
العقوق الصامت |طاهرة الشامسي
كاتبة |عمانية
ليس كل عقوقٍ يُسمع صوته، ولا كل جفاءٍ تُعلن عنه الكلمات. فهناك نوعٌ أشد قسوة، وأعمق وجعًا، لا يترك خلفه صراخًا ولا خصامًا، بل يترك قلوبًا تتآكل بصمت، وعيونًا تنتظر، وأرواحًا تموت كل يومٍ ألف مرة. إنه العقوق الصامت … ذلك الذي لا يُرى في المحاكم، ولا تتناقله المجالس، لكنه محفورٌ في قلوب الآباء والأمهات كجرحٍ لا يندمل.
العقوق الصامت هو أن يكون الأبوان على قيد الحياة، لكنهما يعيشان وكأن أبناءهما قد غابوا عنهما. هو أن يمتلئ الهاتف بأسماء كثيرة، إلا أن الإسم الذي ينتظرانه لا يضيء الشاشة. هو أن تمر الأيام والأسابيع وربما الأشهر، دون سؤالٍ صادق، أو زيارةٍ دافئة، أو كلمةٍ تزرع الطمأنينة في قلبين أفنيا العمر في سبيل من أصبح اليوم مشغولًا عنهما.
ليس العقوق أن يرفع الابن صوته فقط، بل أن يخفض اهتمامه. ليس أن يسيء بلسانه فحسب، بل أن يبخل بوقته. فكم من أمٍ لا تحتاج مالًا، وإنما تحتاج أن تسمع: (كيف حالك يا أمي؟) وكم من أبٍ لا ينتظر هديةً ثمينة، وإنما ينتظر أن يشعر بأن أبناءه ما زالوا يرونه السند والبركة، لا عبئًا على جدول أعمالهم.
العقوق الصامت يبدأ حين تتحول الأولويات، فيصبح لكل شيءٍ وقت، إلا الوالدان. نجد ساعاتٍ طويلة تُهدر في تصفح الهواتف، ومجالس تمتد مع الأصدقاء، ورحلاتٍ لا تنتهي، لكن حين يتعلق الأمر بزيارة الأم أو الجلوس مع الأب، يصبح الوقت ضيقًا، والظروف قاسية، والانشغالات لا تنتهي.
والمؤلم أن بعض الأبناء يظنون أنهم بارون، لأنهم يرسلون مبلغًا ماليًا كل شهر، أو يلبون احتياجات المنزل، وينسون أن القلوب لا تُشترى بالمال، وأن الحنان لا يُعوضه الرصيد البنكي، وأن الابتسامة التي يرسمها حضور الابن لا تستطيع الدنيا كلها أن تصنع مثلها. الأبوان حين يكبران، يعودان طفلين في حاجتهما للمشاعر. يفرحان بالزيارة كما يفرح الطفل بالعيد، وينتظران المكالمة كما ينتظر العطشان قطرة ماء. وربما يبتسمان أمام الناس، لكنهما حين يغلق الباب، يتحدث كل منهما للآخر عن غياب أبنائه، ويبحثان لهما عن الأعذار، رغم أن قلبيهما يعرفان الحقيقة.
ومن أقسى صور العقوق الصامت أن يجلس الأب أو الأم في مناسبةٍ عائلية، يراقبان أبناء الآخرين وهم يلتفون حول والديهم، بينما يلتفتان فلا يجدان أحدًا. لا يقولان شيئًا، لكن الصمت يومها يكون أبلغ من ألف كلمة، والدمعة التي تُحبس في العين تكون أصدق من كل العبارات.
العقوق الصامت لا يقتل الوالدين مرةً واحدة، بل يقتلهما بالتقسيط. كل موعدٍ مؤجل، وكل زيارةٍ أُلغيت، وكل رسالةٍ لم تُرسل، وكل اتصالٍ تأخر، هو وخزةٌ جديدة في قلبٍ لا يريد من الدنيا إلا أن يشعر بأنه ما زال يسكن ذاكرة أبنائه.
والأعجب أن بعض الأبناء لا ينتبهون إلى هذا العقوق إلا بعد الرحيل. حين يدخلون بيتًا خاليًا، أو يرون كرسيًا لم يعد يجلس عليه أحد، أو يسمعون تسجيلًا لصوت أمهم، أو يجدون عباءة أبيهم معلقةً في مكانها. عندها فقط يبدأ الندم، لكن الندم لا يعيد صوتًا انطفأ، ولا يدًا غابت، ولا بابًا أُغلق إلى الأبد.
إن البر ليس موسمًا، ولا مناسبةً اجتماعية، ولا صورةً تُنشر في يوم الأم أو يوم الأب. البر حياةٌ كاملة، تبدأ بابتسامة، وتكبر بكلمةٍ طيبة، وتستمر بدعاء، واهتمام، وزيارة، وصبر، وإحسان، حتى آخر لحظة. فلنسأل أنفسنا بصدق: متى كانت آخر مرة جلسنا فيها مع والدينا دون استعجال؟ متى سألناهما عن أحلامهما، عن آلامهما، عن وحدتهما؟ متى قبلنا رأسيهما امتنانًا، لا عادةً؟ ومتى شعر كل واحدٍ منهما أن وجوده في حياتنا نعمةٌ لا يمكن أن يعوضها شيء؟
الحياة تمضي أسرع مما نظن، والأعمار لا تنتظر أحدًا. واليوم الذي نؤجل فيه زيارة والدينا، قد يكون هو اليوم الذي لن يمنحنا القدر فرصةً أخرى بعده. فلا تؤجلوا البر، ولا تؤخروا الحنان، ولا تجعلوا الانشغال عذرًا، فإن أكثر ما يؤلم القلوب ليس قسوة الكلام، بل برودة المشاعر.
احذروا العقوق الصامت، فهو لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يهدم أجمل البيوت من الداخل. ولا يترك آثارًا على الجسد، لكنه يترك ندوبًا عميقةً في الأرواح. وما أجمل أن يكون الإنسان سببًا في ابتسامة والديه، قبل أن يصبح كل ما يملكه منهما ذكرى، ودعاء، وحنينًا لا ينتهي.
ختامًا…
إذا كان للبر أبوابٌ كثيرة، فإن أولها أن يشعر الوالدان بأنهما ما زالا في قلب أبنائهما، لا على هامش حياتهم. وأن يدرك الأبناء أن أعظم استثمارٍ في هذه الدنيا ليس مالًا ولا منصبًا، بل قلب والدٍ راضٍ، ودعوة أمٍ صادقة، تفتح للإنسان أبواب الخير حيث لا يحتسب.
للتواصل مع الكاتبة
[email protected]






