
قراءة نقدية في مقال(صفاء لغة قريش واستعلاؤها)مقاربة في منهج الدكتور مصطفى عطية جمعة بين فقه اللغة وفلسفة المكان |طه دخل الله عبد الرحمن
ناقد|فلسطيني
قراءة نقدية في مقال “صفاء لغة قريش واستعلاؤها”
حين يصير الدرسُ اللغويُّ معراجاً إلى أسرار القداسة: مقاربةٌ في منهج الدكتور مصطفى عطية جمعة بين فقه اللغة وفلسفة المكان
معراجُ البيان: حين تصعد الكلمةُ إلى سمائها
ليس كلُّ ما يُكتَبُ يُقرَأ، وليس كلُّ ما يُقرَأ يبقى، وليس كلُّ ما يبقى يُحيي في القارئ ميتَ الدهشة، ويوقظ راقدَ التأمُّل، ويُشعل خامدَ السؤال. أما ما خطَّه الدكتور مصطفى عطية جمعة في مقاله “صفاء لغة قريش واستعلاؤها” فهو من ذلك القبيل النادر الذي إذا وقع في الروح فعلَ فيها فعلَ المطرِ في الأرض الميتة، فاهتزَّت وربَتْ وأنبتت من كل زوجٍ بهيج.
إنه ليكتب، وكأنما يمسك القلمَ بيمينه، ويمسك روحَ القارئ بشماله، يسوقها حيث شاء، ويهبط بها في شعاب التأريخ اللغوي، ثم يصعد بها إلى قمم التأمل الفلسفي، ثم يهبط بها إلى سهول التحليل العلمي الرصين، في رحلةٍ لا يُملُّ سيرُها، ولا يُخشى ضلالُها، ولا يُخافُ وعثاؤها. ولقد أمسك، منذ الكلمات الأولى، بخيط النور الذي يصل السماء بالأرض، والغيب بالشهادة، واللغة بالمقدَّس، فجاء مقاله تسبيحةَ عشقٍ في محراب الضاد.
تأملوا معي – رحمكم الله – كيف استهلَّ بقولة ابن جني، تلك القولة التي تشبه مفتاحاً من ذهب يُفتح به بابُ السرِّ المغلق: “ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم…” الرفعة! نعم، الرفعة لا التفوّق، والسموُّ لا التعالي، والارتقاءُ لا الإقصاء. إن ابن جني يختار لفظ “الارتفاع” وكأنه يريد أن يقول لنا: إن المسألة ليست مسألة صراعٍ بين لهجات، ولا تنافسٍ بين قبائل، بل هي مسألة عروجٍ روحانيٍّ صعدت فيه لغةٌ إلى أفقها الأعلى، فيما ظلَّت أخواتها تدور في فلكها الأدنى. أليست هذه هي سنة الله في خلقه: أن يرتفع الصافي على الكدر، ويسمو النقيُّ على الشائب، ويعلو البيانُ على اللجلجة؟
ثم ينكشف المستور، وينجلي المخبوء، حين يأتي الدكتور مصطفى بقول الفراء، فكأنما يأتي بالمشكاة في ليلةٍ حالكة: “كانت العرب تحضر الموسم… وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه تكلموا به”. هنا، هنا بالضبط، ينبثق الفجر من قلب الليل! هنا يتجسد سرُّ العبقرية القرشية التي قلَّب الدهرُ لها ظهرَ المِجَن. إن قريشاً – كما يُصوِّرها الفراء، وكما يُحلّق بها الدكتور مصطفى في سماء التحليل – لم تكن مجرد قبيلةٍ سكنت مكة، بل كانت أذناً كونيةً صيغت من ذهب، تسمع فتنتقي، وتنتقي فتصوغ، وتصوغ فتُبدع. إنها الجوهرة التي ابتلعت أنوار الكواكب جميعاً ثم عكستها نوراً واحداً لا تفرق فيه ولا شتات.
إن هذه العملية التي يصفها المقال – عمليةَ الاستحسان والانتقاء والتصفية – لهي في جوهرها عمليةٌ إبداعيةٌ خلاّقةٌ تشبه تماماً ما تفعله الطبيعة حين تأخذ الطين الأسود فتقلبه وردةً حمراء، أو حين تأخذ الحجر الخشن فتقلبه ياقوتةً تتوهج. لقد كانت آذان القرشيين كمصفاة الذهب، لا يُبقون إلا على أصفى الجواهر الصوتية، وأعذب النغمات اللفظية، وأدق الإشارات الدلالية، ثم يسبكون هذا كله في بوتقة واحدة، فإذا هو لسانٌ مبين، نقيٌّ كنقاء زمزم، عذبٌ كعذوبة المزن، صافٍ كصفاء الفجر.
وهنا تتجلى براعةُ الدكتور مصطفى في الانتقال من دائرة اللغة إلى دائرة المكان، كأنه يُريح القارئ من عناء السؤال الذي يلحُّ: ولِمَ كانت قريشٌ دون غيرها؟ فيأتي الجواب من ياقوت الحموي، شيخ الجغرافيا العربية، الذي يخبرنا أن “مكة تمُكّ الذنوب” أي تذهبها وتمحقها. لحظة! أترون الخيط الرفيع الذي يربط اللغة بالمكان، والبيان بالطهور، والكلمة بالغفران؟ إن مكة – في الوعي العربي الجمعي، وفي القدر الإلهي المسطور – ليست مكاناً يُسكن، بل هي مغسلةٌ كونية، ومحرقةٌ للخطايا، ومطهَرةٌ للأدران. فإذا كان هذا شأن المكان، فكيف يكون شأن اللسان الذي ينبت في تربته، ويترعرع في هوائه، ويرتوي من مائه؟ لا بد أن يكون لساناً يمُكُّ الرديء من القول، ويذهب بسقيم الكلام، وينفي عن البيان كل شائبة.
ألا ترون معي – هداكم الله – كيف أن الدكتور مصطفى ينسج خيوط مقاله نسجَ العبقريِّ المُلهَم؟ إنه لا يكتب تاريخاً للغة، بل يكتب فلسفةً للغة، ولا يؤرخ لأحداث، بل يُنقّب عن أسرار، ولا يسرد وقائع، بل يكشف عن حِكَم. إن اللغة عنده ليست أصواتاً وقواعدَ ومعاجم، بل هي كائنٌ حيٌّ له روحٌ تسري، ودمٌ يجري، ونسبٌ يُعتزّ به. وإن لغة قريش لم تكن لهجةً بين لهجات، بل كانت قدراً يتحقق، ووعداً يُنجز، واختياراً إلهياً يتجسد على الأرض حرفاً وكلمة وآية.
وتأملوا – بارك الله في بصائركم – كيف يعالج مسألة تعدد اللهجات، تلك المسألة التي ربما ظنها البعض إشكالاً أو تناقضاً. إنه يُخرجنا من ضيق الظاهر إلى سعة الباطن، ومن حرفية المنطوق إلى روحانية المفهوم. إن تعدد القراءات القرآنية ليس – كما يُصوِّره الدكتور – دليلاً على اضطراب اللغة، بل هو دليل على ثرائها، وشاهدٌ على رحمتها، وبرهانٌ على سعتها. إنها كالنهر العظيم الذي تتفرع منه جداول، لا لتنفصل عنه، بل لتروي أرضاً أوسع، وتسقي زرعاً أكثر، ثم تعود إليه في النهاية لتُكمِل المسير. هذا هو الجمع بين الوحدة والتنوع، وهذه هي عبقرية العربية: أن تظلَّ واحدةً وهي متعددة، وأن تبقى جامعةً وهي متفرقة، كما يبقى البحرُ بحراً واحداً مهما تعددت أسماؤه على سواحله.
إن ما كتبه الدكتور مصطفى عطية جمعة ليس مقالاً في اللغويات، بل هو قصيدةٌ في حب العربية، مكتوبةٌ بلغة النقد الرصين. وليس بحثاً أكاديمياً جافاً، بل هو معراجٌ روحانيٌّ تصعد فيه الكلمة من أرض البحث إلى سماء العشق. إنه ليكتب والعربيةُ تملأ روحَه، وتجري في عروقه، وتُشرق من بين أنامله، حتى لتظنَّ – وأنت تقرأ – أنك لا تقرأ حروفاً، بل تستمع إلى موسيقا الأفلاك، أو ترى بأم عينك معراج البيان وهو يصعد إلى سمائه!
فيا أيها القارئ الظمآن إلى ينابيع الحكمة: اقترب، وانهل، واملأ كفيك من هذا النمير. ويا أيها الدكتور مصطفى: لقد رفعتَ لواء العربية عالياً خفاقاً، وكتبتَ في سفر الخالدين سطراً من نور لا يُطفأ، وجعلتَ من بحثك هذا منارةً يهتدي بها التائهون في صحراء العولمة اللغوية، وذكّرتنا جميعاً بأن لنا تراثاً لو تمسكنا به لعُدنا إلى صدارة الأمم، وصرنا كما كنا: أمةً تقرأ باسم ربها الذي علّم بالقلم، وتُسمع الدنيا صوتَ الحق بلغةٍ اصطفاها الله من بين لغات العالمين.
فجزاك الله عن لغة كتابه العزيز خير الجزاء، وجعل هذا المقالَ في ميزان حسناتك يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليمٍ ولسانٍ صدوقٍ مبين.
********************
“صفاء لغة قريش واستعلاؤها”
مقال جديد في جريدة القدس العربي، لندن، يوليو 2026.
مرفق أدناه رابط المقال، وهذا نصه كاملا، أتشرف بقراءتكم:
صفاء لغة قريش واستعلاؤها
د.مصطفى عطية جمعة
يقول ابن جني: «ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجع قيس، وعجرفية ضبة، وتلتلة بهراء». فأما عنعنة تميم فإنَّ تميما تقول في موضع أن: عن. وأما تلتلة بهراء فإنهم يقولون: تِعلمون وتِفعلون وتِصنعون؛ بكسر أوائل الحروف. وأما كشكشة ربيعة فإنما يريد قولها مع كاف ضمير المؤنث: إنكش ورأيتكش وأعطيتكش؛ تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين.
بما يعني صفاء لغة قريش على المآخذ الصوتية التي تعيب لهجات القبائل، وقد ارتضت بقية القبائل لغة قريش لوضوحها، ورقيها، وثرائها، ولكن لا يعني أبدا إهمال دلالات المفردات عند القبائل، فوجدنا كتبا، ومؤلفات عديدة، وأيضا المعاجم اللغوية بعد ذلك تشير إلى لغات القبائل.
قال الفراء: كانت العربُ تحضر المَوسِم في كل عام، وتحجُّ البيتَ في الجاهلية، وقريش يسمعون لغاتِ العرب، فما اسْتحسنوه من لغاتهم، تكلموا به، فصاروا أفصحَ العرب، وخلَتْ لغتُهم من مُستبْشع اللغات ومُستقبَح الألفاظ». لقد كانت أسواق قريش في المواسم السنوية (سوق عكاظ وموسم الحج) ميدانا للتنافس في الأشعار، والتحاور اللغوي، وكان فصحاء قريش حكاما على المقبول من لغات العرب، وما يستساغ منها، ولم يكن الأمر صراعا لغويا، أو سعيا لهيمنة لغة ما، إنما هو أقرب إلى الاتفاق على نموذج لغوي سام، عبر إقرار القبائل للغة قريش؛ يلتزمون بها في الإبداع الشعري وأيضا النصوص النثرية.
وقد لعبت مواسم الأسواق أدوارا عظيمة في التواصل اللغوي والشعري، على نحو ما يذكر علي الجندي، فقد أقيمت أسواق كثيرة، منها ما كانت ثابتة مع أيام السنة، ومنها ما كانت موسمية تعقد في مواسم معينة، فإذا انتهى الموسم انفضت، وهذه جعلوها في أماكن متفرقة في أنحاء شبه الجزيرة، حتى تنال كل بقعة نصيبها منها، ولا يحرم بعض السكان من وجود هذه الأسواق في ديارهم، كما جعلوا لكل منها وقتا خاصا، بحيث لا يتعارض بعضها مع بعض، وليستطيع كل من شاء أن يحضر جميع هذه الأسواق، من دون أن تفوته واحدة منها. ولا شك في أن هذه الأسواق، التي فصّل ذكرها الألوسي، وقد كانت موزعة في أنحاء الجزيرة العربية؛ كان لها الأثر الكبير في التواصل اللغوي والثقافي والتبادل الاقتصادي، فقد كانت بطبيعة الحال ذات تأثير فعال في حياة القوم ومعيشتهم، كما كان لها تأثير في النواحي العامة الأخرى للعرب، فإذا كانت القبائل تفد إليها للبيع والشراء، فلا يستبعد بالطبع ورود تجار أجانب يفدون إليها، وكانوا يستخدمون نقودا رومية وفارسية ويمنية، سُكّت من الذهب والفضة والنحاس ومعادن أخرى، وكانت الدراهم عملة متداولة في زمن الرسول (ص).
فلم تكن القبائل في الجزيرة العربية منعزلة، وإنما كانت في تواصل دائم، وتقريبا طوال العام، منتهزين الأسواق التجارية التي كانت تقام، فيتبارون شعرا، ويتنافسون تجارةً، وكانت أسواق مكة من أعظمها، سواء من حيث كم التجار والعرب الذين يفدون إليها، أو من طبيعة المنافسات الأدبية والشعرية التي كانت تجرى، بما جعل لقريش المنزلة الرفيعة. ويكون السؤال: لماذا نالت قريش هذه المكانة المعنوية السامية بين قبائل العرب؟ وذلك في حقبة اتسمت بالصراع القبلي، والعصبية المقيتة! والإجابة تقودنا إلى ما فصّله ياقوت الحموي في معجمه عن مكة، بأن مكة ـ كمكان جغرافي ومدينة- لها مكانة سامية وشريفة بين العرب، فاسمها دال على سؤددها، فمما قيل عن سبب تسميتها بمكة، أنها علامة على ازدحام الناس بها؛ ولأنها عبّدت الناس فيها (في بيتها العتيق)، لأنهم يأتون إليها من جميع الأطراف، من قولهم: امتكّ الفصيل أخلاف الناقة إذا جذب جميع ما فيها جذبا شديدا فلم يبق فيها شيئا، وهذا قول أهل اللغة، وقال آخرون: سميت مكة لأنها لا يفجر بها أحد إلا بكّت عنقه فكان يصبح وقد التوت عنقه، وقال الشرقيّ: روي أن بكة اسم القرية ومكة مغزى بذي طوى لا يراه أحد ممن مرّ من أهل الشام والعراق واليمن والبصرة، وإنما هي أبيات في أسفل ثنية ذي طوى، وقال آخرون: بكة موضع البيت وما حول البيت مكة، قال: وهذه خمسة أقوال في مكة غير ما ذكره ابن الأنباري، وقال عبيد الله: ووجدتُ أنها سمّيت مكة من مك الثدي أي مصه لقلة مائها لأنهم كانوا يمتكون الماء أي يستخرجونه، وقيل: إنها تمك الذنوب أي تذهب بها، كما يمك الفصيل ضرع أمه فلا يبقي فيه شيئا، وقيل: سميت مكة لأنها تمك من ظلم أي تنقصه. أما البيت العتيق فقد سمّي بذلك لأنه عُتق من الجبابرة، والرأس لأنها مثل رأس الإنسان، والحرم وصلاح والبلد الأمين والعرش والقادس لأنها تقدس من الذنوب، أي تطهر، والمقدسة والناسّة والباسّة، بالباء الموحدة، لأنها تبسّ أي تحطم الملحدين وقيل تخرجهم.
فالملاحظ أنها أسماء أُطلقت على مكة، من قبل أهل الجزيرة العربية، الذين دأبوا على السفر إليها، والطواف ببيتها الحرام، فمن الطبيعي أن يكون الازدحام عنوانا لها، وأنها جاذبة لكل قبائل العرب، خاصة أن الأثر الديني للديانة الحنفية كان باقيا، ومرتبطا بالكعبة المشرفة، رغم الوثنيات التي لحقت بعقيدة العرب، ولكن ظل تكريمها عاليا في النفوس. وهذا ما أثبته القرآن الكريم، فقد سماها الله تعالى أم القرى فقال: لتنذر أم القرى ومن حولها، وسماها الله تعالى البلد الأمين في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، (التين، 1، 2).
وأقسم المولى بمكة، وأسماها البلد: ﴿ لا أُقسِمُ بِهَٰذَا ٱلبَلَدِ. وَأَنتَ حِلُّ بِهَٰذَا ٱلبَلَدِ﴾، (البلد، 1، 2)، وشرّفها منذ زمن إبراهيم – عليه السلام- بأن جعل فيها البيت العتيق، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، (الحج، 29)، ولا تزال مكة آمنة، ولها المكانة الأسمى تحقيقا لدعاء إبراهيم -عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾، (إبراهيم، 35)، فقد أًسكِن إسماعيلُ مكة، وتحت أقدامه انبجس ماء زمزم: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ من ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي﴾، (إبراهيم، 37). الذي تحوّل بمرور الوقت إلى محج ثابت لكل العرب، تأثرا بتعاليم الحنفية السمحة، قال تعالى: ﴿جَعَلَ الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ﴾،(المائدة، 97)، فعلى الرغم من انتشار الوثنية في جزيرة العرب، إلا أن مكانة إبراهيم، ظلت سامية في قلوب العرب، وتمثلت في تقديسهم للكعبة المشرفة في مكة المكرمة، وحرصهم على الحج، وارتياد أسواق مكة.
«فلا غرو بعد هذا كله، إذا نزل القرآن بلغة قريش التي هي لغة العرب المثالية، وباركَ توحّدها، وسما بها إلى الذروة العليا من الكمال، بعد أن كانت لهجة محدودة، لإحدى قبائل العرب. ولا عجب إذا اقتصر على تحدّي خاصةِ العرب؛ القادرين على التعبير بتلك اللغة الموحّدة، ثم لا غرابة أخيرا، إذا تعددت وجوه قراءته، تخفيفا على القبائل، وحلا لمعضلة تباين اللهجات.
وتأكيدا على أن الخلاف في لغات العرب إنما هو خلاف محدود، يكاد يقتصر على نطق بعض الكلمات، ودلالات بعض الألفاظ، ولكنها في مجملها، تتفق مع خط العربية العام. ولذا، فإن اعتماد لغة قريش لا يعني نبذ اللهجات، وعدم الأخذ بها، وإنما – كما يؤكد ابن جني- على أن مختلف اللهجات أو اللغات في بيئة العرب مهم في الدراسة اللغوية، ويذكر في باب حمل عنوان «اختلاف اللغات وكلها حجة» :
« اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم، ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال «ما» يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومينِ ضربً من القياس يؤخذ به ويخلد إلى مثله.
رابط المقال:
https://www.alquds.co.uk/%d8%b5%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d9%84…/
25/07/2026







