
قراءة في قراءة(مهيار بين الله والطوفان لأدونيس| بين ادونيس وعبد الكريم الحلو)| الدكتور فضيل حاج بن عدة
استاذ وناقد أكاديمي،|المغرب
مُعَلَّقَةُ العَدَمِ الَّذِي يَلِدُ
المُعَلَّقَةُ: بِقَافِيَةِ الرَّاءِ
أَلَا انْظُرُوا لِلْكَلِمِ كَيْفَ تَفَجَّرَتْ نَارَا
وَكَيْفَ صَارَتْ مِنْ رَمَادِ الصَّمْتِ أَنْهَارَا
جِئْتُ أَهُزُّ التَّارِيخَ مِنْ جُذُورِهِ هَزَّا
حَتَّى تَسَاقَطَ وَرَقُهُ وَأَزْهَرَ الثِّمَارَا
لَسْتُ نَاقِداً… أَنَا زِلْزَالٌ يَمُرُّ بِصَدْرِكُمْ
يَشُقُّكُمْ نِصْفَيْنِ… ثُمَّ يَبْنِيكُمْ أَحْرَارَا
قَالَ الحُلْوُ: مَهْيَارٌ لَيْسَ اسْماً فِي الدَّفَاتِرْ
مَهْيَارُ سُؤَالٌ يَمْشِي فِي عُرُوقِ الأَقْدَارْ
“نَمُوتُ إِنْ لَمْ نَخْلُقِ الآلِهَةَ” فَتَهَاوَتْ الأَسْتَارْ
لَيْسَ مَوْتَ اللهِ… بَلْ مَوْتَ الصَّنَمْ وَالأَحْجَارْ
مَهْيَارُ إِنْسَانٌ بَعْدَ الطُّوفَانِ يَبْحَثُ عَنْ يَدِهِ
فَوَجَدَهَا تَخُطُّ عَلَى المَاءِ: “كُنْ” فَصَارَ المُخْتَارْ
اللُّغَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ حِبْراً عَلَى القَرَاطِيسْ
اللُّغَةُ جُرْحٌ… كُلَّمَا نَزَفَتْ أَنْجَبَتْ أَقْمَارْ
وَقَالَ طَه: مَهْيَارُ مِرْآةٌ لِمَنْ ضَاعُوا فِي الدُّجَى
الحُرِّيَّةُ تُنْتَزَعُ… مِنَ الدَّمِ… مِنَ الحَرْفِ المُحْتَضَرْ
وَأَقُولُ أَنَا: قِفُوا عَلَى الحَرْفِ وَتَأَمَّلُوا الأَسْرَارْ
نُونُ “نَمُوتُ” نَفَسٌ… وَقَافُ “نَقْتُلِ” سَيْفُ الانْهِدَارْ
أَدُونِيسُ جَاءَ لِيَسْأَلَ: مَا الإِنْسَانْ؟
فَصَارَ الشِّعْرُ سُؤَالاً… وَصَارَ السُّؤَالُ إِعْصَارْ
فَإِنْ قَرَأْتَ وَاحْتَرَقْتَ… فَقَدْ بَدَأْتَ المِشْوَارْ
قُمْ… فَالآلِهَةُ سَقَطَتْ… وَالكَلِمَةُ صَارَتْ نَارْ
—
النَّصُّ الأَصْلِيُّ الكَامِلُ
العَدَمُ الَّذِي يَلِدُ: قِرَاءَةٌ فِي قِرَاءَةٍ – مَهْيَارُ بَيْنَ اللهِ وَالطُّوفَانِ
بِقَلَمِ: طَه دَخَلِ اللهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
البَعْنَة == الجَلِيل 14/08/2026
مقدمة: في النقد بوصفه طقساً للولادة
ليس ثمة ما هو أقسى على الكلمة من أن تُقرأ قراءةً تسجنها في معناها الأول. وليس ثمة ما هو أرحم بها من ناقدٍ يعرف أن النص العظيم لا يُمنح دفعةً واحدة، بل يُفتتح كما تُفتتح الأرض للحرث؛ جرحاً في البداية، ثم خصباً في النهاية. والناقد الدكتور عبد الكريم الحلو، وهو يدخل إلى «أغاني مهيار الدمشقي»، لا يدخل إليها بوصفها أرضاً مكتشفة، بل بوصفها أرضاً لم تكشف بعد. إنه يدرك أن مهيار، ذلك الكائن الشعري الغريب، ليس شخصيةً تنتمي إلى زمنٍ مضى، بل هو سؤالٌ ينتمي إلى كل زمن. ومهيار، في قراءة الحلو، لا يقف عند حدود القصيدة، بل يتجاوزها إلى حيث يقف الإنسان وحده أمام مرآته الكبرى: مرآة لا تعكس ما هو كائن، بل ما يمكن أن يكون. إن هذه الدراسة النقدية ليست مجرد تحليلٍ لديوان، بل هي مغامرةٌ فكريةٌ تبحث فيما وراء اللغة عن سرّ اللغة، وفيما خلف الصورة عن أصل الصورة. إنها تمارس، بوعيٍ أو بحدس، ما يمكن تسميته بالنقد الوجودي: نقداً لا يكتفي بالوصف والتفسير، بل يعيش التجربة الشعرية من داخلها، ويشارك الشاعر قلقه وسؤاله، ويخوض معه رحلة الموت والولادة، ويرفض أن يكون متفرجاً في مسرح الوجود. ولذلك، فإن كل قارئٍ لهذه الدراسة سيجد نفسه، منذ الصفحات الأولى، أمام قراءةٍ من نوعٍ مختلف: قراءةٍ تريد أن تفهم كي تعيش، وتعيش كي تفهم. ولعل أجمل ما في هذه الدراسة أنها لا تخشى الموت؛ إنها تبدأ من موت الإله لتصل إلى ولادة الإنسان، وتجعل من الخراب شرطاً للبناء، ومن الضياع طريقاً إلى الوضوح. وهذا تحديداً ما يجعلها دراسةً كبرى: إنها لا تدور حول معنى النص، بل تسكن داخل حركته، وتصبح هي نفسها جزءاً من السؤال الذي يطرحه أدونيس: كيف يمكن للكلمة أن تعيد خلق العالم؟ وكيف يمكن للإنسان، بعد أن فقد كل شيء، أن يجد في هذا الفقد نفسه طاقةً للولادة؟
تمهيد لا بد منه: في النقد بوصفه مغامرةً وجودية
حين يُقدم ناقدٌ كبير على مقاربة نصٍّ شعريٍّ تأسيسيٍّ مثل «أغاني مهيار الدمشقي»، فهو لا يمارس فعل القراءة بالمعنى التقليدي، بل يمارس فعل الوجود داخل اللغة. والناقد الدكتور عبد الكريم الحلو يدرك، منذ اللحظة الأولى، أن هذه المواجهة ليست مواجهةً بين ناقدٍ وديوان، بل هي مواجهةٌ بين وعيٍ نقديٍّ يريد أن يفهم، ونصٍّ شعريٍّ يرفض أن يُفهم بسهولة. ولعل أصدق تعبيرٍ عن هذا الوعي هو ما سجله الحلو من كلمات أدونيس حين قال له: «كن حراً على نحو كامل». فهذه العبارة، في سياقها العميق، ليست إذناً أخلاقياً، بل هي شرطٌ منهجيٌّ يختزل فلسفة النقد برمتها: ألا يقرأ الناقد النص من داخل أسواره، وألا يقف خارجه موقف المتفرج، بل أن يقيم في المسافة الحرجة بين الداخل والخارج، حيث يتكوّن المعنى في حركةٍ مستمرةٍ من الاقتراب والنفور، من الفهم وسوء الفهم الخلّاق، من الإعجاب والقطيعة المؤقتة. إن هذه الدراسة لا تتعامل مع «أغاني مهيار الدمشقي» بوصفها أثراً مكتملاً، بل بوصفها مختبراً شعرياً ما تزال تفاعلاته مستمرةً في الوعي العربي. ومن هنا فإن الناقد لا يبحث عن «معنى» النص، بل عن «حركة» المعنى فيه. إنه يريد أن يعرف كيف يتحرك مهيار بين الموت والولادة، بين الإله والإنسان، بين الأسطورة والتاريخ، بين اللغة والصمت. وهذه الحركة ليست حركةً خطيةً يمكن تتبعها، بل هي حركةٌ دوّاميةٌ تمتص القارئ إلى عمقٍ يرفض الطمأنينة، ويمنحه، في المقابل، متعة الاكتشاف التي لا تنتهي.
أولاً: في البنية العميقة لمشروع مهيار: من موت الإله إلى ولادة الإنسان
في قلب هذه الدراسة تقف فكرةٌ محوريةٌ تكاد تكون مفتاحاً لكل ما عداها: إن مشروع مهيار ليس مشروعاً للهدم، بل هو مشروعٌ للولادة من رحم الهدم نفسه. فحين يقول أدونيس في قصيدته: «نموت إن لم نخلق الآلهة / نموت إن لم نقتل الآلهة»، فهو لا يعلن موت الإله بالمعنى اللاهوتي الذي قد يتبادر إلى الأذهان، بل يعلن موت صورةٍ تاريخيةٍ بعينها للإله؛ تلك الصورة التي تجمّدت في وعي الجماعة حتى صارت أداةً من أدوات الوصاية على الإنسان. والناقد يلتقط هذه الدلالة بلغةٍ دقيقةٍ حين يميز بين الإله بوصفه سراً مفتوحاً، والإله بوصفه مؤسسةً مغلقة؛ بين المقدس بوصفه طاقةً محررة، والمقدس بوصفه سلطةً تمنع السؤال. إن عبارة «موت الإله» في هذه الدراسة لا تُقرأ بوصفها حكماً عقائدياً، بل بوصفها مفهوماً شعرياً وفلسفياً يفتح الباب أمام «ولادة الإنسان». وهذه الولادة ليست حدثاً يقع في الزمن، بل هي فعلٌ مستمر: إنها قدرة الإنسان على أن يعيد اختراع ذاته بعد كل انهيار، وأن ينظر إلى التاريخ لا بوصفه قدراً، بل بوصفه مادةً قابلةً للتفكيك وإعادة البناء. وهنا يصل الحلو إلى خلاصةٍ نقديةٍ بالغة الأهمية: إن أدونيس لا يكتب القصيدة لكي يصف العالم، بل لكي يختبر إمكانية تغييره. وهذه النقلة من الوصف إلى التغيير هي جوهر الحداثة الشعرية التي يمثلها مهيار؛ فالشاعر هنا ليس شاهداً على الوجود، بل هو فاعلٌ فيه، والقصيدة ليست مرآةً للواقع، بل هي يدٌ تمسك بالواقع وتعيد تشكيله.
ثانياً: مهيار بوصفه مشروعاً أنطولوجياً: سؤال الكينونة في مواجهة العدم
من أعمق ما تنطوي عليه هذه الدراسة هو نظرتها إلى مهيار بوصفه مشروعاً أنطولوجياً كاملاً، أي سؤالاً عن معنى أن يكون الإنسان موجوداً، وعن إمكانية أن يعيد الإنسان تأسيس علاقته بالعالم بعد أن فقد يقينه القديم. فمهيار لا يسأل: «ماذا أفعل؟» بالمعنى الأخلاقي، بل يسأل: «ماذا أكون؟» بالمعنى الوجودي. إنه كائنٌ قلقٌ لا يستقر على حال؛ يرفض أن يكون امتداداً للماضي، ويرفض أن يكون وعداً للمستقبل، ويقف في الحاضر بوصفه لحظةً متوترةً بين ذاكرةٍ تثقله ورغبةٍ تجذبه إلى الأمام. ولعل هذا ما يفسر الطابع المأساوي الكامن في أغاني مهيار؛ فالبحث عن الكينونة لا يمر عبر الضوء وحده، بل عبر الظلمة أيضاً. إن مهيار لا يكتشف ذاته إلا وهو يمر بتجربة الفقد: فقد المدينة، وفقد الإله، وفقد المعنى الجاهز، وفقد اليقين. ولكن هذا الفقد ليس سلبياً، بل هو شرط الإبداع الأول؛ ففي اللحظة التي يفقد فيها الإنسان كل شيء، يكتشف أنه قادرٌ على أن يخلق كل شيء. وهنا يربط الحلو بين مهيار وبين التقليد الصوفي العميق، لكنه يرفض أن يقرأ هذا التقليد بوصفه هروباً من العالم، بل يراه وسيلةً لإعادة بناء العلاقة مع العالم من أساسها. إن الصوفي في تجربة مهيار ليس متصالحاً مع الواقع، بل هو ثائرٌ عليه بلغة الروح؛ إنه لا يتعامل مع الموت بوصفه نهايةً، بل بوصفه تحولاً، ولا يتعامل مع الجسد بوصفه سجناً، بل بوصفه طاقةً من طاقات الوجود.
ثالثاً: اللغة بوصفها مختبراً للوجود: من البلاغة إلى الأنطولوجيا
ثمة نقلةٌ نوعيةٌ تسجلها هذه الدراسة في فهمها للغة أدونيس؛ فهي لا تتعامل مع اللغة بوصفها وعاءً للمعنى، بل بوصفها مكاناً يتولّد فيه المعنى لأول مرة. إن القصيدة في «أغاني مهيار الدمشقي» لا تسير من معنىً سابقٍ إلى تعبيرٍ لاحق، بل هي حركةٌ داخل اللغة نفسها؛ حركةٌ تكسر الجملة، وتشظّي الصورة، وتداخل الأزمنة، وتجاور المقدس بالمدنس، والتاريخي بالأسطوري، والغنائي بالفلسفي. وهذا التشظي ليس عبثاً شكلياً، بل هو استجابةٌ فنيةٌ لطبيعة التجربة التي يعيشها مهيار؛ تجربةٌ لا يمكن التعبير عنها بلغةٍ مستقرة، لأنها تجربةٌ تقوض كل استقرار. ويلاحظ الحلو، بذكاءٍ نقديٍّ لافت، أن اللغة عند أدونيس ليست أداةً للتواصل فحسب، بل هي كائنٌ حي له تاريخه وأساطيره وجراحه. ولذلك فإن الكلمة في شعره تحمل طبقاتٍ من الدلالات التي قد تتعارض وتتصادم، لكنها في النهاية تنتج طاقةً شعريةً من نوعٍ خاص: طاقةٌ لا تريح القارئ، بل تزعجه وتدفعه إلى إعادة النظر في كل ما كان يعتقد أنه يفهمه. وهنا تكمن خطورة اللغة الأدونيسية وجماليتها معاً؛ إنها لغةٌ تعمل على تخريب المعنى الجاهز، وعلى فتح المعنى أمام احتمالاتٍ لا نهائية. وهذا ما يجعل قصائد مهيار نصوصاً مفتوحةً على الدوام؛ إنها لا تنتهي بانتهاء القراءة، بل تبدأ من جديد في كل قراءة.
رابعاً: في المسافة النقدية: بين الاحتفاء والمساءلة
من أبرز ما يمنح هذه الدراسة قيمتها العلمية والأخلاقية أنها لا تسقط في فخ التمجيد الساذج، ولا في فخ المحاكمة المتعجلة. إنها تدرك أن النقد الحقيقي يقع في منطقةٍ وسطى، حيث يكون على الناقد أن يرى الضوء دون أن يغفل الظل، وأن يكتشف جمال المشروع دون أن يصمت عن حدوده. ولذلك فإن الحلو، وهو يتعمق في مشروع مهيار، لا يتردد في الإشارة إلى بعض الإشكاليات الكامنة في التجربة الأدونيسية: فالغموض الذي يمنح النص كثافته الفلسفية قد يتحول في بعض المواضع إلى إغلاقٍ دلالي؛ والقطيعة التي أرادها الشاعر مع التقليد قد تبدو أحياناً قطيعةً نخبوية مع القارئ؛ والانشغال بالمشروع الفكري قد يجعل بعض القصائد أقرب إلى الفكرة الشعرية منها إلى التجربة الشعرية الحية. وهذه الملاحظات النقدية ليست انتقاصاً من قيمة أدونيس، بل هي إثراءٌ لقراءته؛ فالشاعر الكبير، مثل كل إنسان، لا يُفهم من خلال الإجماع عليه، بل من خلال الاختلاف معه أيضاً. إن قيمة أدونيس الأساسية، كما تراها هذه الدراسة، تكمن في أنه غيّر السؤال الشعري العربي؛ فبعده لم يعد السؤال: كيف نكتب قصيدةً حديثة؟ بل أصبح: ما الشعر؟ وما الحداثة؟ وما الذي ينبغي أن تكون عليه علاقة الشاعر باللغة والتراث والإنسان؟ وهذه النقلة هي جوهر مكانته التاريخية؛ إنه شاعرٌ لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يفرض على قارئه أن يعيد التفكير في الطريقة التي يقرأ بها الشعر نفسه.
خامساً: من مهيار إلى أدونيس: في جدل الذات والاسم
من أعمق الإضاءات التي تقدمها هذه الدراسة ما يتعلق بجدل الاسم والذات في المشروع الأدونيسي. فلقد اختار علي أحمد سعيد إسبر اسم «أدونيس» المستمد من الأسطورة الفينيقية اليونانية، وهو اسمٌ يحيل إلى شخصيةٍ أسطوريةٍ مرتبطة بالموت والخصب والعودة إلى الحياة. لكن أدونيس، كما يلاحظ الحلو، لم يكتفِ بهذا الاسم، بل احتاج إلى «مهيار» ليعيد اختراع ذاته الشعرية والفكرية من الداخل. فإذا كان «أدونيس» هو الاسم الذي اختاره علي أحمد سعيد ليعيد اختراع هويته الأدبية، فإن «مهيار» هو الاسم الذي اخترعه أدونيس ليعيد اختراع ذاته الشعرية والفكرية. وهنا تصل الدراسة إلى نقطةٍ حاسمة: إن مهيار ليس قناعاً فنياً يختبئ خلفه صوت الشاعر، بل هو كائنٌ شعريٌ وفلسفيٌّ يتحرك في المنطقة الملتبسة بين الإنسان والإله، بين المقدس والمدنس، بين الذاكرة والرغبة، بين الخراب والخلق. إنه، بمعنىً من المعاني، أدونيس وهو يواجه نفسه في المرآة، أو هو أدونيس وقد تجرد من اسمه الأسطوري ليدخل في مغامرة الوجود الفعلي. وهذا الجدل بين الاسم والذات يفتح الباب أمام قراءةٍ نفسيةٍ عميقة للتجربة الأدونيسية؛ فالشاعر الذي اختار لنفسه اسم إلهٍ يموت ويبعث، يجد نفسه في النهاية أمام سؤالٍ أكثر تواضعاً وأكثر قسوة: سؤال الإنسان الذي يبحث عن معنىً لوجوده في عالمٍ تتصدع فيه المعاني الكبرى. إن مهيار هو أدونيس وقد نزل من مقام الإله إلى مقام الإنسان؛ إنه الإله الذي صار بشراً ليعرف ما يعنيه أن يكون بشراً. وهذا الهبوط ليس انحداراً، بل هو صعودٌ من نوعٍ آخر: صعودٌ نحو الحرية الحقيقية التي لا تتحقق إلا بقبول الوجود الإنساني بكل هشاشته وتوتره.
سادساً: في علاقة الشعر بالفلسفة والتصوف والأسطورة: وحدة الأنواع في مواجهة التجزئة
ثمة رؤيةٌ نقديةٌ خصبة تتخلل هذه الدراسة برمتها، وهي رؤيةٌ ترفض الفصل بين الشعر والفلسفة والتصوف والأسطورة، وتنظر إلى هذه الحقول بوصفها ينابيع تتدفق في قناةٍ واحدة: قناة السؤال عن الوجود. إن «أغاني مهيار الدمشقي» ليست نصوصاً شعريةً تتزين بمفاهيم فلسفية أو تلوّح برموزٍ صوفية، بل هي تجربةٌ فكريةٌ وجدانيةٌ تتوسل بالشعر بوصفه اللغة الوحيدة القادرة على استيعاب التوتر بين المتناقضات. فالفلسفة تمنح النص صرامته السؤالية، والتصوف يمنحه عمقه الروحي، والأسطورة تمنحه قدرته على تجاوز الزمن، والشعر يمنحه كل ذلك جسداً واحداً يتنفس. وهذه الوحدة بين الأنواع المعرفية تعكس رفضاً عميقاً لتجزئة الإنسان؛ فالإنسان عند مهيار ليس عقلاً محضاً ولا روحاً محضة ولا جسداً محضاً، بل هو كلٌّ متوترٌ تتجاذبه أطرافٌ متناقضة، ولا يمكن فهمه إلا داخل هذه التوتّرات. ولذلك فإن القصيدة عند أدونيس لا تقدم لنا «أفكاراً» عن الوجود، بل تضعنا داخل الوجود نفسه؛ إنها تجعلنا نعيش التوتر بدل أن ننظر إليه من الخارج. وهذا ما يجعل قراءة «أغاني مهيار الدمشقي» تجربةً مختلفة عن قراءة النصوص الشعرية التقليدية؛ إنها تجربةٌ تتطلب من القارئ أن ينخرط فيها بكل كيانه، أن يعيش الأسئلة بوصفها أسئلته هو، وأن يرى في مصير مهيار مصيراً ممكناً لكل إنسان.
سابعاً: في تاريخية النص وتجاوزه لها: من 1961 إلى 2026
تحرص هذه الدراسة على وضع «أغاني مهيار الدمشقي» في سياقه التاريخي، مشيرةً إلى أن أدونيس كتب ديوانه في زمنٍ كان العالم العربي فيه يعيش تحولاتٍ كبرى. لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تُسجن النص داخل زمنه؛ فمهيار لم يتوقف عند زمنه، بل بقي قادراً على عبور العقود، لأن الأسئلة التي يحملها لم تجد نهايتها بعد. إن النص، كما تراه هذه الدراسة، كائنٌ حي يتغير بتغير القراءات، ويتسع لاستيعاب أسئلة الأجيال المتعاقبة. ولذلك فإن قراءة «أغاني مهيار الدمشقي» في عام 2026 ليست هي قراءتها في عام 1961؛ فالنص ذاته يتجدد بتجدد السياقات التي يُقرأ فيها، والأسئلة التي نطرحها عليه اليوم تختلف عن الأسئلة التي طرحها عليه قراؤه الأوائل. وهذه التاريخية المزدوجة — تاريخية النص وتجاوزه لتاريخيته — هي ما يمنحه بقاءه. فالشعر العظيم، كما يقول الحلو، لا يمنح أسراره دفعةً واحدة؛ إنه يترك للقارئ مهمة الحفر، وكلما ظننا أننا وصلنا إلى قاع النص، اكتشفنا أن النص قد فتح لنا قاعاً آخر. وهذه هي الطبيعة الحوارية للأدب الرفيع: إنه لا ينتهي عند حدود ما أراده مؤلفه، بل يتجاوزه إلى ما يمكن أن يقوله للقراء في كل زمانٍ ومكان. ولذلك فإن مهيار ما يزال قادراً على أن يضع الإنسان العربي أمام مرآته الكبرى، تلك المرآة التي تعكس أسئلته عن الهوية والحرية والموت والخلق واللغة والتراث.
ثامناً: في بلاغة الدراسة: حين يتحول النقد إلى كتابة
لا يمكن إغفال البعد الجمالي لهذه الدراسة نفسها؛ فالناقد الدكتور عبد الكريم الحلو لا يكتب عن الشعر بلغةٍ جافةٍ من لغات التحليل الأكاديمي، بل يكتب بلغةٍ تمتلك من البلاغة والكثافة ما يجعلها جديرةً بموضوعها. إن جمله القصيرة المتوترة، وصوره النقدية الموحية، وقدرته على الانتقال من الفكرة الفلسفية إلى اللمحة الوجدانية، كل ذلك يجعل من هذه الدراسة نصاً نقدياً يمتلك جمالياته الخاصة. إنه يدرك أن الكتابة عن أدونيس تتطلب حساسيةً لغويةً من نوعٍ خاص؛ حساسيةً لا تكتفي بالوصف والتفسير، بل تطمح إلى أن تكون هي نفسها إبداعاً موازياً. ولعل أبرز ما يميز أسلوب الحلو هو قدرته على المزج بين الصرامة المفهومية والانفتاح الشعري؛ فهو حين يتحدث عن «موت الإله» و«ولادة الإنسان» يفعل ذلك بلغةٍ تجمع بين دقة الفيلسوف وحدس الشاعر. وهذه الثنائية في الكتابة النقدية ليست ترفاً بلاغياً، بل هي استجابةٌ عميقة لطبيعة النص الذي تدرسه؛ فنصٌّ مثل «أغاني مهيار الدمشقي» لا يمكن مقاربته بلغةٍ واحدة، لأنه هو نفسه يجمع بين لغاتٍ متعددة، ولا يمكن فهمه إلا بوعيٍ يحترم هذه التعددية. إن الحلو يدرك أن النقد الحقي هو إبداعٌ ثانٍ، وأن الناقد الكبير هو شاعرٌ يعمل في منطقة القراءة بدل منطقة الكتابة. ولذلك فإن دراسته لا تكتفي بأن تكون شرحاً لأدونيس، بل تسعى إلى أن تكون محاورةً له من موقع الندية: ندية العقل الذي يريد أن يفهم، أمام الإبداع الذي يريد أن يتجاوز الفهم.
النصوص الشعرية من “أغاني مهيار الدمشقي”
رؤيا
هربت مدينتنا
فركضت أستجلي مسالكها
ونظرت – لم ألمح سوى الأفق
ورأيت أن الهاربين غداً
والعائدين غداً
جسد أمزقه على ورقي…
ورأيت – ليت الموت يمهلني.
وداع
قلنا لك الوداع من سنين
قلنا لك المرثية التائبه،
يا هالة الملائك الميتين
موت
نموت إن لم نخلق الآلهة
نموت إن لم نقتل الآلهة
يا ملكوت الصخرة التائهه.
الطوفان
اذهبي، لا نريدك أن ترجعي يا حمامه
انهم أسلموا لحمهم للصخور
وإن طوفاننا كوكب لا يدور
مرثية الحلاج
ريشتك المسمومة الخضراء
ريشتك المنفوخة الأوداج باللهيب
يا كوكباً يطلع من بغداد
محملاً بالشعر والميلاد
من هو أدونيس؟
هو علي أحمد سعيد إسبر
شاعر وناقد ومفكر ومترجم عربي وعالمي، وُلد سنة 1930 في قرية قصابين قرب جبلة في سورية. ويُعد من أبرز الأسماء العربية المرتبطة بمشروع الحداثة الشعرية والفكرية في القرن العشرين. اتخذ اسم «أدونيس» الأدبي، المستمد من الأسطورة الفينيقية – اليونانية، وهو الاسم الذي أصبح لاحقًا أشهر من اسمه الحقي. لم يتعامل مع الحداثة بوصفها انتقالًا شكليًا من الوزن والقافية، بل رأى أن الحداثة تحول في طريقة إنتاج المعنى ورؤية العالم. ومن أشهر اعماله: «أغاني مهيار الدمشقي»، «مفرد بصيغة الجمع»، «الثابت والمتحول»، «الكتاب».
—
الخَاتِمَةُ القَاتِلَةُ وَالأُسْطُورِيَّةُ
بِقَلَمِ: الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ فَضِيل حَاج بِن عَدَّة
فَإِنْ قَرَأْتَ وَخَرَجْتَ كَمَا دَخَلْتَ… فَقَدْ خَسِرْتَ القَرَارْ
وَإِنْ خَرَجْتَ وَقَلْبُكَ يَحْتَرِقُ… فَقَدْ بَدَأْتَ المِشْوَارْ
ضَعْ يَدَكَ عَلَى صَدْرِكَ… أَتَسْمَعُ الذَّوْبَانْ؟
هَذِهِ سُيُوفٌ… ذَبَحَتْكَ… ثُمَّ خَاطَتْكَ بِالنُّورْ
قُمْ… فَالآلِهَةُ سَقَطَتْ… وَالكَلِمَةُ صَارَتْ نَارْ
وَاكْتُبْ عَالَمَكَ بِيَدِكَ… فَالحَقُّ لِمَنْ صَنَعَ الأَقْدَارْ
“لَيْتَ المَوْتَ يُمْهِلُنِي” قَالَهَا مَهْيَارْ
فَقُلْ أَنْتَ بِصَوْتٍ يَشُقُّ السَّمَاءَ وَالإِعْصَارْ:
“لَيْتَ الحَيَاةَ تَسْتَحِقُّنِي” وَانْهَضْ كَالإِعْصَارْ
نُقِشَتْ عَلَى صَخْرِ الزَّمَانِ بِحُرُوفٍ مِنْ نَارْ
14-8-2026








