
حين يتسلق الفاشل الكرسي ويحارب الناجحين
د.نور الهدى قرباز
حين يتسلّق الفاشل الكرسي… ويُحارب الناجحين
ليس أخطر على المؤسسات من الجاهل حين يمسك بالقلم، ولا أشدّ ضرراً من الفاشل حين يتربع على كرسي القرار. فالفقر في المال قد يُعوَّض، والفقر في الإمكانات قد يُجبر، أما الفقر في الفكر والنزاهة إذا اجتمع مع السلطة، فإنه يتحول إلى معول يهدم كل ما يُبنى، ويُطفئ كل نور يلوح في الأفق.
إن الإنسان الذي وصل إلى منصبه بالتسلق، أو بالمجاملة، أو بسرقة جهود الآخرين، لا ينتظر منه أن يضيف لبنة في صرح العلم، لأنه لم يتعلم يوماً كيف يبني، بل تعود أن يعيش على أنقاض ما يبنيه غيره. فهو كـ”الغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة، فلم يُحسن مشيته ولم يحتفظ بمشيته”، يضيع بين الزيف والحقيقة حتى يصبح عبئاً على المكان الذي يشغله.
وقد قيل في المثل الشعبي: “الإناء الفارغ أكثر ضجيجاً”. لذلك تجد أمثال هؤلاء أكثر الناس حديثاً عن الإنجازات، وأقلهم إنتاجاً لها. يرفعون الشعارات، ويكتبون التقارير، ويملؤون المجالس ضجيجاً، لكن حين تُفتح دفاتر العمل لا تجد إلا آثار غيرهم وبصمات المجتهدين الذين سُرقت جهودهم.
إن الناجح يذكّر الفاشل بعجزه، ولذلك يتحول التفوق في نظره إلى جريمة يجب معاقبتها. فيحارب الباحث الجاد، ويُعرقل الطالب المتميز، ويُضيّق على صاحب المبادرة، لأنه يعلم في قرارة نفسه أن نجاح الآخرين يكشف هشاشته. ولهذا قال الشاعر:
إذا أتتك مذمتي من ناقصٍ
فهي الشهادة لي بأني كاملُ
ولقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة النفسية بدقة حين قال الله تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
فالحسد ليس مجرد شعور عابر، بل قد يتحول عند ضعاف النفوس إلى سياسة ممنهجة لتعطيل الكفاءات وإقصاء أصحاب العقول.
وحين يجتمع الجهل مع الحسد، يصبح المنصب ورشة لإنتاج المكائد. فتُحاك المؤامرات في الخفاء، وتُنصب الحفر للناجحين، وتُؤجل المشاريع، وتُعطل المبادرات، ويُقدَّم أصحاب الولاء على أصحاب الكفاءة. وكأن المؤسسة لم تعد فضاءً للعلم والإبداع، بل ساحة لتصفية الحسابات الشخصية.
لكن التاريخ علمنا أن المكائد قصيرة العمر، وأن الجهد الصادق أبقى من المناصب. فكم من متسلق ملأ الدنيا ضجيجاً ثم سقط من الذاكرة بمجرد مغادرته الكرسي، وكم من عالم ومجتهد حورب في حياته ثم بقي أثره بعد رحيله بسنوات طويلة.
إن الحل لا يكون بالشكوى وحدها، بل ببناء منظومة صارمة للمحاسبة والشفافية. فلا بد من تقييم المسؤولين على أساس الإنجاز الحقيقي لا على أساس العلاقات. ولا بد من مراقبة القرارات الإدارية والأكاديمية، وفتح المجال للكفاءات، وحماية المبلغين عن التجاوزات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما ينبغي غربلة المؤسسات من كل من جعل المنصب وسيلة للانتقام أو الاستحواذ أو سرقة جهود الآخرين. فالمؤسسات لا تنهض بالمناصب المزخرفة، بل بالعقول المنتجة. ومن يعرقل العلم ويطارد الكفاءات لا يخدم المؤسسة، بل يستنزفها من الداخل كما تفعل الأرضة في الخشب؛ لا يُرى أثرها أول الأمر، لكن الانهيار يأتي فجأة.
إن الأمم التي تريد النهوض لا تكرم المتسلقين، بل تكرم البنّائين. ولا ترفع أصحاب الأصوات المرتفعة، بل ترفع أصحاب الإنجازات الهادئة. فالمستقبل لا يصنعه الذين يسرقون أفكار غيرهم، وإنما يصنعه الذين يضيئون شمعة في زمنٍ اعتاد فيه البعض إطفاء المصابيح.
ويبقى القانون الأبدي للحياة أن الزبد يذهب جفاءً، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. فالكرسي زائل، والمصلحة زائلة، أما العلم الصادق والعمل النزيه فهما الباقيان، وهما الحكم العادل الذي لا يخطئ في نهاية المطاف.







