قراءة نقدية لرواية/مدينة النساء /للروائي الأمين السعيدي|الناقد عمر دغرير

 كاتب وناقد تونسي

قراءات في الأدب العربي :

“مدينة النساء”

رواية للكاتب التونسي الأمين السعيدي .

تعرية الواقع والكشف عن السياسات العقيمة في العشر سنوات ما بعد الثورة .

قراءة بقلم الشاعر عمر دغرير :

لقد صدرت هذه الرواية في 132 صفحة من الحجم المتوسط عن دار علّيسة للنشر سنة 2021 . وأول ملاحظة لا بد أن نسوقها , هي أن الكاتب صاغها بأسلوب أدبي طريف ولغة حديثة ,وقسمها إلى فصول أربعة :
الفصل الأول: رحلة صفوان .
الفصل الثاني: من مأمون إلى مريان .
الفصل الثالث: بين عبودة وصفوان .
الفصل الرابع: عقاب بلا جريمة .
واستعرض فيها مجموعة من القضايا الحياتية التي شغلت الرأي العام في الفترة المتراوحة بين جانفي 2011 ونهاية 2020 . نذكر منها قضية المرأة بين أسطورة الحب وحتمية التحرر,وكذلك قضية الحريات في المجتمعات العربية بالخصوص . كما نقرأ في الرواية عن مسألة التعذيب في السجون , وعن تفشي المخدرات وتأثيرها في المجتمع التونسي . ومن خلال “مدينة النساء” يقدم لنا الكاتب لمحة عن تعاقب الحكومات وتعددها في تونس ما بعد الثورة ,وفيها تعرض للسياسات العقيمة التي أوصلت البلد إلى الهاوية .
والكاتب اختار (صفوان) ليكون الشخصية المحورية للرواية , وهو شاب مناضل يعشق الوطن والأرض والناس ,عاش ظروفا صعبة في محيطه مع مجموعة من الشخصيات المختلفة , فاطمة حبيبته وعبودة مفتش الشرطة وزوجته رباب , ونوّة وزوجها عبد القادر, وشهناز وآخرين.و الثابت أن حياة صفوان عرفت القلق والحيرة والإضطراب, الأمر الذي أجبره على التفكير في الرحيل ومغادرة البلد. وكم حاول اقناع أمه بالسفر, غير أنها في كل مرة ترفض طلبه, وترفض الخروج من الحي الذي تسكنه لما يحمله من رمزية وذكريات جميلة وعشق للأرض وللأهل .وتتعكر حياة (صفوان) النفسية , وتضطر الأم لمساندة إبنها في الرحيل ومن حينها تنطلق الرحلة وتنطلق معها أحداث الرواية .
وفي تقديم روايته قال الكاتب :
“… الفكرة الأساسية الجامعة بين مكونات الرواية هي أنّ المرأة حلمت بالثورة وبتحسن الوضع في تونس, لكن الأحداث لم تكن في مستوى الانتظارات, والمثقف العربي يتحمّل مسؤولية ما يحدث في هذه المجتمعات, وقد يستغرب البعض من هذا الطرح, لأنّ المثقف عادة حين يكتب فهو يمارس فعلا فنّيا ويقود المجتمع, وهو الذي يتحمّل المسؤولية ,لأنه تماما مثل “بومة مينيرفا” يأتي متأخرا ليعقلن كل شيء …”.
ومن أجواء الرواية اخترت لكم هذه الفقرة :
“..عاد الى حبيبته شهناز. جلس فوق السرير.وضعها في حضنه وشعرها الاصفر الحريري ينساب على صدره والدماء التي تنزف من جسدها تنساب على ثيابه.قبلها من جبينها وتحدث معها وكأنها على قيد الحياة: كنت أعرف ياسيدتي أن حياتي انتهت يوم اقتحمت السلطة منزلي وان الظلم يقتل الناس…الأقدار أرادت لي بلوغ أقصى درجات العذاب…بقائي على قيد الحياة معجزة لم يفهمها الأطباء ولكنني فهمتها…! فهمت أن الموت راحة وأني لا استحق سعادة الموت…!وضع يده على صدرها وقال:ما رأيك ياحبيبتي نذهب معا،نسافر حيث اللاعودة…هيا بنا ارجوك,لا ترفضي طلبي,أتعبتني الحياة يا شهناز,وقد جربت الموت وها أنني أراك سعيدة مطمئنة صامتة,ترفضين الانتقام.انا…انا يا حبيبتي القاتل.هل علمت بذلك أو أنك كعادتك ترفضين العنف…؟!من المجرم يا شهناز؟أنا أم السلطة أم أنت…؟!..” .
وخلاصة القول “مدينة النساء ” على حد تعبير الناقدة انصاف الماجري في مجلة العربي الآن بتاريخ 14 ديسمبر 2021 :
“…رواية”مدينة النساء” للروائي التونسي الأمين السعيدي ملحمة أدبية تعيد تشكيل الواقع بنظرة فنية وأسلوب لم يسبقه إليه أحد..” .