عندما ينتصر الضمير الرياضي..تنتصر كرة القدم (دروس في تراجع الفيفا عن مشروع الشركة التجارية | احمد بوسكرة

 

دكتور وأستاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة المسيلة – الجزائر

أثار مقترح الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بإنشاء شركة تجارية مستقلة لإدارة الحقوق التجارية لبطولاته نقاشًا واسعًا داخل الأسرة الكروية العالمية. فقد طرح المشروع أسئلة جوهرية حول كيفية تحقيق التوازن بين تعظيم الموارد المالية والمحافظة على الرسالة الإنسانية لكرة القدم، وحول الضمانات التي تكفل بقاء القرار الرياضي مستقلًا في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الرياضي العالمي.

وقد أكدنا في مقالنا السابق أن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى حوار واسع، وإلى توافق بين مختلف مكونات كرة القدم العالمية، لأن مستقبل اللعبة مسؤولية مشتركة، ولا يمكن أن يرتبط بقرار أحادي مهما كانت أهدافه الاقتصادية.

وجاءت التطورات الأخيرة لتؤكد أهمية هذه الرؤية، بعدما تراجعت الفيفا عن المشروع إثر اتساع دائرة التحفظات التي أبدتها عدة أطراف داخل المنظومة الكروية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، الذي رفض المشروع بصورة جماعية، ودعا إلى حماية استقلالية القرار الرياضي، مؤكدًا أن كأس العالم يمثل إرثًا رياضيًا عالميًا ينبغي أن يبقى في خدمة كرة القدم ومبادئها. كما شدد على ضرورة أن تسبق أي إصلاحات كبرى مشاورات حقيقية مع الاتحادات الوطنية وجميع الأطراف المعنية.

ولم تتوقف ردود الفعل عند الاتحادات الرياضية، بل امتدت إلى عدد من القادة السياسيين، ووسائل الإعلام، والرموز الرياضية، والجماهير في مختلف أنحاء العالم. كما تصاعدت الدعوات إلى التريث وفتح حوار أوسع قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بمستقبل كرة القدم، ووصلت بعض المواقف إلى التحذير من تداعيات المضي في المشروع دون توافق واسع، في حين تناولت وسائل إعلام دولية تأثير هذه الأزمة في مستقبل قيادة الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وقد عكست هذه التطورات حجم الاهتمام العالمي بالقضية، وأكدت أن أي قرار يمس مستقبل كرة القدم يحتاج إلى توافق واسع يحظى بثقة الأسرة الكروية العالمية.

هذا التراجع لم يكن مجرد تعديل في قرار إداري، بل كان رسالة واضحة تؤكد أن كرة القدم ما تزال تمتلك مناعة تحميها عندما يتعلق الأمر بقيمها ورسالتها.

وتبقى الرسالة الإنسانية لكرة القدم سر مكانتها العالمية. فهي لغة يفهمها الجميع، وجسر يجمع بين الشعوب، ويقرب بين الثقافات، وينشر قيم الاحترام، والتسامح، والتنافس الشريف.

ولهذا فإن أي مشروع يتعلق بمستقبلها يكتسب قيمته عندما يحافظ على هذه الرسالة، ويجعل التطور الاقتصادي وسيلة لخدمة الرياضة والإنسان.

لقد أكدت هذه القضية أن الضمير المهني الرياضي ما يزال حاضرًا داخل منظومة كرة القدم العالمية. وعندما يتحرك هذا الضمير، تتقدم الحكمة على المصالح الضيقة، ويقود الحوار إلى تصحيح المسار، وتبقى مصلحة كرة القدم فوق كل اعتبار.

ومنذ نشأتها، نجحت كرة القدم في جمع الشعوب أكثر من أي لعبة أخرى، وأصبحت لغة عالمية يتشاركها الجميع مهما اختلفت ثقافاتهم أو لغاتهم. وستبقى كذلك ما دامت قيمها الإنسانية حاضرة في كل قرار، وما دام التطور الاقتصادي يسير في خدمة الرياضة، والرياضة في خدمة الإنسان.

وعندما ينتصر الضمير الرياضي… تنتصر كرة القدم.