نقد على النقد سطوة المعنى وسلالة القراءة:حين يلد النقد نقده|طه دخل الله عبد الرحمن

كاتب وناقد |فلسطيني

ردي للأستاذ الدكتور عبد الكريم الحلو على ما اتحفنا به للكاتبة عاتكة الياسري ونقده وتعليقي 3-8-2026
سطوة المعنى وسلالة القراءة: حين يلد النقد نقده
لا أكتبُ هذه الكلمات من موقع الناقد الذي يردُّ على إشادةٍ عابرة، ولا من موقع الكاتب الذي تستفزُّه المجاملة فيغرقُ في لذة الثناء. أكتبُها من ذلك الفضاء النادر الذي يلتقي فيه الوعي بالوعي، وتتصافحُ فيه الرؤى كما تتصافحُ المرايا، فينعكسُ الضوءُ إلى ما لا نهاية، وتتوالدُ المعاني كما تتوالدُ الأمواجُ من رحمِ بحرٍ واحد.

حين قرأتُ ما كتبه الدكتور عبد الكريم الحلو، أدركتُ أنني لستُ أمامَ ردِّ امتنان، بل أمامَ نصٍّ نقديٍّ موازٍ، يمتلكُ أدواته، ويؤسسُ لمنهجه، ويبني رؤيته طبقةً فوق طبقة، كما تُبنى الكاتدرائياتُ حجرًا فوق حجر، وكما تُنسجُ الملاحمُ بيتًا إثرَ بيت. لقد كتبَ الرجلُ قراءةً في القراءة، ونقدًا في النقد، ورؤيةً في الرؤية، مؤسسًا بذلك لما يمكنُ أن نسميه “أركيولوجيا النقد”؛ أي ذلك الحفرُ العميقُ في طبقاتِ القراءةِ نفسها، لا ليكشفَ عن المعنى وحده، بل ليكشفَ عن آلياتِ إنتاجِ المعنى، وعن مساراتِ الوعي التي قادتْ إلى ذلك الإنتاج.

والمدهشُ في نصِّ الدكتور الحلو أنه لم يقفْ عند حدودِ التحليلِ المنهجيِّ البارد، ولم يستسلمْ لسطحِ الانطباعِ العاطفيِّ العابر، بل صنعَ جدليةً نادرةً بين ذاتِ القارئ وموضوعِ المقروء، بين نبضِ القلبِ وصرامةِ المنهج، بين ما يهزُّ الوجدانَ وما يستنطقُ العقل. وحين قال عبارته البليغة: “إن الناقد ليس آلةً لقياس النصوص، كما أنه ليس عاشقًا يفقد بصيرته أمام ما يحب”، كان يلخصُ فلسفةً كاملةً في النقد، ويضعُ يده على الجرحِ العميقِ الذي تعاني منه الساحةُ النقديةُ العربية: ذلك التمزقُ بين جفافِ الأكاديميا وضبابيةِ الانطباعية، بين تنظيرٍ لا يلامسُ النصوصَ وانفعالٍ لا يضبطه منطق.

لقد التقطَ الدكتور الحلو – بوعيٍ مبهر – تلك الخيوطَ الخفيةَ التي نسجتُ منها قراءتي لنصِّ الأديبة عاتكة الياسري: الخيطَ الفلسفيَّ الذي يربطُ الحبَّ بالسؤالِ الوجودي، والخيطَ السيميائيَّ الذي يفككُ العلاماتِ ويربطُها ببنيةِ الوعي، والخيطَ السرديَّ الذي يتتبعُ الإيقاعَ النفسيَّ بدلًا من الحبكةِ التقليدية. ولم يكتفِ بالتقاطِ هذه الخيوط، بل أعادَ نسجَها في نصِّه هو، مضيفًا إليها خيطًا رابعًا هو خيطُ الوعي النقديِّ الذاتي، أي وعيُ الناقد بنفسه وهو يقرأ، ومراقبتُه لذاته وهو يحلل، ومساءلتُه لأدواته وهو يمارسُ النقد. وهذا تحديدًا ما يجعلُ نصَّه يدخلُ في دائرة “ميتا النقد” من أوسعِ أبوابها.

ثم إن هناك بعدًا آخر في نصِّ الدكتور الحلو لا يمكنُ إغفاله، وهو تلك النبرةُ الأخلاقيةُ الرفيعةُ التي صاغَ بها حواره مع قراءتي. فهو لم يسعَ إلى مصادرةِ التأويل، ولم يحاولْ فرضَ رؤيةٍ بديلة، بل فتحَ الأفقَ أمامَ احتمالاتٍ لا نهائيةٍ من القراءة، وكأنه يقولُ لنا: إن النصَّ العظيمَ هو الذي يظلُّ مفتوحًا على التأويل، والقراءةَ الجادةَ هي التي تستدعي قراءةً أخرى، والنقدَ الحقيقيَّ هو الذي لا يضعُ نقطةً في نهايةِ السطر، بل يتركُ البابَ مواربًا للريحِ والضوءِ والتأمل.

ولعلَّ أعمقَ ما في رده هو اعترافه – الضمنيَّ والصريح – بأن القراءةَ النقديةَ الجادةَ تصبحُ بدورها نصًّا يستحقُّ أن يُقرأ، وأثرًا فكريًّا يبقى في ذاكرةِ الثقافة. وهذا الاعترافُ ينقلُ النقدَ من هامشِ الإبداع إلى قلبه، ومن موقعِ التابعِ إلى موقعِ الشريك، ومن وظيفةِ الشرحِ إلى وظيفةِ الإنتاج. فالناقدُ في هذا التصور ليس ظلًّا للمبدع، بل هو مبدعٌ آخر، يخلقُ من النصِّ نصًّا جديدًا، ويستولدُ من المعنى معنىً آخر، ويفتحُ من السؤالِ الواحدِ أسئلةً متعددة.

إن ما صنعه الدكتور عبد الكريم الحلو مع قراءتي يشبه – إلى حدٍّ بعيد – ما تصنعه الموسيقى العظيمة حين تُعزفُ بأصابعَ مختلفة: يظلُّ اللحنُ واحدًا، لكنَّ الروحَ تتجدد، والمعنى يتسع، والإحساسَ يتضاعف. لقد أعادَ عزفَ قراءتي بأصابعه هو، فخرجَ اللحنُ مألوفًا وغريبًا في آن، قريبًا وبعيدًا في الوقتِ ذاته، شبيهاً بالأصلِ ومفارقًا له في اللحظةِ عينها.

وفي زمنٍ توشكُ فيه الكتابةُ النقديةُ العربيةُ أن تفقدَ بوصلتها بين جفافِ المنهجِ وضبابيةِ الانطباع، يأتي نصُّ الدكتور الحلو ليكونَ شهادةً على أن النقدَ الأدبيَّ يمكنُ أن يكونَ إبداعًا خالصًا، وفعلَ وعيٍ حاد، وممارسةً فكريةً راقية، وحوارًا إنسانيًّا نبيلًا في آنٍ معًا. إنه نصٌّ يذكرنا – ونحن في خضمِّ الانحدارِ النقديِّ الذي نعيشه – بأن النقدَ كان يومًا فنًّا، وما زال يمكنُ أن يكون

وختامًا، فإنني إذ أتلقى هذه الشهادةَ النقديةَ الرفيعةَ من الدكتور عبد الكريم الحلو، لا أتلقاها بوصفها تتويجًا لجهدي، بل بوصفها تكليفًا وتشريفًا في آن. تكليفًا بأن أواصلَ السيرَ في هذا الدربِ الوعر، دربِ النقدِ الذي لا يهادِنُ ولا يجامل، وتشريفًا بأن يقرأني ناقدٌ بمثلِ قامته ورهافةِ حسِّه وعمقِ رؤيته.
فلتبقَ أقلامُنا – كما قال هو بحقٍّ وجمال – مناراتٍ تهدي الباحثين إلى قيمة السؤال قبل الاطمئنان إلى الجواب، وإلى جمال الحوار قبل وهم اليقين، “لأن الثقافة الحية لا تبنى بالأصوات المتشابهة، وإنما بالعقول التي تحسن الإصغاء كما تحسن القول”.
طه دخل الله عبد الرحمن
3/08/2026
********************
وتستمر حكاية عاتكه الياسري
الان الناقد العربي الكبير طه عبدالرحمن
يتناول قراءتي النقدية لقصة الاديبة عاتكه الياسري ” حين عاد الحب غريباً ” بطريقة نقد النقد
باسلوب ” ميتا النقد “وباسلوب حديث ومختلف .
حين يصبح النقد مرآة النص وضمير القارئ:
قراءة في قراءة الدكتور عبد الكريم الحلو
لنص “حين عاد الحب غريبًا”
الاديبة والروائية عاتكه الياسري
ما أندر تلك اللحظات التي يتحول فيها النقد من ممارسة تحليلية باردة إلى فعل موازٍ للكتابة الإبداعية نفسها.
لحظات يصبح الناقد فيها شريكًا في النص لا مجرد قاضٍ عليه، ومرافقًا للحكاية لا مجرد مشرّح لها.
وهذا بالضبط ما صنعه
الدكتور عبد الكريم الحلو
في قراءته النقدية لقصة
الأديبة عاتكة الياسري
“حين عاد الحب غريبًا”،
إذ لم يكتب عن النص فحسب، بل كتب من داخل النص، متخذًا من لغة السرد التي امتلكتها الكاتبة مدخلًا إلى لغة نقدية تضاهيها شفافيةً وعمقًا.
منذ اللحظة الأولى :
التي يفتتح فيها الناقد قراءته بعبارة :
” لا أدري… كيف امتدَّت يدُ هذه القصة
إلى قلبي قبل أن تمتدَّ إلى عيني”،
ندرك أننا أمام قراءة من طراز مختلف.
إنها قراءة لا تخفي انحيازها العاطفي للنص،
لكنها تحوّل هذا الانحياز إلى أداة كشف
لا إلى إعاقة موضوعية.
وهذا تحديدًا ما يجعلها قراءة نقدية أصيلة؛ لأن الموضوعية الحقيقية في النقد الأدبي
لا تعني غياب العاطفة، بل تعني تحويل العاطفة إلى طاقة تحليلية قادرة على اختراق سطح النص والوصول إلى أعماقه.
لقد توزعت قراءة الدكتور الحلو بين مستويات متعددة، يبدأ أولها بالمستوى الفلسفي.
فقد التقط الناقد بحساسية بالغة الجملة المركزية في النص:
” ربما لم تكن هذه الحكاية عن رجل أحب أكثر مما ينبغي… بل عن الفرق بين أن نحب إنسانًا، وأن يكون لنا مكان في حياته”،
وأقام عليها بنيانًا تحليليًا متكاملًا يربط بين فلسفة الحب وفلسفة الأخلاق.
وهذا تحديدًا من أعمق ما في هذه القراءة؛ أنها لم تتعامل مع النص بوصفه حكاية حب مؤجل، بل ارتقت به إلى مستوى السؤال الوجودي حول حدود الذات وحدود الآخر، وحول المسؤولية الأخلاقية للمشاعر.
وهذا الانتقال من الأفقي إلى العمودي، ومن السطحي إلى الجوهري، هو جوهر الممارسة النقدية الحقة.
أما في المستوى السردي،
فقد أبدى الدكتور الحلو فهمًا عميقًا لآليات بناء القصة النفسية. وقد كان تنبيهه إلى أن النص لا يعتمد على الحبكة التقليدية بل على الإيقاع النفسي، من أدق الملاحظات النقدية في هذه القراءة.
فالقصة النفسية بطبيعتها تراهن على الداخل لا على الخارج،
وتجعل من الصراع الداخلي بديلاً عن الصراع الدرامي التقليدي.
والناقد هنا لم يكتفِ بتوصيف هذا البناء، بل ذهب إلى تفسير جمالياته وأسباب تأثيره في المتلقي.
واللافت في هذه القراءة أيضًا :
هو تعاملها مع الشخصيات.
فالدكتور الحلو لم يسقط في الفخ الأخلاقي المعهود في قراءة نصوص الحب غير المتبادل؛ لم يدن الرجل ولم يبرئه، ولم يمتدح المرأة ولم ينتقدها.
بل تعامل مع كليهما بوصفهما ضحيتين للزمن لا خصمين لبعضهما.
وهذه النظرة المتوازنة تعكس نضجًا نقديًا حقيقيًا، لأن النقد الأدبي ليس محكمة أخلاقية، بل هو محاولة لفهم تعقيد النفس البشرية كما يجسدها الأدب.
ثم يأتي المستوى السيميائي في هذه القراءة ليكشف عن قدرة الناقد على تفكيك أنظمة العلامات والدلالات التي بنت عليها الكاتبة عالمها القصصي.
وقد كان تحليله لثنائية الحضور والغياب، وتحويله الرسائل والذاكرة والمكان إلى علامات دالة، من أمتع أجزاء هذه القراءة.
فالسيميائيات هنا لم تكن استعراضًا أكاديميًا جافًا، بل كانت استكشافًا لطبقات المعنى المخبأة تحت سطح السرد.
وحين يقول الناقد إن الحبيبة غائبة جسديًا لكنها حاضرة في الوعي، فهو لا يصف حالة سردية فحسب، بل يقدم مفتاحًا لتأويل النص برمته.
غير أن أعمق ما في هذه القراءة،
في تقديري، هو انتباه الناقد إلى ما أسماه “سيميائية التحول الداخلي”،
أي انتقال الشخصية من الرغبة في الامتلاك إلى القبول بحرية الآخر. هذه النقلة من الأنانية العاطفية إلى الأخلاق الإنسانية
هي بالفعل ما يمنح النص قيمته الكبرى.
والناقد هنا لا يكتفي بالإشارة إليها، بل يبني حولها تأويلاً فلسفيًا متكاملاً يربط الحب بالحرية، والمشاعر بالمسؤولية.
وفي قراءته للغة الكاتبة،
كان الدكتور الحلو دقيقًا ومقتصدًا، مثلما كانت الكاتبة نفسها دقيقة ومقتصدة.
لقد وصفها بأنها
“لغة شفافة، متقشفة، لا تتكلف البلاغة، لكنها تصنع شعريتها من صدق الإحساس”.
وهذا الوصف في حد ذاته قطعة نقدية مكتملة، لأنه يربط بين جماليات اللغة وصدق التجربة الإنسانية التي تنقلها.
لعل أكثر ما يثير الإعجاب :
في هذه القراءة هو تلك المساحة الشخصية التي منحها الناقد لنفسه في المقدمة وفي الخاتمة.
إنه لا يخفي أن النص مسّه في مكان ما، وأنه وجد فيه شيئًا من نفسه.
وهذا الاعتراف النقدي النادر يمنح القراءة مصداقية لا يمكن أن تمنحها المسافة الأكاديمية الباردة.
فالناقد هنا لا يتحدث من برج عاجي، بل من قلب قارئ يعرف أن الأدب الحقيقي هو الذي يجد في قارئه وجعًا قديمًا يشبه وجع أبطاله.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في هذه القراءة:
إنها تبدأ من الذات لكنها لا تنتهي عندها، بل ترتد إلى النص لتكشف عن أبعاده.
إنها قراءة تعترف بانحيازها العاطفي، لكنها في الوقت نفسه تقدم تحليلاً منهجيًا دقيقًا للبناء السردي والسيميائي والفلسفي للنص.
وهذا التوازن بين الذاتي والموضوعي،
بين العاطفة والتحليل، هو من أصعب
ما يواجه الناقد الأدبي.
والواقع أن هذه القراءة تذكرنا بأن النقد الأدبي في أرقى تجلياته ليس مجرد وصف وتصنيف، بل هو حوار بين وعيين:
وعي الكاتب الذي أنتج النص،
ووعي الناقد الذي يعيد إنتاجه عبر القراءة.
والنص الحقيقي هو الذي يتسع لقراءات متعددة، تمامًا كما أن الناقد الحقيقي هو الذي يعرف كيف يضيف إلى النص دون أن يستولي عليه، وكيف يكشف عن معانيه دون أن يفرض معانيه الخاصة.
إن ما فعله الدكتور عبد الكريم الحلو في هذه القراءة هو أنه أعاد الاعتبار للنقد الأدبي بوصفه ممارسة إبداعية لا تقل قيمة عن الكتابة الإبداعية نفسها.
فهو لم يكتب دراسة أكاديمية جافة، ولا انطباعات عاطفية ساذجة، بل كتب نصًا نقديًا متكاملاً يزاوج بين رهافة الإحساس وصلابة المنهج.
وقد كان محقًا حين اختتم قراءته بعبارة:
“ولعل أجمل ما تعلمته من هذه الرحلة أن بعض القصص لا نقرأها… بل تعيد قراءتنا.”
فهذه العبارة لا تنطبق على قصة عاتكة الياسري وحدها، بل تنطبق أيضًا على هذه القراءة النقدية العميقة التي تدفعنا إلى إعادة قراءة أنفسنا وعلاقاتنا ومشاعرنا.
في زمن كثر فيه الكلام وقلّ فيه العمق، وفي زمن تحولت فيه الكتابة النقدية إلى استعراض منهجي أو انطباعات سطحية، تأتي قراءة الدكتور الحلو لتذكرنا بما يمكن أن يكون عليه النقد الأدبي:
مرآة يرى فيها النص نفسه،
وضميرًا يرى فيه القارئ نفسه،
وفعل إبداع يضاهي في جماله
النص الذي يتناوله.
الناقد العربي الكبير
طه دخل الله عبد الرحمن
Atika Alyasiri إطلاعكم مع التحية
https://www.facebook.com/share/p/19NcFocLFf/?mibextid=wwXIfr
ــــــــــــــــــــــــ
الأستاذ الناقد العربي الكبير
طه دخل الله عبد الرحمن
أقف أمام قراءتكم وقفة امتنانٍ لا تشبه المجاملة، لأن ما كتبتموه لم يكن تعليقًا على قراءة نقدية،
بل كان ممارسةً نقديةً من مستوى آخر، ارتقت إلى ما يُعرف اليوم بـ “ميتا النقد”؛ ذلك الحقل الذي لا يكتفي بقراءة النص، بل يقرأ آليات القراءة نفسها، ويختبر مناهجها، ويكشف مساراتها، ويعيد مساءلتها من الداخل.
لقد منحتم قراءتي شرفًا كبيرًا حين جعلتموها موضوعًا لقراءة نقدية مستقلة،
وهذا في تقديري مسؤولية قبل أن يكون تكريمًا،
لأن الناقد عندما يصبح هو نفسه موضوعًا للنقد، يجد نفسه أمام مرآة أكثر صفاءً، تكشف له ما لم يكن يراه، وتضيء له مناطق لم يكن قد التفت إليها.
لقد قرأتُ كلماتكم أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أكتشف أنكم لم تكونوا بصدد الإشادة بشخص، وإنما كنتم تؤسسون لحوار معرفي راقٍ بين رؤيتين؛ رؤية النص كما كتبته الأديبة المبدعة عاتكة الياسري، ورؤية النقد كما حاولتُ أن أقرأ بها ذلك النص، ثم جاءت رؤيتكم الثالثة لتمنح هذا الحوار بعدًا جديدًا، فغدت العلاقة بين النص والنقد و”نقد النقد” علاقةً جدليةً تتجاوز حدود التلقي التقليدي إلى فضاء إنتاج المعرفة.
لقد سرّني كثيرًا أنكم التقطتم الخيط الفلسفي الذي حاولتُ أن أنسجه داخل القراءة، لأنني ما آمنت يومًا أن الأدب يُقرأ بمعزل عن أسئلته الوجودية، ولا أن النقد الحقيقي يقتصر على تفكيك البنية اللغوية أو السردية، بل كنت وما زلت أرى أن النص العظيم هو الذي يوقظ الأسئلة أكثر مما يمنح الأجوبة، وأن الناقد ليس من يشرح النص، بل من يساعد النص على أن يواصل طرح أسئلته على القارئ.
إن إشارتكم إلى التوازن بين الذاتية والموضوعية، وبين العاطفة والمنهج، كانت من أكثر المواضع التي استوقفتني؛ لأنني أؤمن أن الناقد ليس آلةً لقياس النصوص، كما أنه ليس عاشقًا يفقد بصيرته أمام ما يحب.
إن النقد في جوهره فعلُ وعيٍ، لكنه وعيٌ لا يخجل من إنسانيته، ولا يخفي أثر الجمال فيه. فالحياد في الأدب ليس غياب الشعور، بل القدرة على تهذيب الشعور ليصبح أداةً للفهم لا حجابًا دونه.
لقد أسعدني أيضًا أنكم لم تكتفوا بمناقشة النتائج التي انتهت إليها القراءة، بل ناقشتم طرائق الوصول إليها، وهو ما يمنح عملكم قيمته العلمية والفكرية.
فالنقد الذي يراقب النقد، إنما يرسخ ثقافة المراجعة، ويؤكد أن المعرفة الأدبية لا تنمو إلا بالحوار، ولا تتطور إلا بتعدد الرؤى، ولا تزدهر إلا عندما تصبح كل قراءة قابلة لأن تُقرأ من جديد.
ولعل أجمل ما لمسته في دراستكم أنها لم تسعَ إلى مصادرة القراءة، ولا إلى فرض تأويل بديل، وإنما فتحت أمامها أفقًا أوسع،
وكأنكم تقولون إن النصوص الكبيرة لا تنتهي عند قراءة واحدة، وإن القراءة الجيدة هي التي تستدعي قراءة أخرى، ثم ثالثة، حتى يصبح الأدب سلسلةً من الحوارات المتصلة بين العقول والقلوب.
إن هذا اللون من الكتابة النقدية الرفيعة يعيد إلى النقد الأدبي مكانته التي يستحقها؛ بوصفه شريكًا للإبداع، لا تابعًا له، وبوصفه منتجًا للمعنى، لا مجرد شارحٍ له.
فحين يبلغ النقد هذه الدرجة من العمق، يتحول هو الآخر إلى نصٍ جدير بالقراءة، وإلى أثرٍ فكري يبقى حاضرًا في ذاكرة الثقافة.
وأود أن أؤكد، بكل صدق، أن هذا التقدير الذي أوليتموني إياه أعدّه وسامًا أعتز به، لا لأنه جاء في حق شخصي، وإنما لأنه جاء من ناقد يمتلك أدواته، ويكتب من موقع المعرفة والخبرة، ويؤمن بأن الثقافة العربية لا تنهض إلا بالحوار النقدي الرصين، البعيد عن المجاملة، والقريب من الحقيقة.
فلكم مني خالص الشكر، وعظيم الامتنان، وصادق التقدير، على هذا الجهد الفكري الرفيع، وعلى هذه الروح العلمية التي جعلت من الاختلاف مساحةً للإثراء، ومن القراءة بابًا لقراءة أخرى، ومن النقد جسرًا يصل بين النصوص والعقول.
أسأل الله أن يبارك في قلمكم، وأن يمدكم بصفاء الرؤية، وأن تبقى كتاباتكم مناراتٍ تهدي الباحثين إلى قيمة السؤال قبل الاطمئنان إلى الجواب، وإلى جمال الحوار قبل وهم اليقين، لأن الثقافة الحية لا تبنى بالأصوات المتشابهة، وإنما بالعقول التي تحسن الإصغاء كما تحسن القول.
مع خالص تقديري واحترامي لشخصكم الكريم، واعتزازي الكبير بهذه الشهادة النقدية التي ستبقى محل فخر وامتنان.
د. عبدالكريم الحلو