معراج الأرواح في تراتيل القيامة الصغرى قراءة نقدية لنص الفرقة الناجية للقاصة الهام عيسى|توفيق مدار

معراج الأرواح في تراتيل القيامة الصغرى.
==================

قراءة نقدية تفكيكية لنص الفرقة الناجية.
للكاتبة إلهام غانم عيسى
===============
بقلم الناقد الدكتور توفيق مدار الجزائر
=============

توطئة نقدية :”براعة التكثيف وصنع المفارقة”

تكتمل أركان القصة القصيرة جدا بومضات أدبية كبرى تعد منطلقات أساسية وهي كما أراها:التكثيف الحاد للمعاني وجوامع الكلم الأدبي والتناص والادهاش وفي الأخير الخاتمة المباغتة والمدهشة .
هذه القصة لا تروي حدثا عابرا كما في نشرة الأخبار المتكررة بل اقتنصت لحظة فاجعة مفعمة بالدلالات مشحونة بالحركات لمشهد دموي فاجع لكن حولتها الكاتبة (كقراءة مضادة كما أسميها) بريشتها الفنية إلى لوحة أدبية سريالية مدهشة تسحر بجمالها الناظرين ويتوقف عندها ذوو الذوق الرفيع ليسمعوا من خلالها أنين الجثث المتكدسة تنبعث منها رائحة البطولة بدمها المسكي.

أولا.العتبة النصية والقراءة المضادة
========
يشي عنوان (الفرقة الناجية) في ذهن الجماعة بدلالة متوارثة وإحالة ذهنية وتناص مباشر مع معتقد يخص جماعة تنجو بنفسها من عقاب الآخرة وتفوز لوحدها بالخلاص..لكن بطريقة ذكية من الكاتبة حيث قلبت المشهد والقراءة ووجهت الصورة من الفكرة العقائدية إلى مجال آخر أوسع وأرحب فمن الناحية السياسية أو بالمفهوم العسكري يعد من الفرقة الناجية من يسلم نفسه بصدر عار ورجلٍ حافية ليلقي بالقذيفة داخل غرفة القيادة للعربة المجنزرة .
و من ناحية منطوق النص “فالفرقة الناجية” هم كل الذين تعرضوا وتلاشت أنفاسهم تحت الآلة المجنزرة لتعرج أرواحهم إلى السماء مبتسمة فالنجاة هنا هي (الفكاك من جحيم الأرض)مما يضفي على النص عمقاً فلسفياً يرى في الموت بتلك الطريقة انتصاراً على قهر الآلة وفكاكا من جحيم الأرض.

ثانيا ..السينوغرافيا الحركية والصوتية (بنية التصاعد)
========
تتحرك الجمل الأولى بنسق نفسي سريع ومتتابع ومتلاحق يحاكي السينما
فمن ناحية الصورة يظهر في المشهد أن الجموع تندفع وتتسابق نحو الأسلاك التي ترمز هنا للحصار والحدود فتنقطع الأنفاس فيسقط الجميع منبطحين ثم تتدخل آلة الموت الجرافة لتقوم بالعمل الشيطاني المحو والردم.
ومن الناحية الصوتية فالنص مزيج مفعم بالضجيج المرعب والمقزز مثل::(أزيز، نعيق، عويل، صرخات، تكبيرات)…
وقد وفقت الكاتبة في استعارة :(نعيق دبابات) لتشنيع المشهد وتقزيزه فالنعيق للبوم الذي يرمز في المخيال الشعبي إلى طائر الشؤم والموت وإسقاطه هنا على الدبابة ليجردها من هيبتها العسكرية ويلبسها ثوب الخراب القبيح. والشيء نفسه وظفته في عويل الذئاب الذي يرمز لطبيعة حيوانية متوحشة وألبستها للمهاجمين.

ثالثا..انكسار الأيديولوجيا: تهاوي الصنم
=========
كسرت الكاتبة أيديولوجيا عبادة الصنم وأهوته على أنفه حين قالت “يتهاوى صنم الحرية” فهي لحظة فارقة تمثل قمة التحول في النص. فالكاتبة لم تقل “تمثال” بل استعملت لفظة (صنم) فالتمثال يعد رمزا للكفاح والنضال أما الصنم فهو تلاشى من حيث القدسية في الوقت الحالي لتنزع القداسة عن كل شعار رفع أو سيرفع على غرار الديمقراطية أو الوعود الفارغة أو العدالة فعندما تنزع الجرافة الأنفاس الأخيرة، يسقط وهم (الحرية الأرضية) وهنا تصبح المواجهة مباشرة عارية بين جسد نحيل أنهكته صروف الدهر والقهر والحصار ورصاصة غادرة لا يدري من أين انطلقت.

رابعا القفلة الفنية والمفارقة الفاجعة حين (تتكلم الجثث)
===============
اختارت الكاتبة الهام عيسى قفلة هي الذروة في القصة هنا لتجيء بسريالية صادمة:تردد الجثث المتناثرة: هنيئاً.. الفردوس الأعلى…! فهي لحظة تحمل صورة شعرية في قفلة فنية حيث تكمن المفارقة في تبادل الأدوار الذي قد لا يقبله العقل و المنطق
فالأصل أن الحيّ يقدم تعازيه للميت لا التهنئة بالفوز.
ففي النص نجد أن الأموات (الجثث) هم من يهنئون الراحل! فهذا الحوار يعكس بحق وصول السكين إلى العظم كما نقول ووصول الإنسانية إلى حد تبلد الشعور الفظيع كما عند مهدي الجواهري حيث يصير طلب الموت أمنية جماعية للخلاص من الأرض وتكون معراجا للسماء وموضع تهنئة لمن مات وعرج فالبقاء في هذه الأرض المسيجة يعد انتحارا بين تلك الذئاب ويعني البقاء في الجحيم الأبدي

والخلاصة النقديّة:
هنا أرى أن الكاتبة نجحت إلى حد بعيد في تصوير مشهد يتكرر دوما في نشرات الأخبار وحولته إلى لوحة أدبية فاخرة بلغة مشحونة باستعارات جسدت المعنوي في المحسوس تأكيدا للمعاني وتوضيحا للأفكار واعتمدت فيه على شعرية الموت شكلت خلطات أدبية فنية حيث اختطلت فيه متلازمات الموت وشكلت منه مسرحية مثلها الموت والعويل والجثث والتكبيرات على مسرح الأيام لتعبر عن مأساة الإنسان المعاصر أمام طغيان لا ينتهي وآلة لا ترحم وعدالة أصبحت شعارا وإنسانية عمياء.

الفرقة الناجية ق ق ج
ا==========
إلهام غانم عيسى
جموع تندفع نحو الأسلاك وشباب..
ازيز رصاص يبدد صفوف المندفعين ،
نعيق دبابات ٠٠وعويل ذئاب يبعثران الصرخات..
تتعالى أصوات الثكلى ٠٠
ينبطح الكل على الأرض ٠٠تعلو التكبيرات..تلتقط انفاسهم الأخيرة جرافة..
ويتهاوى صنم الحرية ٠٠
وفيما تخترق جسده النحيل رصاصة غادرة..
ويعرج إلى السماء..
تردد الجثث المتناثرة:
– هنيئا.. الفردوس الأعلى ..!