وجه الحقيقة (الكهرباء أزمة قرار لا أزمة توليد)|إبراهيم شقلاوي

كاتب |السودان

الكهرباء … أزمة قرار لا أزمة توليد

لم تعد أزمة الكهرباء في بلادنا مجرد أزمة فنية مرتبطة بعجز في التوليد أو أعطال في الشبكات، بل أصبحت انعكاسًا لطريقة إدارة الدولة للأزمات، وطبيعة القرار الاقتصادي، وحدود الرؤية الاستراتيجية في مرحلة يفترض أن تكون فيها الأولوية لإعادة بناء الدولة واستعادة قدرتها على الإنتاج.

الكهرباء في الدول الحديثة بجانب أنها خدمة، أيضا هي ركيزة للسيادة الوطنية ومحرك للصناعة والزراعة والاستثمار والموانئ والخدمات، وشرط أساسي للتعافي. لذلك لا يكمن التحدي في انقطاع التيار وحده، بل في كيفية إدارة قطاع يمثل شريان الدولة. فالأمن الطاقي لا يُفقد بندرة الموارد، وإنما بعجز السياسات في أن تتحول إلى خيارات منتجة.

وزارة الطاقة والنفط، في بيانها الأخيرة، قدمت تفسيرًا لاستمرار قطوعات الإمداد الكهربائي، مشيرة إلى ارتفاع الطلب بسبب عودة المواطنين إلى بعض المناطق وارتفاع درجات الحرارة، وخروج عدد من محطات التوليد للصيانة، وصعوبة توفير الوقود وقطع الغيار، إضافة إلى توقف الربط الكهربائي مع إثيوبيا، والأضرار الكبيرة التي لحقت بمحطات التوليد والتحويل وشبكات النقل والتوزيع نتيجة الحرب. لكن ذلك لا يبدو مبرر كافي بالنظر إلى ضرورة تسريع التعافي وتعقيدات تحديات المرحلة.

لا شك أن الحرب عمّقت أزمة الكهرباء وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية، لكنها ليست سببها الوحيد، إذ تعود جذور الأزمة إلى اختلالات هيكلية سبقت الحرب، أبرزها تعثر المشروعات الاستراتيجية، وضعف الاستثمار، والاعتماد على الحلول الإسعافية. ورغم جهود الوزارة في استعادة القدرات الإنتاجية وإعادة تأهيل محطات التوليد والنقل والتوزيع، فإنها تظل استجابة لآثار الأزمة أكثر من كونها معالجة لأسبابها.

فالأمن الكهربائي لا يُبنى بالصيانة وحدها، بل باستراتيجية تقوم على توطين الإنتاج، وتنويع مصادر الطاقة، وتأمين الوقود، وربط الكهرباء بالتنمية. لذلك جاء إعلان وزارة الطاقة عن وصول بارجة توليد بقدرة 100 ميغاواط، إلى جانب محطة أرضية بقدرة 50 ميغاواط، استمرارًا لذات النهج المرتبط بالحلول الإسعافية المكلفة أكثر من كونه تحولًا نحو معالجة هيكلية للأزمة، رغم تأكيد الوزارة أن اختيار الشركة تم عبر عطاء عالمي وأن العرض الفائز هو الأقل تكلفة مقارنة بالعقد السابق.

ففي مقال سابق بعنوان “من قري إلى كلاناييب”، تناولنا زيارة رئيس الوزراء د. كامل إدريس للمشروع باعتبارها إشارة إلى عودة الدولة للمشروعات الاستراتيجية. وأوضحنا أن كلاناييب 500 ميقاواط ليست مجرد محطة توليد، بل مشروع متكامل لتعزيز الأمن الكهربائي في شرق البلاد. كما أشرنا إلى أن تعثره منذ اتفاقية” سيمنز” عام 2016 كان نتيجة عوامل سياسية وتمويلية.

ومع إعلان وزارة الطاقة عن استكمال المشروع عبر شركة تركية وعودة العمل بالمحطة، بدا أن الاتجاه يمضي نحو بناء أصل وطني دائم بدلًا من استمرار الحلول الإسعافية. غير أن وصول بارجة توليد جديدة إلى بورتسودان يفتح ملفًا مهمًا يتعلق بمدى الاتساق بين ما أُعلن من خطط استراتيجية وما يُنفذ على الأرض، فالمشكلة ليست في البارجة كإجراء اسعافي مؤقت، بل في غياب الوضوح حول مصير مشروع كلاناييب الذي قُدم باعتباره الحل المستدام.

هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في أي جهة، لكنها جزء من متطلبات الحكم الرشيد، لأن قطاع الكهرباء يجب أن لا يدار بالقرارات المرتبكة، بل يحتاج إلى وضوح في الأولويات والشفافية في استخدام مال المواطن.

لقد أظهرت تجربة البارجة التركية السابقة أن الحلول المؤقتة قد تتحول إلى واقع دائم عندما تغيب البدائل الوطنية. فالبوارج قد تكون مناسبة للطوارئ، لكنها ليست أساسًا دائمًا لأمن الطاقة، لأنها ترتبط بعقود خارجية وتكاليف تشغيلية مرتفعة واعتماد مستمر على الوقود والخدمات اللوجستية.

وهنا تتجلى أزمة صناعة القرار، فمشكلة الطاقة في السودان لا تكمن فقط في ضعف التوليد، بل في غياب الرؤية التي تدير القطاع بمنطق استراتيجي. فعندما يُدار ملف حيوي كالكهرباء بمنهج الحلول الإسعافية وتوازنات النفوذ، يصبح المستقبل أسيرًا للحاضر، وتُهدر الموارد وتتآكل الثقة. فالمواطن لا يرى انقطاع التيار مجرد أزمة خدمية، بل اختبارًا لقدرة الدولة على تحويل الوعود إلى إنجازات. واليوم لن تكون معركة بلادنا إعادة إعمار المنشآت فقط، بل استعادة دولة الإنتاج، والكهرباء ستكون مفتاحها الأول لعودة الصناعة والزراعة والموانئ والحياة إلى المدن.

لذلك، بحسب #وجه_الحقيقة، فإن أزمة الكهرباء في السودان ليست أزمة توليد فقط، بل أزمة رؤية وإدارة. فاستمرار اللجوء إلى الحلول الإسعافية بينما تمضي البلاد نحو التعافي يستدعي مراجعة شاملة لقطاع الطاقة، من حيث الكفاءة والحوكمة والشفافية ومراجعة مسار القرارات والعقود، خاصة مع تصاعد التساؤلات، حول إدارة هذا الملف. فالدولة التي تستعد للإعمار لا يمكن أن تظل أسيرة شراء الوقت، وهي تمتلك موارد تؤهلها لبناء أمن طاقي مستدام. فالمعادلة ليست بين بارجة ومحطة، بل بين إدارةٍ تُرحّل الأزمة ودولةٍ تصنع الحل. فأمن الطاقة لا يُشترى مؤقتًا، بل يُبنى بقرار استراتيجي يحول الموارد إلى قوة إنتاج واستقلال لأجل المستقبل.

دمتم بخير وعافية.

السبت 25 يوليو 2026 م [email protected]

#إبراهيم_شقلاوي #الكهرباء_في_السودان #أزمة_الكهرباء #الأمن_الطاقي #صناعة_القرار #الحوكمة #إعادة_الإعمار #التنمية_المستدامة #الاقتصاد_السوداني #مستقبل_السودان