مواسم الريح للأمين السعيدي هوية المثقف بين الغرب والشرق

الدكتور بشير العواني

صالحة تلك الطبيبة المحبة للفقراء لازالت تكن المحبة والإحترام لعموم الناس من الشعب الكريم تزرع القيم وترفع الهمم أحبت فاروق بطل رواية مواسم الريح للأمين السعيدي …وخانها في أول رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تماما كما يفعل المثقف العربي حينما يخون اللغة العربية في أول مصافحة للغة أخرى غير العربية …..تنتهي صالحة بفاجعتين فاجعة إدراكها لخيانة فاروق لها وفاجعة موتها نتيجة ذلك …رمزا للمرأة العربية الأصيلة التي تعيش على الفطرة وسجيتها نقية …تنظر إلى الحياة من جوانبها المضيئة والوردية ….وفي رحلة جنون فاروق بطل الرواية ينكشف غطاءه وهو مختف في قرنبالية بمحافظة نابل التونسية فيهزأ من الإنقطاعات المتكررة للماء والضوء في الصيف شديد الحرارة وفي عتمة جنونه يتنبأ بالحرق المتعمد للمحاصيل الزراعية والغابات في الديار وفي الجوار ….وينخرط في مزاح ثقيل يلعن فيها الإقتصاد والسياسة والثقافة ….ويرتقي وعيه من درجة الهروب إلى حد المواجهة …تغير فاروق ولم تتغير ظروف الناس …الظمأ والجوع والشعور بالغبن والقهر …رياح مواسم الريح عاتية وذهبت بكل شيء وتنادت الرياح واتجهت الإرادة في كل ريح ….ينهمك فاروق في حسن الإنصات إلى ذلك الزنجي المقامر الطاعن في السن العارف بخبايا أمريكا وخبايا السياسة فيها …وفجأة تعود إليه ذاكرته ووجيعته ليتذكر تلك الكلاب السائبة في ليالي الشتاء الداكنة بالسحب والظلماء ….يلتطم بأكداس الزبالة في أنهج باب الجزيرة …ويتقاطع كل ذلك مع أصوات السكارى المنبعث من أقرب حانة إلى ساحة العملة بالعاصمة التونسية ….خان صالحة ولم يحب جورجينا …ظل فاروق رمز المثقف العربي المنبهر بالمكتسبات المادية للحضارة الأمريكية والمتشبث بأوهامه العاطفية ومفرداته الروحية ….لم يعجبه الواقع بتونس …وشعر في أمريكا بمركب النقص ….لم يعجب بحضارة أمريكا بقدر ما أعجب بحاناتها …..لازال حديث تلك العجوز المحبة لنادل الحانة يتردد صداه حتى عندما فقد فاروق عقله ….وخاض تجربة الجنون …”إن المجنون كما يقول فوكو هو الذي فقد كل شيء إلا عقله “….صالحة رمز المرأة العربية الأصيلة وفاء وعطاء بلا حدود وفاروق رمز المثقف العربي إنكسار ومأساة بلا قيود.