
تعرية الذات واختراق شيفرات الشبق الأنثوي في ديوان “جدران عازلة للحزن”
تعرية الذات واختراق شيفرات الشبق الأنثوي في ديوان “جدران عازلة للحزن”
فراس حج محمد| فلسطين
أقدّم هذه القراءة في ديوان الصديقة الشاعرة السورية هند زيتوني “جدران عازلة للحزن” احتفالاً بعيد ميلادها الذي تكوّن نرجسة طافحة بالجمال في هذا التاريخ التاسع من أيلول، متمنياً لها حياة شعرية طافحة بالجمال سنة بعد سنة، وديواناً يتحلّق ميلاده بعد ديوان، وأقول هامساً لقلبها النابض بالعشق والحياة: كل عام وأنت والشعر بألف ألف جمال، سنين عديدة، ودواوين باهرة مبهرة.
كما عليّ الاعتراف تمهيداً لهذه القراءة أنّ هند زيتوني تخطو في هذا الديوان خطوات واسعة نحو الشعر الإنساني الذي يجوس خلال المناطق التي يحرُم على الكل الخوض فيها، فما بالكم إنْ خاضته شاعرة جميلة كالشاعرة هند زيتوني؟ لذلك فإن التجربة الشعرية في ديوان جدران عازلة للحزن تمثل حالة فريدة من المكاشفة الأيروسية التي تتخفى خلف قناع الحزن الكثيف المعلن عنه في العنوان المواجه للقارئ، فكأنها تعلن عن أولى مراوغاتها الأنثوية لتضلله، فربما يرى في الديوان للوهلة الأولى رثائية مقهورة لشاعرة مضطهدة كما هو حاصل لدى شاعرات كثيرات من الشرق التعيس البائس، لكنه في الحقيقة غير ذلك مطلقاً، إنما يرسم صورة أخرى لشاعرته، صورة فيها الكثير من الحب والحياة والحيوية والحرية، فقد صيغت هذه النصوص على هدي من هذه الحاءات الأربعة التي هي أصل العيش والتمتع بطيبات هذا العالم.
إن القراءة البنيوية النفسية لهذا العمل لا تكتفي بتحليل السطح اللغوي، بل تسعى إلى تعرية الجسد النصي للوصول إلى النبض الحقيقي الذي يحرك القصيدة، وهو نبض الشبق والشهوة المكبوتة التي تحاول الشاعرة التحرر منها عبر فعل الكتابة، على الرغم من أن الكتابة والفعل الجنسي يشتركان في دلالة واحدة ألا وهي الحرية، تقول في كتابها “أسرار تحت جمر الغواية: “حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية”، والشاعرة تتبنى هذه الفكرة التي يتبناها كثير من الشاعرات والشعراء، كغادة السمان التي ترى أن الكتابة “فعل شبيه بالحب أو الممارسة الجسدية”، وكذلك الكاتبة التشيلية إيزابيل أليندي التي قارنت أحياناً بين شغف الكتابة وشغف العلاقات الإنسانية، ولعل الشاعرة هند زيتوني محورت كتابها هذا المخصص للكتابة حول هذه الفكرة عندما استعارت من الفعل الجسدي الجنسي مفردات العنوان.
أحاول في هذه الوقفة الخاصة تفكيك الأنا الشاعرة من خلال مستويين متداخلين؛ المستوى البنيوي الذي يحلل شبكة العلاقات بين المفردات الجسدية (النهد، القبلة، اللمس، الحرارة)، والمستوى النفسي الذي يغوص في اللاوعي، ليكشف عن الرغبات التي تم تحويلها من فعل جنسي واقعي إلى فعل شعري أيروسي، وتبدو الشاعرة عارية تماماً من كل التحفظات الاجتماعية، حيث تستخدم اللغة كملاءة شفافة تبرز من خلالها تفاصيل شهوتها وجنونها، وقد رأيت أنه من الأنسب أن أجعل من البنيوية النفسية منطلقا للتحليل؛ لأن اللغة وتراكيبها ذات دلالات نفسية، لا سيما في هذا النوع من الشعر الذي يعبّر فيه كاتبوه عن مكنونات النفس ومتطلباتها وشهواتها دون عوائق أو محاذير، وبناء على ذلك، فإن الشاعرة هند زيتوني مارست حريتها على أعلى مستوى من الكتابة دون أن تنزلق إلى فخّ المباشرة والابتذال اللغوي المكشوف، مقدّمة للقارئ تحفة شعرية من طراز رفيع، يعلو فيها الجانب الإنساني في أسمى تجليات احتياجاته العاطفية.
إن العنوان ذاته، جدران عازلة للحزن، يطرح مفارقة بنيوية؛ فالحزن ليس هو الهدف، بل هو الجدار أو الغلاف الذي يحمي الداخل المشتعل، وهو الداخل الذي أحاول تعريته، لعله يكشف عن مفاتن الذات الشاعرة وشهوتها التي تتجلى في كل استعارة وصورة.
في المقطع السادس من الديوان، تضع الشاعرة المتلقي أمام واحدة من أكثر الصور الأيروسية كشفاً، حيث تقول:
تتحسَّسُ العاشقةُ جسدَها
وتطمئنُّ
بأنَّ الأرنبينِ الوديعينِ
ما زالا يقفزانِ كلَّما ذُكِرَ الحبيب.
هذه الصورة تمثل تعرية كاملة للرغبة الحيوية؛ فالشاعرة هنا لا تتحدث عن مشاعر مجردة، بل عن استجابة عضوية لذكْر الحبيب، والأرنبان هما الشيفرة البديلة للنهدين اللذين هما من أخص خصائص المرأة الأنثوية الشهوانية، وحركتهما/ القفز هي التعبير الأيروسي عن الرعشة والشهوة المتربصة، إذاً، ليس النهدان أجمل ما في المرأة فقط، ولا أمتع ما فيها وحسب، بل هما علامة سيميائية جسدية للدلالة على إعلان الرغبة كذلك.
إن فعل التحسس الذي تقوم به العاشقة لجسدها يعكس حالة من النرجسية الشبقية، حيث يصبح الجسد هو المرجع والملاذ، هذا الاطمئنان ليس عاطفياً، بل هو اطمئنان على بقاء الشهوة حية وقادرة على الاستجابة، وتظهر الشاعرة عارية من خجلها، لتبرز مفاتنها من خلال هذه الاستعارة الحركية التي تحول الصدر من منطقة صمت إلى منطقة ضجيج وشبق، تتساءل الشاعرة في أول الكلمات:
هل رغباتُنا المكبوتةُ دماءٌ
تسيلُ من أعلى فوهةِ القلب؟
لتصبَّ في جوفِ الاشتياق؟
أو ظلالُ أجسادٍ
تلتفُّ حولَ ظلالٍ أخرى
لمجرَّدِ أنَّ الضوءَ قادها
إلى قاعِ الحب
عندما حلَّ أنينُ الظلام.
يعمل اللاوعي في الديوان كمستودع للرغبات التي تتحول إلى أشجار كآبة، عندما تُحرم من الارتواء، إذ تصف الشاعرة الرغبات المكبوتة بأنها ظلال أجساد تلتف حول ظلال أخرى لمجرد أن الضوء قادها إلى قاع الحب، هذا الالتفاف الظلي هو تعبير عن الشهوة التي لم تكتمل الباحثة عن أنين الظلام لتمارس وجودها.
ومن منظور بنيوي نفسي، يمثل القلب فضاءً ميكانيكياً للرغبة، وفوهته هي المخرج الذي تتدفق منه الشهوة التي تم كبتها طويلاً، إن الربط بين الرغبة والدم يشير إلى أن الشهوة في الوعي الأنثوي للشاعرة هي قوة حيوية لا يمكن إيقافها، وأن جوف الاشتياق هو المكان الذي يبحث عن الامتلاء بالآخر، عدا أن هاتين الكلمتين جوف وامتلاء لهما انحراف شهواني ضمن هذا التفسير البنيويّ النفسي.
هذا النزيف هو تعبير عن اللاوعي الذي يرى في الشهوة جرحاً لا يندمل إلا بالالتحام، والشاعرة عندما تعري شهوتها وتجعلها مرئية كالدماء، تعمل على إلغاء المسافة بين المشاعر وبين الفيزياء الجسدية، ثم تنتقل الشاعرة في مقطع آخر إلى مستوى أكثر تعقيداً من التوصيف الأيروسي، حيث تقول:
كلُّ الأصابع
تعزفُ جيِّداً على أوتارِ الجسد
كلُّ الأصابعِ قد تُصابُ بالتصلُّب والهيام
ولكن الموسيقا…
قد تنهمرُ مثلَ نهرٍ جارفٍ
يأخذُ القيثارةَ والرعشةَ والإيقاع
فلا يبقى سوى…
سريرِ الحلم.
لم يكن الجسد في هذا النص كياناً ساكناً، بل هو آلة موسيقية مصممة لإنتاج اللذة، والأصابع هي الأداة التي تنهب هذا الجسد، والرعشة هي الإيقاع الذي يحكم العملية الشبقية، فالشاعرة تعيد ضخ الحيوية في كل ما حولها؛ لإنتاج هذه اللحظة من النشوة البارعة الممتلئة التي تصبح فيها المرأة لا مفعولا بها، بقدر ما هي فاعل فيزيائي حيوي، تفجر الطاقة الكامنة لدى الطرفين، ليتحقق المأمول فيه من شهوة كاملة.
إن استخدام مفردات مثل نهر جارف وانهمار يشير إلى ذلك الجنون الأيروسي الذي يتجاوز السيطرة، وتطلقه الشاعرة من كل قيوده، فالشهوة- إذاً- كما ستكتسح كل الجدران؛ فإن لها أثرا في القيثارة، والإيقاع، ليبقى فقط سرير الحلم، والسرير في هذا السياق هو الفضاء النفسي الذي تلتقي فيه الرغبة بالخيال، حيث تصبح الشاعرة عارية تماماً من أقنعة الزيف الاجتماعي لتواجه حقيقتها الشبقية.
وفي المقطع الثامن تمارس الشاعرة نوعاً من التضليل الأيروسي؛ فهي تدعي الكره بينما جسدها ينضح بالشهوة:
وقبلتَكَ التي…
تتأرجحُ على شفتي العليا
وتأبى أن تغادر!
ليست القبلة شيئاً طارئاً أو حدثاً عابراً، بل هي كائن يسكن الشفة، وعنادها هو تعبير عن رغبة الشاعرة في بقاء الأثر الحسي. والشفة العليا تصبح مركز الاستقطاب الأيروسي، والقبلة المتأرجحة هي شيفرة للرغبة في تكرار الفعل، حيث يومئ التأرجح إلى القلق؛ لأن ثمة إشباعاً ناقصاً، وتظل الشاعرة تبحث عن الارتواء بالفعل الشبقي، لأنه دلالة مباشرة وحقيقية للارتواء الروحي والنفسي، فالجنس ليس فعلا ثانويا في حياة البشر، بل إنه المعبر للحياة ومآل الحياة أيضاً.
وتذهب الشاعرة إلى أبعد من ذلك في التعبير عن جنونها الواقعي عندما تعترف قائلة:
أنظرُ إلى عينيك وأكذبُ
أقولُ بأنِّي أكرهك
لا أفكِّرُ فيك
لا أعانقُ معطفَكَ المعلَّقَ في غرفتي
في آخرِ اللَّيل
لأشمَّ رائحتك
لأهمسَ لعطركَ بأنني…
اشتقتُ لأنفاسِك
أكذبُ عليكَ
ولا أريدُكَ أن تعرفَ…
بأنَّني أنظرُ إلى المرآةِ لأراك
أرى ملامحَكَ العنيدةَ على الزُّجاجِ…
وأبكي…
هذا (Fetishism) (التوثين الجنسي) الذي يشير إلى الانجذاب الجنسي إلى أشياء الرجل، كعطره ومعطفه، جزء من البناء النفسي لشهوة المرأة التي تبحث عن الآخر في غيابه، فتلجأ إلى متعلقاته، حيث يتحول المعطف إلى جسد بديل تتم ممارسة العناق معه في آخر الليل، فيتم الإشباع النفسي للحاجة الجنسية ولو عن طريق هذا التخيّل الذي ينقل الشاعرة من حالة الوهم إلى حالة الغرق النفسي في حالة تماهٍ تلغي المسافة بين الواقع والمتخيّل.
وتصل الشاعرة في المقطع السادس والعشرين إلى ذروة التكشف الأيروسي، حيث تربط بين الطبيعة، وبين نوافذ الجسد، فالليل هو البطل الوحيد الذي يجذب الروائح إلى كهف الحُبّ، حيث يتحوَّلُ الجسدُ إلى أغنية فاحشة، والفحش في هذا السياق ليس شتيمة أو عيبا أخلاقياً، بل هو العراء المطلق للشهوة التي تتجاوز القوانين الأخلاقية لتعلن عن وجودها الصارخ.
تصف الشاعرة نفسها بالنحلة الوحيدة التي تجمع الرحيق لحبيبها، هذا التبادل في الأدوار يبرز شهوتها الفاعلة؛ فهي ليست مستقبِلاً سلبياً، بل هي من تتنزَّه ليلاً وتجمع الرحيق وتفتح نوافذ الجسد، ليغدو الجسد في هذه الحالة أغنية؛ لأن له إيقاعاً، وهو فاحش لأنه يعري المستور. إن في هذا كشفاً عن تحول شعري مهم، ويؤكد انتقال الشاعرة من نموذج المرأة المتغزل فيها، وتنتظر شاعرا يحوك حولها قصص الحب وقصائده إلى نموذج المرأة المكافئة شعريا وواقعياً للرجل، بل ربما يجد القارئ للرجل صورة غائمة في هذا الديوان، ينقاد لأفعال الحب الأنثوية، منفذا لرغبتها، إنه تحول بنيوي ونفسيّ في الأدوار، وانتصار لسكون المرأة التاريخي وتهميشها في كل قصائد الغزل العربي القديمة، سواء أكتبها شاعر أم تلك التي كتبتها شاعرات، وتبدو الشاعرات في ذلك السياق- المغاير لما تكتبه الشاعرة هند زيتوني- يكتبن عن أنفسهن كما يحب الرجل ويهوى لا كما هنّ في واقع الأمر.
تقدم الشاعرة في المقطع الخامس والعشرين بنية نفسية مدهشة من خلال خمس نساء يخرجن من دفاترها، كالقصائد، تفارق الشاعرة هذا الوصف المراوغ، محاولة تضليل القارئ في هذا النص، حيث تتبادل القصائد والنساء الموقع والصفة، ولعل في ربط الشاعرة القصائد بالنساء هو محاولتها لتأنيث تلك النصوص المشغولة بحرفية، وينتمي إلى فكرة ارتباط الكتابة بالفعل الجنسي كما مر سابقاً، ويمنح القصائد بعدا شهوانيا يتجاوز المعهود لتقول من خلالها إنها امرأة كالقصيدة في جمالها وتأثيرها، وإصرارها على العدد خمسة ليس إلا نوعاً من تأكيد التناسل الطقسي في مشهدية الحب الأيروسي التي تتوق له الشاعرة بكل ما أوتيت من جمال لغوي، تكشف عن تلك الذهنية النفسية المشبعة بالتفاصيل الح
تبدو الحورية التي تخلع ماء خجلها هي الصورة الأكثر عراءً، حيث يتم التخلص من الخجل بوصفه عائقا اجتماعيا، لتنجب من الرجل آهات بلا قواف، فهؤلاء النساء إذاً، لسن سوى مرايا لشهوة الشاعرة وجنونها، وكأنها ترى نفسها جمعاً من النساء في ذاتها، ما يعني ذلك فنونا متعددة مجبولا بشبق لا حد له، يظهر في تجليات الآهات المصاحبة للفعل الأيروسي، والقوافي التي تكون في أواخر النص الشعري، كأن تلك التأوهات الجنسية قوافٍ للفعل الحميم والعلاقة الشبقية، فهي الصوت الصرف للشهوة، الخالي من اللغة والقواعد.
تعلن الشاعرة في نص العشق الكاذب/ المقطع الرابع والعشرين أنهما لم يكونا عشاقاً:
لكنَّنا تقاسمنا الحُبَّ والغزلَ
كجرعةِ مورفين
التهمْنا لحومَ الرَّغبةِ…
مثلَ أسودٍ جائعة
إن هذا التعبير يلتهمون لحوم الرغبة مثل أسود جائعة يتجاوز حدود الأيروسية الناعمة، لتدخل في أجواء من السادية الشهوانية ما يذكر بأجواء الماركيز دو ساد، أو بأجواء جورج باتاي وما كتبه في ديوانه “القدسي وقصائد أخرى” أو مجموعته القصصية “حكاية العين”، فتلتقي الشاعرة مع هذين الأديبين على معنى واحد جامع هو تعرية شهوة الجوع الجسدي التي تتجاوز العاطفة الرومانسية إلى العنف الجنسي، وإن كانت الشاعرة تستخدم لغة أقل بطشا من دو ساد وباتاي، فتصف الفم الذي ينهب قمح الجسد واليدين الماهرتين اللتين تفجران دمعة الندى.
في الديوان، تبدو الشيفرة الأيروسية الأكثر غموضاً وإثارة هي الشرخ الذي لم يرممه الزمن الذي يمكث مثل وحمة أسفل الظهر، فأسفل الظهر منطقة ذات دلالة حسية عالية في اللاوعي الأيروسي، وبقاؤها كوحمة أو وشم يعني أن أثر الشهوة والنهب الجسدي قد حُفر في كيان الشاعرة كعلامة أبدية. هذا الشرخ هو جنونها الواقعي الذي يرفض الشفاء، ويفضل البقاء كذريعة للرغبة المستمرة.
تعلن الشاعرة في المقطع الخامس عن رغبتها في تدمير كل الأشياء لإعادة خلقها من جديد، هذا التمرد النسوي يأخذ بعداً أيروسياً عندما تقول: أصنعكَ من روحي لتغرقَ في دمي! الغرق في الدم هو الاستعارة القصوى للالتحام الجسدي والشبق الذي يؤدي إلى تلاشي الحدود بين الأنا والآخر.
هذا التمرد يظهر أيضاً في رفضها لنصيحة الشعراء لها بالسكينة، وتظهر نتيجة هذه الرفض بأن تحولت إلى بركان أحرقت العالم، والبركان هو الانفجار الشبقي الذي لا يطيق سجن الصمت، والإحراق هو الفعل الذي يزيل كل العوائق أمام حرارة الجسد المتقدة:
قالوا لي: لا تكوني صخرةً ساكنة
فتحوَّلتُ إلى بركانٍ
وأحرقتُ العالم.
وتصف الشاعرة في المقطع الحادي عشر، مشهداً أيروسياً كونياً على هذا النحو:
وأنا أمارسُ الحبَّ مع نجمٍ بعيد
فيلمحُني غريبٌ…
لم يرَ جسدَ أنثى من قبل
يبكي…
حتَّى يتفجَّرَ من القهر
هذا المشهد يجسد العراء المطلق؛ فالشاعرة لا تخشى العين الوقحة للغريب، بل تجعل عراها وشهوتها للنجم سبباً في قهر الآخر الذي لا يستطيع أن ينالها، بل إنه لم يرها بوضوح تام، إنما يلمحها، فإذا كان هذا اللمح له كل هذا التأثير على الرجل المشاهد فكيف بمن يمارس العلاقة الحميمية معها، هذا يؤكد مرة أخرى ما تتمتع به هذه المرأة من جنون واقعي وفنون في المتعة الحسية مع الشريك، وبذلك تكون الشاعرة قد رسمت صورة شبه أسطورية لتجليات الشبق الأنثوي الجامح الذي يتعدى حدود الواقع إلى ما بعد الخيال، وكأنها تؤسس لفنتازيا جنسية خاصة بها من خلال هذه الصياغات ذات البعد الأسطوري المستمد طاقته من ربات الجمال الوثنية، فتعدت الصورة البشرية في هذا التوصيف الأيروسي الفنتازي القريب من الأسطورة، فلم يشبع هذه الشهوة المتبجسة إلا النجم، فتظهر الشاعرة كإلهة للشهوة، حيث جسدها هو العالم الذي يكتشفه الغريب لأول مرة، وبكاؤه هو الاعتراف بعنف مفاتنها التي من المستحيل الوصول إليها.
يهرب اللاوعي المتحكم بالشاعرة ليقود لذته في هذا المطلق، وهي شهوة مجنونة تتجاوز الواقع لتبني فردوسها الخاص بها، وربما فُسّر الأمر على أنه نزعة تعويضية نفسية، نظرا لانعدام تحقق الفعل المجنون الشبقي على أرض الواقع، تبعا لمحاذير اجتماعية أو دينية أو أخلاقية فرضت عليها هذا النوع من الحزن المجبول بالكآبة التي كثفته في انحيازها لهذا العنوان بظلاله السوداوية.
وتعري الشاعرة تاريخ الكبت الأنثوي في الشرق المغلوب على أمره في كل شيء، فتصف حقنها بإكسير الآلهة ولف جسدها باللاءات والجنازير الصدئة التي جعلتها زوجة لرجل غريب يزرع على جلدها الأشواك، هذا النص هو تعرية سياسية للجسد الأنثوي المنهوب؛ فالشاعرة تصف رحما مليئاً بكومة من الألغام وجفافا في البحيرة.
لكن هذا الموت هو الذي يولد الرغبة في حياة أخرى، ورقص على مسرح من التمثيل الصامت، (Pantomime) حيث يكمن التمرد في الخروج من الجلد الهرم والتحام الرماد بالنار إلى الأبد، فالشاعرة تريد استعادة ثمرة الجسد من الجوع لتعطيها لمن يستحق خمرة اللقاء.
وأخيراً، تبدو الشاعرة هند زيتوني في ديوانها جدران عازلة للحزن كمن يخلع ثيابه قطعةً بعد قطعة أمام القارئ، فلم يكن الحزن إلا ملاءة شفافة، وخلفه يكمن جسد يضج بالرغبة، ونهدان يقفزان كالأرانب، وشفاه ترفض رحيل القبلة، وأصابع تعزف على أوتار اللذة، وجسد لن تزول شهوته التي بدت شهوة مطلقة.
إن تعرية الشاعرة نفسها في هذه النصوص كشفت عن أن الجنون الذي تتحدث عنه هو جنون الشهوة التي ترفض الصمت الكافر، وأن عراءها هو الحالة الطبيعية للمرأة التي تريد أن تولد الآن من مشيمتها الخاصة، فزيتوني فككت شيفرات الشبق لتعلن أن الخطيئة هي تخلُّص من الهزيمة، وأن ممارسة الحُب مع النجوم هي الطريق الوحيد للنجاة من دمعة التابوت، وعليه، فإن هذا الديوان ليس بكاءً أو رثاء متوجعاً لحالة نفسية مأزومة، بل هو احتفال فاحش بالجسد الذي يأبى أن يتحول إلى حجر، وشهوة تصرّ على أن تظل دماءً تسيل في جوف الاشتياق الأبدي، لتملأ الروح عبر باب الجسد، لتحقق التوازن الذي يطلبه كل إنسان حيّ، سويّ، مستقيم، فدون هذا التوازن لا معنى للحياة أبداً.







