقيّ، حيثُ كلُّ جملةٍ بئرٌ، وكلُّ كلمةٍ هاويةٌ من الدلالة.
ولنبدأ من البدايةِ التي ليست بداية، بل هي قطيعةٌ وجوديةٌ مع فكرةِ الانتماء: “على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد”. هنا، في هذه الجملةِ الافتتاحيةِ، يتأسّسُ التناقضُ الخلّاقُ الذي سيظلُّ يحكمُ الثلاثيةَ كلَّها. “أجنحة الغياب” – يا للصورةِ التي تجمعُ بين الرفرفةِ والعدم! فالجناحُ يُوحي بالتحليقِ والحريةِ والملائكية، لكنه هنا ليس جناحَ حضور، بل جناحَ غياب، كأنّ الطيرانَ نفسَه صارَ فعلَ اضمحلال، وكأنّ التحليقَ نحو الأعالي ليس صعودًا بل ذوبانًا في الفراغ. ثمّ إنهم “قطعوا تذاكر سفر”، فتذكّرْ معي فعلَ “القطع” الذي ينطوي على عنفٍ خفيّ، وعلى بترٍ، وعلى قرارٍ لا رجعةَ فيه، فلم يشتروا تذاكرَهم، بل قطعوها، كأنهم يبترونَ صِلتَهم بالعالم، أو كأنّ التذكرةَ نفسَها صكُّ غيابٍ لا وثيقةَ حضور. والأدهى أنها “على غير موعد”، فالزمنُ نفسُه قد أُلغي، ولم تعُدِ الرحلةُ خاضعةً لترتيبٍ أو لقدر، بل صارتْ تحليقًا في فراغٍ زمنيّ، خارجَ التاريخ، خارجَ الإنتظار. هكذا، منذ اللحظةِ الأولى، نُقذفُ في فضاءٍ ميتافيزيقيّ صرف، حيثُ الكائناتُ لا تسيرُ على الأرض، بل تعلّقُ بين سماءٍ لم تصلْ وأرضٍ لم تعُدْ تعترفُ بهم.
ثمّ يستمرُّ النصُّ في حفرِ هذا المعنى: “وحدهم من يملكون جواز العبور إلى مملكة السماء”. هنا تتحوّلُ الهشاشةُ إلى امتيازٍ وجوديّ، والفقرُ إلى ثروةٍ روحية. إنهم “وحدهم” – والتوكيدُ في هذا السياق يفيدُ العزلةَ المطلقةَ والاختيارَ الإلهيَّ في آن. إنهم المُصطَفَون للعدم، المُختارون للغياب، الذين حوّلوا خسارتَهم في الأرضِ إلى رصيدٍ في السماء. وجوازُ العبورِ ليس وثيقةً، بل هو الفقدُ نفسُه، هو الجوعُ، هو الحفاء. انظر كيف تنقلبُ المعايير: ليس الأغنياءُ هم مالكي الجوازات، بل “الحفاة”، أولئك الذين “مشوا حفاة في مدينة الطهر، بمسامات جائعة”. هنا يبلغُ التناقضُ ذروتَه المأساويةَ والشعرية، إذ كيف تكونُ مدينةٌ “طهرًا” ويسيرُ فيها الجائعون حُفاة؟ إنّ الطهرَ – في منطقِ هذه المدينةِ المعكوسة – ليس فضيلةً بل جريمة، ليس نقاءً بل إقصاء. “بمسامات جائعة” – يا لهذا التجسيدِ الفادح، حيثُ الجوعُ لا يستقرُّ في المعدةِ بل يتسرّبُ إلى المسام، إلى تلك الفتحاتِ المجهريةِ التي يتنفسُ منها الجسد، فيصبحُ الجوعُ تنفسًا، وتصبحُ الحاجةُ كينونةً كاملة.
ثمّ يأتي الانتقالُ الأهمُّ، من الفقرِ الماديّ إلى الغِنى الرمزيّ: “كانت كتبهم سلاحًا، وأحلامهم مدافع من نور، وكلماتهم بيارق مرفوعة”. في هذه الجملةِ الثلاثيةِ المتوازية، نشهدُ تحوّلَ الحفاةِ إلى مقاتلين، لكنّ مقاتلينَ من طينةٍ أخرى. إنها ثنائيةُ الضدّين: الكتابُ في مواجهةِ السيف، لكنّ الكتابَ يصيرُ سيفًا؛ والحلمُ في مواجهةِ المدفع، لكنّ الحلمَ يصيرُ مدفعًا من نور؛ والكلمةُ في مواجهةِ الراية، لكنّ الكلمةَ تصيرُ رايةً مرفوعة. إنّ الاستعارةَ هنا ليست حليةً بلاغية، بل هي عمليةُ تحويلٍ أنطولوجيّ، حيثُ تصبحُ الأشياءُ الروحيةُ أشياءَ ماديةً محارِبة. واللافتُ هو “النور” الذي يخرجُ من “مدافع”، فكأنّ الحربَ ذاتَها صارتْ مصدرَ إضاءةٍ لا مصدرَ دمار، وكأنّ الحفاةَ يحاربون بالضياء. إنّهم يحوّلون العدمَ إلى سلاح، والجوعَ إلى طاقةٍ قتالية، والصمتَ إلى بيان. هكذا، لا يعودُ الحفاءُ علامةَ ضعف، بل شرطًا للبطولة، ولا تعودُ مدينةُ الطهرِ مكانًا للعيش، بل ساحةً للقتال الرمزيّ حيثُ الكلمةُ هي الرصاصةُ الوحيدة.
وإذا كان النصُّ الأولُ قد شيّدَ ميتافيزيقا الجوعِ والغياب، فإنّ النصَّ الثاني “قوس قزح” ينفجرُ كصرخةِ لونٍ في عالمٍ متوحّدِ اللون، كفعلِ خلقٍ أنثويّ في كونٍ ذكوريِّ الدمار. تبدأُ القصةُ الثانيةُ بمشهدٍ كونيّ: “البرق يخطف منها آخر الأمنيات”. البرقُ هنا ليس ظاهرةً طبيعية، بل هو قوةٌ ماحقة، سارقٌ كونيٌّ يخطفُ الأمنيات، والأمنياتُ – كما نعرف – هي الرصيدُ الأخيرُ للمحرومين. فبعد أن فقدوا كلَّ شيء، لم يبقَ لهم إلا الأمنيات، وها هو البرقُ يخطفُها أيضًا، في تجريدٍ مطلق، في سلبٍ وجوديٍّ نهائيّ. لكنّ الاستجابةَ ليست استسلامًا، بل حركةٌ مضادة: “تلتف حول الضوء”. انظر إلى دقةِ الفعل “تلتف” – إنه فعلُ احتضان، فعلُ التواء، فعلٌ أنثويٌّ ناعمٌ لكنه إحاطويّ. إنها لا تسيرُ نحو الضوء، بل تلتفُّ حولَه، كأنها تريدُ أن تصيرَ هالةً للضوء، أو كأنها تريدُ أن تحتجزَ النورَ بجسدِها. إنها استراتيجيةُ الضعيفِ الذي لا يواجهُ القوةَ بخشونة، بل يطوّقها بالرقة.
ثمّ “تمشي على أنقاض العالم” – هنا تتحولُ الأنثى إلى كائنٍ فوق الكارثة، لا تتجنبُ الأنقاضَ ولا تدفنُها، بل تمشي فوقَها، متخذةً من الدمارِ أرضًا جديدة. إنه الفعلُ العدميُّ الخلّاق: قبولُ الخرابِ الكلّيِّ وجعلُه منصةً للحركة. واللافتُ أن المشيَ على الأنقاضِ يتطلّبُ توازنًا خاصًا، وخطوةً واثقة، وجرأةً على السقوط، وكأنها تمتحنُ قدرتَها على البقاءِ فوقَ ما تبقّى من العالم. ثمّ يأتي الفعلُ المركزيُّ: “أمسكت ريشتها، فرسمت قوس قزح”. هنا ننتقلُ من السلبِ إلى الإبداع، ومن الفقدِ إلى الخلق. إنها “ريشة” – أداةُ الفنان، وأداةُ الكاتب، وأداةُ الطائرِ الجريحِ في آن. والريشةُ تُمسَك، لا تُحمَل، وكأنّ الإمساكَ بها يتطلّبُ عزيمةً وقبضةً وقرارًا. ثمّ ترسمُ “قوس قزح” – والقوسُ هنا ليس انعكاسًا ضوئيًا، بل فعلُ تحدٍّ، لأنّ قوسَ قزح لا يظهرُ إلا بعد المطرِ والعاصفة، فكأنها تستدعي الغيابَ لتُخرجَ منه اللون، تستدعي العدمَ لتلدَ منه الطيف. إنها تخلقُ الأملَ لا من الموجود، بل من العدم، تخلقُه فعلًا جماليًا خالصًا.
وتبلغُ القصةُ الثانيةُ ذروتَها التأمليةَ في الجملةِ الختامية: “دوّنت العالم بملامحها؛ هي وحدها، دون العالمين”. هنا تتحقّقُ الثورةُ الأنطولوجيةُ الكبرى: العالمُ لم يعُدْ هو الذي يمنحُ الكائناتِ ملامحَها، بل الكائنُ الأنثويُّ هو الذي يمنحُ العالمَ ملامحَه. إنها تنقلبُ على العلاقةِ بين الذاتِ والموضوع، فتصيرُ الذاتُ هي التي تؤسّسُ الموضوع. “دوّنت” – والتدوينُ ليس مجرّدَ كتابة، بل هو تسجيلٌ أبديّ، هو حفظٌ للوجودِ كلِّه في سجلٍّ أنثويّ. ثمّ يأتي القطعُ النحويُّ بالفاصلةِ المنقوطة، ليُبرزَ الجملةَ الأخيرةَ كحكمٍ نهائيّ: “هي وحدها، دون العالمين”. إنها الوحدةُ المطلقةُ للإلهِ الخالق، وحدةٌ لا تستندُ إلى شيءٍ خارجَها، وحدةُ مَن تخلقُ العالمَ بملامحِها ثمّ تقفُ خارجه. “دون العالمين” – هنا تتجاوزُ ثنائيةَ الذكرِ والأنثى، إنها تتجاوزُ البشريةَ كلَّها، لتصيرَ كائنًا كونيًا منفردًا، أُنثى أوّلَ وأُخرى، بدءًا ونهايةً، ذاتًا خلقتْ وجودَها ووجودَ غيرِها بلونٍ من عدم.
ثمّ يبلغُ الثالوثُ كمالَه في “صمت المحراب”، حيثُ تعودُ الذاتُ المذكّرةُ إلى الواجهة، لكنْ لا بوصفها فاعلاً، بل بوصفها سائلاً، باحثًا، متعطّشًا. “على ضفاف التوق، حيث لا شيء يروي الظمأ” – هنا تتحوّلُ الأرضُ كلُّها إلى ضفاف، والضفافُ توحي بالقربِ من الماء، توحي بأنّ الارتواءَ ممكن، لكنّ العبارةَ تستدركُ فورًا: “حيث لا شيء يروي الظمأ”. إنها الضفافُ التي لا نهرَ فيها، إنه القربُ الوهميُّ من الينبوع، إنها المسافةُ الصفريةُ بين العطشِ والماءِ حيثُ يصبحُ العطشُ أبديًا لأنّ الماءَ موهوم. إنها ضفافُ التوق، لا ضفافُ النهر، فالتوقُ هو النهر، والتوقُ هو الضفة، والتوقُ هو الظمأُ وهو الارتواءُ الممتنع.
ثمّ يحدثُ التحوّلُ الأعنفُ: “كان النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه”. هنا تدخلُ القصةُ إلى منطقةِ المقدّسِ والإعجاز، ولكنْ بصيغةٍ مأساوية. العصا، التي نشقُّ بها البحرَ في القصصِ الدينيّ، ها هي تشقُّ النهرَ أيضًا، لكنْ إلى أيّ جهة؟ إنّ النهرَ ينشقُّ نصفين، في مشهدٍ يذكّرُ بانشقاقِ الوجودِ نفسِه، انشقاقِ الحقيقةِ إلى نصفين لا يلتئمان. وكلمةُ “كلما” تفيدُ التكرار، وكأنّ الشقَّ فعلٌ دائم، جرحٌ لا يلتئم، معجزةٌ تحوّلتْ إلى عذاب. النهرُ – وهو رمزُ الحياةِ والجريانِ والزمن – ينشقُّ باستمرار، فتصبحُ الحياةُ شقًا، والزمنُ انفصالاً، والوجودُ ثنائيةً مُمزّقة. وما لامسته العصا – الأداةُ السحرية، أداةُ النبوّةِ والقدرة – إلا انشقّ، فكأنّ القدرةَ تجلبُ الدمار، وكأنّ المعجزةَ عقاب.
ثمّ تأتي الصورةُ الأكثرُ شفافيةً وغموضًا: “في الأفق مدّ يديه، تلامسان عباب السماء، لعل قطبًا يأويه”. هنا يتحقّقُ الامتدادُ الرأسيُّ الكامل: الجسدُ على الأرض، واليدانِ في عباب السماء. إنه التوتّرُ بين الطينِ والنور، بين الثِقَلِ والتحليق. الأفقُ ليس نهايةَ البصر، بل بدايةُ اليدين، حيثُ يصبحُ الجسدُ كائنًا مشدودًا بين جاذبيتين. “لعل قطبًا يأويه” – هنا تظهرُ الكلمةُ المفتاح: “لعل”، وهي أداةُ رجاءٍ لا يقين، إنها التمنّي الممزوجُ بالشك. إنه لا يطلبُ اللهَ باسمه، بل يطلبُ “قطبًا”، والقطبُ في اللغةِ الصوفيةِ هو المركزُ الروحيُّ الذي يدورُ حوله الكون، هو النقطةُ التي يلتئمُ عندها الشتات، هو الذي يأوي إليه التائهون. إنه لا يطلبُ الخلاصَ الدينيَّ الجاهز، بل يطلبُ “قطبًا”، مركزًا، نقطةَ ارتكازٍ في كونٍ بلا محور.
ثمّ تختمُ الثلاثيةُ بصورةِ الجماعةِ الصامتة: “وأرواح تحلق معه، يصطفون جميعًا في محراب صلاة صامتة”. هنا نصلُ إلى التركيبِ النهائيّ: الفردُ المادُّ يديه، والأرواحُ المحلّقةُ حولَه، والجماعةُ المصطفةُ في المحراب. اللافتُ هو الجمعُ بين “تحلق” – التي توحي بالحركةِ والدورانِ والتحرر – و”يصطفون” – التي توحي بالنظامِ والانضباطِ والثبات. إنها الصلاةُ التي ليست صلاة، إنها الصلاةُ الصامتة، حيثُ الكلماتُ تذوب، وحيثُ الحركةُ تتجمّدُ في اصطفاف، وحيثُ الصمتُ هو الأذانُ وهو التكبيرُ وهو السلام. “محراب صلاة صامتة” – والمحرابُ هو موضعُ الإمام، هو مركزُ التوجّهِ، لكنّه هنا فارغٌ من الصوت، مليءٌ بالصمت، وكأنّ الصمتَ هو الإمام، وكأنّ الصمتَ هو القبلة، وكأنّ الصمتَ هو الله.
وهكذا، تصلُ الثلاثيةُ إلى تمامِها كهندسةٍ روائيةٍ مفرغة: من “حفاة المدن” حيثُ الكلماتُ بيارقُ والجوعُ صلاة، إلى “قوس قزح” حيثُ الرسمُ خلقٌ والأنثى كون، إلى “صمت المحراب” حيثُ الصمتُ معبدٌ والعصا شقٌّ والقطبُ غائب. في الأولى، كان الصوتُ عاليًا، سلاحًا وبيارق، وفي الثانية، كان الصوتُ لونًا وقوسَ قزح، وفي الثالثة، صار الصوتُ صمتًا محرابيًا. إنها رحلةٌ من الضجيجِ الرمزيّ إلى الصمتِ المقدّس، من الثورةِ بالكلمةِ إلى الثورةِ باللونِ إلى الثورةِ بالعدم. إنها حركةٌ نحو الداخل، نحو العمق، نحو النقطةِ التي يتلاشى فيها كلُّ شيءٍ إلا الحضورَ الخالص.
إنّ إلهام عيسى، في هذا الثالوثِ البديع، لا تكتفي بأن تكونَ كاتبةً، بل تصيرُ عرّافةَ اللغةِ، تتلقّى ومضاتِها من سراديبِ الروح، وتصوغُها في جملٍ هي أشبهُ بالرُقى والتعاويذ. إنها تكتبُ القصةَ القصيرةَ جدًا كما يُشعِلُ العرّافُ شمعةً في غار، لا ليرى، بل ليُرى. وعيناها، في كلِّ نص، مثبّتتانِ على ذلك الخيطِ الرفيعِ بين الكلمةِ والصمت، بين الصوتِ والصدى، بين الحضورِ والغياب. وما الثلاثيةُ إلا محاولةٌ جسورةٌ لنسجِ هذا الخيط، بل لتصييرهِ جسرًا معلّقًا بين ضفتي الوجودِ والعدم، جسرًا حافيًا، ملونًا، صامتًا، لا يعبرُ عليه أحدٌ إلا من أمسكَ الريشةَ، أو مدّ اليدينِ إلى العباب، أو جلسَ في محرابِ التوقِ ينتظرُ قطبًا لا يأتي.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
25/06/2026






