نصوص الحكمة من أوغاريت :. صدى الروح الإنسانيةفي حضارة غابرة في رحلة إلى عالم أوغاريت الساحر وادبها العميق

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي| سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
وبين أطلال هذه المدينة التي كانت يومًا ما قلبًا نابضًا لحضارة مزدهرة يرقد في مكتوناتها كنز أدبي وإنساني لا يُقدّر بثمن. تلك هي أوغاريت المدينة الكنعانية التي لم تكن مجرد ميناء تجاري مزدهر بل كانت أيضًا منارة للفكر ومرآة لوجدان الإنسان القديم.
حين بدأ علماء الآثار في ثلاثينيات القرن العشرين بنفض الغبار عن تراب أوغاريت لم يتوقعوا أن يخرجوا من بين أنقاضها واحدة من أروع المكتبات الأدبية في التاريخ القديم. ألواح طينية نقشت عليها كلمات بمداد الحكمة والألم وبخط أوغاريتي مسماري فريد من نوعه تُحدثنا عن الإنسان هناك كما هو هنا: متألم متسائل محب ومؤمن.
لم تكن تلك النصوص مقتصرة على الطقوس الدينية أو الأساطير البطولية فحسب، بل تضمنت أيضًا أدب الحكمة ذاك النوع من النصوص الذي يتجاوز الزمن ويخاطب الروح البشرية أينما كانت. وما يثير الدهشة أن بعض هذه النصوص كُتبت بلغة أهل المدينة الأوغاريتيين أنفسهم لا بالآكادية الرسمية فقط مما يتيح لنا لمحة نادرة عن حكمة العامة من الناس لا الملوك والكهنة وحدهم.
ومن بين هذه النصوص يبرز نص أدبي فريد وصفه الباحثون بأنه من أروع ما وصلنا من أدب الشرق القديم حمل عنوانًا شاعريًا ومؤلمًا: “المتألمون المنصفون” أو “العادلون المتألمون”.
في هذه القصيدة يقف القارئ أمام مشهد إنساني عميق: رجل يحتضر جسده منهك من الألم، وحوله أفراد أسرته الذين عجزوا عن فعل أي شيء لإنقاذه. لا دواء ولا قربان ولا صلاة استطاعت أن تغير شيئًا من قدره. حتى الكهنة والمنجمون رفعوا أيديهم عجزًا ولم يعد لديهم تفسير لما يحدث.
ولكن وسط هذا الظلام تتوهج شعلة الإيمان. ففي عزّ ألمه لم يفقد الرجل ثقته بالآلهة. على العكس كان يذكر إلهه في كل نسمة يتنفسها يشكر رغم المصيبة ويعبد رغم القسوة ويحتمل رغم الانكسار.
تقول القصيدة بصوت ذلك الرجل:
“قدري يبقى قاتماً..
المنجم لا يستطيع توضيحه..
غير مفهومة هي فؤولي..
مستنفد هو بخور مفسر الأحلام..
لم يبقَ خرفان أضحية من أجل المنجم..
لا يستطيعون القول متى تنتهي آلامي..
…دموعي هي غذائي..
لا تخرج نسمة من فمي بدون ذكر إلهي..
أنا أحمد عمل إلهي الغاضب..
وأنا أعبده..
هو ضربني ورماني إلى البؤس..
وبؤس البؤس
لكنه أعاد فتح عينيّ المحجبتين..”
قصيدة تختزل في سطورها المفارقة الكبرى في تجربة الإنسان مع الألم والإيمان. فحتى حين تخونه القوى الأرضية يظل القلب معلقًا بما هو أسمى لا عن سذاجة بل عن يقين عميق بأن الآلهة رغم غضبها قادرة على العدل والمكافأة.
وفي نهاية النص يكافأ هذا الرجل المتألم لا بالشفاء فقط بل بالارتقاء. إذ ترفعه الآلهة إلى العالم الأعلى مكافأة على ثباته فيتحول من ضحية إلى رمز ومن شخص مجهول إلى صوت خالد.
هكذا كانت الحكمة في أوغاريت ليست مجرد أقوال مأثورة بل تجربة روحية وفلسفية حيّة تسردها نصوص أدبية تتجاوز الزمان والمكان وتُدهشنا إلى اليوم بعمقها الإنساني.
لقد أثبتت هذه الحضارة العريقة أن الإنسان في جوهره واحد في كل الأزمنة يتألم يتساءل يبحث عن معنى ويتمسك بخيط من نورحتى في أحلك اللحظات.
وستظل مكتشفات مدينة أوغاريت بما احتوت نصوصها الفخارية من حكمة وأساطير وشعر ترنّ في أسماعنا كصدى بعيدٍ من الماضي يهمس:
“أنا ضحية لآلامي… ولكن عيوني قد فُتحت من جديد.”؟..
عاشق اوغاريت.. غسان القيم..

الصورة المرفقة رمزية لعدم القدرة الحصول على صورة النص الأصلي..