لم يكن اسم “السردوك” اختيارًا عابرًا. في الذاكرة الشعبية، السردوك هو الديك الذي يصيح مع الفجر، يوقظ النائمين، ويعلن بداية يوم جديد. ربما لهذا حمل العمود هذا الاسم؛ لأنه لم يكن يكتب ليُنوِّم الناس، وإنما ليوقظهم. قد يختلف الناس في تفسير التسمية، لكنهم يكادون يتفقون على أن المقال كان يصيح في وجه الواقع كما يصيح الديك في وجه الليل.
السؤال الذي يطاردني ليس: من كتب السردوك؟
السؤال الذي يحرق الورق هو: من أسكت صياحه؟
أقرأ مقالاته القديمة، فأشعر أن الكاتب كان يدخل إلى النص بلا خوذة، ولا درع، ولا مظلة نجاة. يدخل بقلب مكشوف، ويخرج وقد ترك وراءه مسؤولًا غاضبًا، ومواطنًا يبتسم، وصحفيًا يتعلم أن الكلمة لا تستأذن أحدًا.
ثم أنظر إلى كثير من مقالات اليوم…
فأبحث عن الكاتب فلا أجد إلا الموظف.
أبحث عن القلم فلا أجد إلا لوحة مفاتيح تخشى صوتها.
أبحث عن الحقيقة، فتستقبلني بيانات منمقة، وعناوين مصففة، وجمل تمشي على أطراف أصابعها حتى لا تزعج أحدًا.
لهذا بقي سؤال آخر يرفض الموت…
هل كان السردوك فعلًا قلم رجل واحد؟ أم كان مشروعًا صحفيًا صنعته عقول متعددة؟ لا أملك جوابًا، ولا أملك الحق في صناعة جواب من الخيال. لكنني أملك حق السؤال، لأن السؤال هو أول درجات الحرية، أما اليقين بلا دليل فهو أول درجات الوهم.
المشكلة ليست في معرفة الاسم.
المشكلة أن الصحافة فقدت الديك…
وصارت تربي العصافير.
العصفور يغرد…
أما الديك فيعلن الصباح.
العصفور يهرب من العاصفة…
أما الديك فيقف فوق السور ويصيح.
لهذا بقي السردوك في الذاكرة، وغادر كثير من الكتّاب الذاكرة قبل أن يغادروا المهنة.
واش راه صاري؟
كيف تحولت المقالات إلى نشرات مطمئنة لا تغضب أحدًا؟ كيف صار بعض الصحفيين يراجعون نبض المسؤول قبل أن يراجعوا نبض الشارع؟ كيف أصبحت الجرأة تهمة، والمجاملة مهارة، والصمت حكمة؟
القانون لم يمنح الصحفي حرية التعبير ليؤثث بها المكاتب، وإنما جعلها ضمانة لحماية المجتمع من تعفن السلطة، أي سلطة كانت. الصحفي الذي يكتب ليحافظ على مقعده، يخسر مقعده في ذاكرة الناس، حتى لو بقي جالسًا عليه سنوات.
يا حسراه…
لم يقتل السردوك توقف عموده.
السردوك يُقتل كل صباح، مع كل مقال يخاف أن يقول الحقيقة كاملة.
ويُولد من جديد كلما قرر صحفي أن يكتب وهو يعلم أن الكلمة قد تغضب، لكنها لن تخون.
لهذا لا أبحث عن صاحب السردوك…
أبحث عن الصحفي الذي يجرؤ أن يكون سردوكًا في زمنٍ صار فيه الصياح جريمة، وأصبح التصفيق مهنة، وصارت بعض الأقلام تبيع ضمائرها بـ”بونجور” في الصباح، و”يعطيك الصحة” في المساء.
فالسردوك لم يكن مجرد اسم…
كان امتحانًا.
وكثيرون رسبوا فيه.