سفر الياسمين :فيروز والوحي القادم من الشرفة|طه دخل الله عبد الرحمن

كاتب |فلسطيني

لا تغني فيروز، بل تستخرج من صمت الأشياء نشيدَها الخفيّ. كأنَّ صوتها لم يُخلق ليملأ فراغاً، بل ليُثبِت أنَّ هذا الفراغَ مسكونٌ بالمعنى، وأنَّ الهواءَ من حولنا مثقَلٌ بما لم يُقَل. إنها لا تمنحنا صوتاً بقدر ما تمنحنا أُذُناً ثالثةً، أذُناً لا تسمع النغم، بل تسمع ما وراء النغم: دبيبَ الذاكرة في عروق الحجر، وتنفّسَ الفجر خلف ستائر البيوت، وخطوَ الغائبين على عتبات الانتظار. في كلِّ مرَّةٍ ننصت إليها، ننصت في الحقيقة إلى جوهر أنفسنا حين تصير أنقى وأصدق.
البلاغةُ الفيروزيَّة ليست بلاغةَ الزخرف والصياغة، بل بلاغةُ التجرُّد. إنها تقشِّر الكلمةَ من تراب اللغة، لترى فيها البذرةَ الأولى التي انبثقت منها الدلالة. حين تقول "بكتب اسمك يا حبيبي"، لا تسرد اعترافاً عاطفياً، بل تخلق طقساً كونياً: الكتابةُ هنا فعلُ مقاومةٍ ضد الفناء، والاسمُ ليس حروفاً بل روحاً تُستودَع أمانةَ الخلود. كأنها تهمس لنا بأنَّ الحبَّ الحقيقيَّ لا يتحقَّق في العناق، بل في الكتابة، في الأثر الذي يبقى بعد أن تذوي الأجساد. إنها تعيد للغة

وظيفتها السحرية الأولى: التعويذة التي تحمي من العدم.
في صوتها، يذوب الزمن أو يتكثَّف، حسب إرادة المستمع. إنها لا تسير في خطٍّ زمنيّ، بل تسكن الدائرةَ الأبديَّة التي تجمع الأمس والغد في حضن “الآن” المطلق. استمع إليها في “زهرة المدائن”، فلن تجد رثاءً لمدينةٍ سقطت، بل ميلاداً لمدينةٍ روحيَّةٍ لا تسقط. ليست القدس عندها حجارةً وكنيسةً ومسجداً، بل فكرةً عن العدالة، عن الطفل الذي لم يولد بعد، عن الصلاة التي ستُرفع غداً. لقد نقلت القضية من إطار السياسة والتاريخ إلى إطار الأسطورة، حيث لا يموت الأبطال، بل يتحوَّلون إلى أناشيد. هذا هو الإعجاز: أن تصنع من الهزيمة نشيداً، ومن الرماد وعداً بالربيع.

ثمَّة صوفيةٌ عميقةٌ في أدائها، لا من حيث الموضوع، بل من حيث الجوهر. إنها تغني كما يتنسَّك المتصوِّف: تفرِّغ ذاتها ليحلَّ فيها المعنى. صوتها لا يملك، بل يُملَك؛ لا يفرض، بل يُلهم. في “يا أنا يا أنا”، لا نعرف إن كانت فيروز تتكلَّم، أم إنَّ الحياةَ كلَّها تتكلَّم على لسانها. الأنا والآخر يذوبان في وحدةٍ وجوديَّةٍ عذبة، حيث تصير المسافة بين العاشق والمعشوق سراباً جميلاً. هذه هي ذروة الدلالة: أن تغدو الأغنيةُ مرآةً نرى فيها وجهَنا الكونيَّ لا وجهَنا اليوميَّ، وأن نكتشف أنَّ حزنَنا الشخصيَّ ليس سوى موجةٍ في بحر الحزن الإنسانيِّ الشاسع.

والوطن، في قاموس فيروز، ليس تُراباً ولا رايةً، بل هو ذلك الصوت الداخليُّ الذي يقول لنا “هنا أنت آمن، هنا أنت مكتمل”. إنها لا تمتدح الأوطان، بل تخلقها من نبرة الحنين. في “راجعون”، لا تصف عودةً حدثت أو ستحدث، بل تستحضر فكرة العودة ذاتها بوصفها طبيعةً بشرية، كالتنفس والنبض. كلُّ لاجئٍ وكلُّ مشتاقٍ وكلُّ من أضاع مفتاحَ بيته القديم يجد في صوتها مفتاحاً آخر، مفتاحاً من نغم يفتح أبواب الذاكرة لا الأبواب الخشبية. إنها تمنحنا وطناً محمولاً، وطناً من هواء، لا تستطيع الحروب أن تحطِّمه.

تلك هي الجوهرةُ الدفينة في إرثها: أنها جعلت من الاستماع فعلاً خلاقاً. لسنا متلقِّين سلبيِّين حين نستمع لفيروز، بل شركاء في الخلق، لأنَّ كلَّ واحدٍ منا يبني من النغم عالَمَهُ السريَّ. في أغنياتها، الحبُّ ليس ما نعيشه، بل ما نحلم أن نعيشه. الحزن ليس ما يسحقنا، بل ما يطهِّرنا. الغياب ليس نهاية، بل صيغةٌ راقيةٌ من صيغ الوجود. إنها لم تعلِّمنا كيف نسمع الموسيقى، بل علَّمتنا كيف ننصت للحياة حين تهمس بأسرارها، وكيف نرى في القمح رمزاً للصمود، وفي الياسمين رسولاً للجمال الذي لا يموت، وفي صوت امرأةٍ من لبنان، صوتَ الأبديَّةِ وهي تبوح.

31/07/2026