القلم سلاح عابر للأجيال

الْقَلَمُ سِلَاح عَابِر لِلْإِجْيَال
كتب طه عبد الرحمن
مِنْ حَيْثُ تَبْدَأُ الذَّاكِرَةُ، هُنَاكَ يَبْدَأُ الْقَلَمُ. لَيْسَ الْقَلَمُ الَّذِي نَعْرِفُهُ فِي كُفِّ الْيَدِ، بَلِ الْقَلَمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الْوُجُودُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ. أَلَمْ يَقُلِ الْأَوَّلُونَ: “اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ”؟ فَالْقَلَمُ إِذًا سَابِقٌ عَلَى الْمَدَادِ، سَابِقٌ عَلَى الْيَدِ، سَابِقٌ حَتَّى عَلَى الْفَمِ الَّذِي يَنْطِقُ. هُوَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ الْثَّانِي؛ فَالْإِنْسَانُ الْأَوَّلُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ، أَمَّا الْإِنْسَانُ الثَّانِي فَخُلِقَ مِنْ حَرْفٍ.
كَمْ يَضِيقُ الْوَقْتُ بِالْأَجْسَادِ، وَيَتَّسِعُ بِالْكَلِمَاتِ! الْإِنْسَانُ يَمُرُّ كَالسَّحَابَةِ، تَمْطُرُ سَاعَةً ثُمَّ تَتَفَكَّكُ فِي الْأُفُقِ. أَمَّا مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ، فَإِنَّهُ يُصْبِحُ مَطَرًا لَا يَنْقَطِعُ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى نَهْرٍ تَشْرَبُ مِنْهُ الْأَجْيَالُ الْقَادِمَةُ، وَإِلَى بَحْرٍ لَا تُدْرِكُ الْغَوَّاصَاتُ قَعْرَهُ. تَأَمَّلْ هَذَا السِّرَّ: الْجَيْشُ يَغْزُو فَيَمْلِكُ الْأَرْضَ لِأَيَّامٍ، وَالْقَلَمُ يَغْزُو فَيَمْلِكُ الْأَبَدَ. السَّيْفُ يَقْطَعُ الْأَعْنَاقَ وَالذَّاكِرَةُ تَمْحُوهَا الْغَفْلَةُ، أَمَّا الْكَلِمَةُ فَإِنَّهَا تَشُقُّ طَرِيقَهَا فِي الْأَجْسَادِ دُونَ أَنْ تَرَاهَا الْجُلُودُ، تَسْرِي فِي الدَّمِ كَسُمُومٍ لَا تُدْرَكُ، وَفِي الْعَقْلِ كَأَضْوَاءٍ لَا تُطْفَأُ.
وَمَا الْأَدَبُ فِي حَقِيقَتِهِ إِلَّا مُؤَامَرَةُ الْأَحْيَاءِ عَلَى الْمَوْتِ، وَمُؤَامَرَةُ الْأَمْوَاتِ عَلَى النِّسْيَانِ. اُنْظُرْ إِلَى تِلْكَ الْأَوْرَاقِ الَّتِي اصْفَرَّتْ وَتَمَزَّقَتْ، تَحْتَوِي بَيْنَ طَيَّاتِهَا رُوحَ رَجُلٍ مَاتَ مُنْذُ أَلْفَيْ عَامٍ، وَهَا هُوَ ذَا يَزُورُكَ فِي حُجْرَتِكَ، يَتَنَفَّسُ فِي قَصَبَتِكَ الرِّئَوِيَّةِ، يَضْحَكُ فِي ضِحْكَتِكَ، يَبْكِي فِي دَمْعَتِكَ. أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْخُلْدُ الْحَقِيقِيُّ؟ لَيْسَ الْخُلْدُ أَنْ تَبْقَى، بَلِ الْخُلْدُ أَنْ يُعِيدَكَ الْآخَرُونَ نَبْضًا فِي عُرُوقِهِمْ دُونَ أَنْ يَدْرُوا.
أَفَلا تَرَى أَنَّ الْقَلَمَ يَصْنَعُ مِنَ الزَّمَنِ طَيًّا، وَمِنَ الْمَكَانِ بَسْطًا؟ فَأَنْتَ تَقْرَأُ سَطْرًا كُتِبَ فِي الْأَنْدَلُسِ، فَإِذَا بِكَ فِي الْأَنْدَلُسِ. تَقْرَأُ حَرْفًا كُتِبَ فِي بَغْدَادَ، فَإِذَا بِكَ بَغْدَادِيُّ النَّسَبِ، يَمَانِيُّ الْهَوَى، شَامِيُّ الْحَنِينِ، مِصْرِيُّ الْحُلْمِ. يُسَافِرُ الْقَلَمُ حَيْثُ لَا تَسْتَطِيعُ الْأَرْجُلُ، وَيَصْمُدُ حَيْثُ تَتَفَتَّتُ الْحِصُونُ. وَيَا لَهَا مِنْ سُخْرِيَةِ الْوُجُودِ: إِنَّ الْمَعَابِدَ تَنْهَارُ، وَالْأَصْنَامَ تُكْسَرُ، وَالْقُصُورَ تَبْلَى، وَالْقَبْرَ يَفْتَحُهُ اللُّصُوصُ، أَمَّا قَصِيدَةٌ نَظَمَهَا مَجْنُونٌ فِي لَيْلَةِ يُبْسٍ، فَتُصْبِحُ قِبْلَةَ عُشَّاقٍ بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ!
إِنَّ الْقَلَمَ لَيْسَ أَدَاةَ كِتَابَةٍ فَقَطْ، بَلْ هُوَ حَرَارَةُ الرُّوحِ الْأَوَّلَى، وَسِرُّ السَّرِيرَةِ الْآدَمِيَّةِ الْمُنْطَوِيَةِ عَلَى شَيْئَيْنِ: الْفَنَاءِ وَالْخُلُودِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَكْتُبُ هُوَ جَسَدٌ يَنْشُرُ نَفْسَهُ فِي أَكْفَانِ الْأَحْبُرَةِ، وَرُوحٌ تَعُدُّ لِلْقِيَامَةِ قَبْلَ أَوَانِهَا. أَنَّى اتَّجَهْتَ، تَجِدُ آثَارَ الْأَقْلَامِ عَلَى جِدَارِ الْكَهْفِ، عَلَى مِلَفَّاتِ الْحَرْبِ، عَلَى مَرَاسِيمِ الْحُبِّ، عَلَى شَوَاهِدِ الْقُبُورِ، عَلَى جَبْهَةِ الطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمِ الْكِتَابَةَ بَعْدُ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي لَحْمِهِ رَغْبَةَ الْخُلُودِ.
أَيّهَا الْمُتَكِئُ عَلَى رَمَادِ الْأَمْسِ، الَّذِي تَحْسَبُ أَنَّ كَلِمَتَكَ لَنْ تُسْمَعَ، أَوْ أَنَّ حَرْفَكَ سَيَضِيعُ فِي زَحْمَةِ الْأَصْوَاتِ، اعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ الَّذِي تَمُسِكُهُ الْيَوْمَ هُوَ سِلْسِلَةٌ لَا تَنْقَطِعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَائِنِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَفَرَ عَلَى الصَّخْرِ بِظُفْرِهِ. لَيْسَ الْأَمْرُ أَمْرَ جَمَالِ الْخَطِّ أَوْ فَصَاحَةِ التَّرْكِيبِ، بَلْ هُوَ أَمْرُ الشَّجَاعَةِ فِي كَسْرِ حَاجِزِ الزَّمَنِ. فَلَمَّا تَكْتُبُ، فَأَنْتَ تَقُولُ لِلْمَوْتِ: “إِنِّي أَسْبَقُكَ”. وَتَقُولُ لِلنِّسْيَانِ: “إِنَّ غَصْنَ الْغَافِيَةِ لَنْ يُثْمِرَ فِي حَدِيقَتِي”.
كَمْ مِنْ أَطْفَالٍ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ، سَيَقْرَؤُونَ مَا تَكْتُبُهُ الْيَوْمَ، وَسَيَجِدُونَ فِي حُرُوفِكَ سِرَّ وُجُودِهِمْ. أَنْتَ لَا تَكْتُبُ لِنَفْسِكَ أَبَدًا، وَإِنْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ، فَأَنْتَ تَكْتُبُ لِلْغُرَفِ الْفَارِغَةِ الَّتِي سَيَسْكُنُهَا سِوَاكَ. كَلِمَاتُكَ الْيَوْمَ هِيَ خِبَاءُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ، وَحِصْنُهُ، وَبِئْرُ مَائِهِ، وَنَجْمُهُ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ فِي صَحْرَاءِ الْحَيْرَةِ.
إِذًا، هَاتِ الْقَلَمَ. لَا تَقُلْ: “أَنَا صَغِيرٌ”، فَكُلُّ الْكِبَارِ كَانُوا صِغَارًا حِينَ بَدَأوا. وَلَا تَقُلْ: “الْكَلِمَاتُ خَجْلَى”، فَالْكَلِمَاتُ لَا تَخْجَلُ إِلَّا مِمَّنْ يَخْجَلُ مِنْهَا. وَلَا تَقُلْ: “الْأَجْيَالُ الْآتِيَةُ لَنْ تَنْصِتَ إِلَيَّ”، فَمَا أَحَدٌ كَتَبَ صَادِقًا إِلَّا وَجَدَ أُذُنًا فِي الْغَدِ، وَلَوْ كَانَتْ أُذُنًا وَاحِدَةً فِي صَمْتِ الْأَبَدِ. اُكْتُبْ كَأَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَاكْتُبْ كَأَنَّ الْحُرُوفَ هِيَ الطِّينُ الْأَوَّلُ، وَأَنْتَ الْخَالِقُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ. عِنْدَئِذٍ، سَيَصِيرُ قَلَمُكَ لَيْسَ سِلَاحًا فَقَطْ، بَلْ نَسْلًا نَاطِقًا، وَنَسَبًا مَمْتَدًّا، وَعُمْرًا آخَرَ تَحْمِلُهُ أَيْدِي الْآتِينَ كَالشَّمْعَةِ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ فِي لَيْلٍ طَوِيلٍ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى اللَّيْلُ.