الصمت دواء القلوب

 الدكتورة / آمنه ال عبدالسلام كاتبة- من سلطنة عمان

ليس الصمتُ دائمًا غيابًا للكلام، ولا هو عجزٌ عن البيان، بل قد يكون أبلغَ ما تقوله الأرواح حين تضيق اللغة عن حمل ما في الصدور. ففي بعض المواقف، يكون الكلام عبئًا على القلب، ويغدو الصمتُ ملاذًا يلوذ به الإنسان من ضجيج العالم، ومن ضجيج نفسه كذلك.
وللصمت حكمةٌ لا يدركها إلا من خبر الحياة، وعرف أن الكلمات ليست كلها سواء؛ فرب كلمةٍ أشعلت في القلب جرحًا لا يندمل، ورب صمتٍ حفظ ودًّا كان على شفا الانهيار. وليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُقال يستحق أن يُسمع، ولا كل ما نشعر به يحتاج إلى أن يتحول إلى كلمات.
إن القلب، حين يتعب، لا يحتاج دائمًا إلى من يكثر عليه الحديث، بل يحتاج إلى مساحةٍ هادئة يستعيد فيها اتزانه. هناك، في رحاب الصمت، تهدأ العاصفة، وتستكين الخواطر، وتعود الأشياء إلى أحجامها الحقيقية. وما أكثر ما نندم على كلماتٍ خرجت في لحظة غضب، وما أقل ما نندم على صمتٍ منحنا فرصةً لنراجع أنفسنا قبل أن نتكلم.
والصمت ليس انكفاءً عن الحياة، ولا هروبًا من مواجهة الحقيقة؛ إنما هو أحيانًا أعلى درجات الوعي. فالعاقل لا يفتح فمه كلما امتلأ قلبه، ولا يجيب عن كل استفزاز، ولا يدخل كل معركة تُدعى إليها نفسه. يعرف أن بعض الجدال لا ينتج إلا تعبًا، وأن بعض الخصومات لا يربح فيها أحد، وأن الانتصار الحقيقي قد يكون في أن يحفظ الإنسان قلبه من مرارةٍ كان يستطيع أن يتجنبها بكلمةٍ لم يقلها.
وفي العلاقات الإنسانية، يكون الصمت أحيانًا لغةً تفوق الكلام. قد يجلس المرء إلى جوار من يحب، فلا يحتاج إلى حديثٍ طويل؛ تكفي نظرةٌ صادقة، أو حضورٌ هادئ، أو يدٌ تمتد في لحظة انكسار. فثمة مشاعر لا تُقال، لأنها أكبر من أن تحتويها الجمل، وأعمق من أن تفي بها العبارات.
وقد يكون الصمت دواءً حين تعجز عن تغيير ما يؤلمك. فليس كل شيء في الحياة قابلًا للإصلاح، وليس كل غيابٍ يمكن تعويضه، وليس كل جرحٍ يستجيب للاعتذار. وفي مثل هذه المواطن، يتعلم الإنسان أن بعض الأشياء لا تُشفى بكثرة التفكير فيها، وإنما بتركها تمر، وبمنح القلب حقه في السكون، وبالإيمان أن الزمن قادرٌ على أن يضع فوق الجراح طبقةً من الطمأنينة.
غير أن للصمت وجهًا آخر؛ فليس كل صمتٍ حكمة، كما أن كثرة الكلام ليست دائمًا حماقة. قد يكون الصمت في موضع الحق ضعفًا، وقد يكون السكوت عن الظلم مشاركةً فيه، وقد يحتاج الإنسان إلى كلمةٍ شجاعة تنقذ قلبًا، أو ترد مظلمة، أو ترفع عن إنسانٍ حرجًا. لذلك ليست الحكمة في أن نصمت دائمًا، وإنما في أن نعرف متى نتكلم، ومتى نصمت، وما الذي يستحق أن يُقال.
إن أجمل الصمت ما كان وليد الحكمة، لا وليد الخوف؛ وما كان حفظًا للكرامة، لا عجزًا عن الدفاع عنها؛ وما كان رحمةً بالقلب، لا قطيعةً مع الحياة.
ولعل الإنسان كلما تقدم به العمر، أدرك أن راحة القلب ليست في كثرة من يتحدث إليهم، ولا في كثرة من يعرفونه، بل في قلة الضجيج من حوله، وفي وجود أرواحٍ يستطيع أن يكون معها كما هو، دون تصنعٍ أو شرحٍ أو دفاع.
فالصمت أحيانًا ليس فراغًا بين كلمتين، بل هو وطنٌ صغير تستريح فيه الروح من عناء الكلام. هو المسافة التي نمنحها لأنفسنا كي نفهم، والمهلة التي نمنحها لقلوبنا كي تهدأ، والستر الذي نضعه على مشاعرنا حين نخشى أن تفسدها الكلمات.
وحين تضيق بك الحياة، وتكثر حولك الأصوات، وتجد نفسك عاجزًا عن تفسير ما تشعر به، فلا تستعجل الكلام. اجلس قليلًا مع صمتك، ففيه قد تسمع ما عجزت عن سماعه وسط الضجيج.
فبعض القلوب لا تحتاج إلى جواب، بل إلى سكينة؛
وبعض الجراح لا تحتاج إلى شرح، بل إلى وقت؛
وبعض المواقف لا تحتاج إلى كلمة، بل إلى صمتٍ يحفظ ما تبقى من الود.
لهذا كان الصمت، في أرقى صوره، دواءً للقلوب؛ لا لأنه يمحو الألم، وإنما لأنه يمنح القلب فرصةً ليتعافى منه دون أن يزيده الكلام وجعًا.
الصمت ابلغ من الكلام ودواء لهدوء القلوب .