حول الكتابة بمداد الروح:حين يتحول الحرف إلى ملاذ للروح وذاكرة للوجع|محمد المحسن

كاتب |تونسي

–«إن دور الكاتب لا يخلو من المهام الصعبة.ولا يستطيع أن يضع نفسه اليوم في خدمة أولئك الذين يصنعون التاريخ،فهو في خدمة أولئك الذين يعانون من التاريخ.» (ألبير كامو )

–أنكتبُ لأنفسنا أم للآخرين؟ أندافعُ بكتاباتنا عن بؤسِ العالم وبؤس الوطن أم أنَّ الأمر برمته لا يعدو كونه تسريبات لمعركة النفس الداخلية؟ (الكاتب)

لقد كان الألم،عبر تاريخ الأدب والفكر،منبعا لكثير من الأعمال التي تجاوزت أصحابها وبقيت شاهدة على قدرة الإنسان على تحويل المعاناة إلى إبداع. فلم تكن الكتابة عند كبار المبدعين مجرد وسيلة للتعبير،بل كانت حياة أخرى يعيشونها حين تضيق بهم الحياة.فـ فيودور دوستويفسكي،الروائي الروسي الكبير،لم يكتب عن أعماق النفس البشرية من موقع المتأمل فقط،بل من تجربة إنسانية قاسية عاشها بنفسه بعد اعتقاله ونفيه إلى سيبيريا.ومن رحم تلك المعاناة ولدت روايات خالدة مثل “الجريمة والعقاب” و”الإخوة كارامازوف”،حيث حوّل أسئلة الذنب والخلاص والصراع الداخلي إلى أدب لا يزال يحاور الإنسان بعد أكثر من قرن.

أما فرانز كافكا،فقد جعل من شعوره بالغربة والاختناق أمام عالم غامض مادة لأعمال بقيت رمزا للقلق الإنساني،فكانت روايته “المسخ” صورة عميقة لإنسان يشعر بأنه غريب حتى داخل محيطه،بينما كشفت روايته “المحاكمة” عن صراع الفرد أمام أنظمة غامضة تسحق روحه.

وفي الأدب الفرنسي،استطاع فيكتور هوغو أن يحول معاناة الفقراء والمهمشين إلى ملحمة إنسانية خالدة في روايته “البؤساء”،حيث جعل من شخصية جان فالجان رمزا للصراع بين قسوة المجتمع وقوة الرحمة،وبين الماضي المؤلم وإمكانية الخلاص.

وفي الأدب العربي،حمل محمود درويش جرح المنفى وفقدان الوطن،لكنه لم يحول ألمه إلى استسلام،بل إلى شعر خالد.فقد كتب قصائد مثل “سجل أنا عربي” و”أحن إلى خبز أمي”،فصار صوته الشعري ذاكرة لجيل كامل،وتحولت كلماته إلى تعبير عن الحنين والهوية والبحث عن الحرية.

أما الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي،فقد كتب وهو يصارع المرض وقصر العمر،لكنه ترك شعرا تجاوز حدود زمانه.ففي قصيدته “إرادة الحياة” جعل من الأمل قوة تواجه اليأس،وتحولت أبياته: “إذا الشعب يوما أراد الحياة،فلا بد أن يستجيب القدر” إلى نشيد للإنسان الباحث عن الانعتاق.

كما جعل نجيب محفوظ من تفاصيل الحياة اليومية فنا عظيما،فخلّد في أعماله مثل “الثلاثية” و”أولاد حارتنا” عالم الإنسان العربي بكل أحلامه وصراعاته وأسئلته،وأثبت أن الحكايات البسيطة قد تصبح أدبا عالميا حين تكتب بعمق وصدق.

وكتب غسان كنفاني عن فلسطين لا بوصفها قضية سياسية فقط،بل بوصفها جرحا إنسانيا. ففي روايته “رجال في الشمس” رسم مأساة الفلسطيني الباحث عن الخلاص،وجعل من سؤال النهاية الشهير صرخة ضد الصمت والعجز والنسيان.

ولم يكن الفكر الفلسفي بعيدا عن هذه العلاقة بين الألم والإبداع،فقد رأى فريدريك نيتشه أن الإنسان قادر على تحويل معاناته إلى قوة،وجسد هذه الفكرة في كتاباته التي دعت إلى تجاوز الضعف وصناعة المعنى.كما أكد جان بول سارتر أن الكاتب لا يعيش خارج قضايا عصره، وأن الكتابة مسؤولية تجاه الإنسان والحرية والوجود.
وهكذا لم يخلد هؤلاء لأنهم كتبوا كثيرا فقط،بل لأنهم كتبوا بدم التجربة وصدق الشعور.فقد رحل دوستويفسكي وكافكا وهوغو ودرويش والشابي ومحفوظ وكنفاني،لكن كلماتهم بقيت حية،لأنها لم تكن مجرد حروف،بل كانت أرواحا تركت آثارها في ذاكرة الإنسانية.

وفي النهاية،تبقى الكتابة ذلك الفعل النبيل الذي يحول هشاشة الإنسان إلى قوة،وصمته إلى صوت، وجراحه إلى أثر لا يزول.فالكلمات التي تخرج من أعماق التجربة لا تموت،لأنها لا تحمل حبر القلم فقط،بل تحمل نبض القلب وذاكرة العمر وصدق المعاناة.
لقد رحل كبار الكتاب والمبدعين،لكنهم ظلوا أحياء بما تركوه من كلمات تشبه الأرواح التي لا تفنى.فالكاتب الحقيقي لا يكتب لكي يهرب من الألم،بل لكي يمنحه معنى،ولا يكتب لكي يخلد اسمه فقط،بل لكي يترك نافذة مفتوحة لمن يأتي بعده بحثا عن عزاء أو حكمة أو ضوء.وحين تعجز الحياة عن إنصاف الإنسان،تأتي الكتابة لتمنحه عدالة من نوع آخر،عدالة الذاكرة،حيث يبقى الحرف شاهدا على أن روحا مرت من هنا،عاشت، تألمت،وحلمت،لكنها رفضت أن تنهزم أمام النسيان.
إن أعظم ما تمنحه الكتابة للإنسان أنها تعلمه كيف يحول ندوبه إلى جمال،وخساراته إلى دروس، ووحدته إلى حوار مع الإنسانية جمعاء.فالحرف الصادق لا يشيخ،والنص الذي يولد من أعماق الروح يملك قدرة غريبة على عبور الزمن،ليصل إلى قلوب لم تعرف صاحبه،لكنها تشعر بأنها تعرف وجعه وحلمه.