​بين النقد الرصين وسطوة الانطباعات: هل أتاح الفضاء الرقمي تسقيط الرموز الأدبية؟

​بين النقد الرصين وسطوة الانطباعات: هل أتاح الفضاء الرقمي تسقيط الرموز الأدبية؟

مصطفى بوغازي/ الجزائر

​في الفضاء الثقافي المعاصر، يعود الجدل ليطفو على سطح المشهد الإبداعي: أين ينتهي النقد البنّاء بوصفه أدوات تفكيكية تشرّح المعنى وتُثري التجربة، وأين يبدأ “التسقيط” الممنهج الموجه للإطاحة بالرموز؟ إنّ الحركة النقدية الموجهة ضد القامات الإبداعية من شعراء، وأدباء، ومفكرين، كثيراً ما تتأرجح بين كفتين متعارضتين؛ كفة ترى فيها محاولات تفتقر إلى النضج الإبداعي وتدفعها دوافع الذاتوية المحمومة أو الرغبة الظمأى في لفت الانتباه عبر تطاول الهامش على المركز، وكفة أخرى ترى في النقد ممارسة ضرورية لتطهير الفكر من أثقال التقديس وشوائب الأصنام الثقافية، مؤكدة أنه لا يوجد أنبياء في الأدب والفكر، ولا توجد نصوص مقدسة عصية على المساءلة والتعديل. إن هذه الجدلية لا تتوقف عند حدود السجال الصحفي أو الانطباعات العابرة، بل تتشابك في عمقها مع تحولات فلسفية ونقدية كبرى رَسَمَت ملامح الحداثة وما بعد الحداثة، وفي صدارتها مفهوما “قتل الأب” و”موت المؤلف”.
​ينحدر مفهوم “قتل الأب” في جذوره من الفلسفة والتحليل النفسي، ليرسم الصراع الأزلي بين الجيل الصاعد والرمز المؤسس. وعند إسقاط هذا المفهوم على الحقل الأدبي، يستحيل “قتل الأب” مجازاً نقدياً يُعبر عن رغبة اللاحق في إزاحة السالف لبناء مساحته الإبداعية الخاصة. غير أن المشهد الأدبي يتنازعه طرفان حادّان؛ فالطرف الأول يجنح نحو التقديس والأبوية الصارمة، إذ إن تحويل المبدعين الكبار إلى أيقونات عصية على المساس هو تكريسٌ مباشرٌ للسلطة الأبوية، وهي سلطة تحوّل التراث أو التجربة السابقة إلى نص مقدّس وتتعامل مع كل رؤية نقدية مغايرة بوصفها هرطقة خنقاً لروح التجديد. أما الطرف الثاني فيتمثل في التسقيط المجاني؛ حيث يتحول “قتل الأب” من فعل إبداعي أصيل يتجاوز الرائد عبر تفوق المعنى، إلى رغبة استعراضية في الهدم يسعى فيها الكاتب الناشئ إلى بناء مجده عبر النيل من شخص المبدع وهيبته بدلاً من تقديم نصٍّ أعمق.
​ولتفكيك هذا الصراع بين الهيبة والتسقيط، تُقدم الفلسفة التفكيكية أطروحة “موت المؤلف” التي تؤكد أن ولادة القارئ يجب أن تكون على حساب موت الكاتب؛ فالنص بمجرد طباعته يخرج من سلطة صاحبه التأويلية ليعيد القارئ إنتاجه وقراءته. وفي ضوء هذه الإضافة الفلسفية، يغدو التقديس عبثاً لأننا لا نعود نقدّس شخصاً أو نفترض وجود معنى حقيقي واحد أودعه الشارع الأدبي، وبالمثل يغدو التسقيط ممارسة لا معنى لها؛ لأن الهجوم على شخص الكاتب أو أخلاقه هو هجوم على جثة هامشية لا أثر لها في بنية النص الداخلية، ليتجه النقد الحقيقي حصراً نحو البنية النصية والآليات اللغوية.
​ثم جاء الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي ليعيد تشكيل هذه المعادلة الصاخبة كلياً؛ أتاح هذا العالم الافتراضي التعددي لكل فرد إمكانية التعبير وإبداء الرأي، ومحا المسافات الشاسعة التي كانت تفصل الجمهور عن منابر الخطاب النخبوية المحتكَرة. وفي جانبها المحمود، كسرت هذه الديمقراطية الرقمية الاحتكار وأسقطت الوصاية، فأتاحت للهامش أن يراجع المركز وللقراء أن يعبروا عن انطباعاتهم بحرية، مما أتاح مساحة من المساءلة الدائمة. غير أن لها جانباً مظلماً تمثل في سيادة الانطباعية السطحية؛ حيث اختلط الصوت النقدي الرصين بضجيج الملاسنات العابرة، وبات من السهل تحويل أي قراءة نقدية مبسطة إلى حملات تسقيط تتغذى على الخوارزميات ورغبة الإثارة، فغاب التفكيك التأويلي العميق لحساب الشعار المبتسر والتعليق السريع.

​إن الحد الفاصل بين النقد والتسقيط يكمن في موضوع الاشتغال والغاية المنشودة؛ فالنقد التفكيكي الأصيل يتجه نحو النص ببنيته ولغته ودلالاته بهدف إثراء المعرفة وتفكيك أليات إنتاج المعنى، ويتعامل مع الرمز بوصف نتاجه نصاً إنسانياً قابلاً للمراجعة دون المساس بشخصه. أما التسقيط الممنهج فيتجاوز البنية النصية ليستهدف الشخص بسيرته وسلوكه ونواياه، بدافع النزع المجاني للمكانة والبحث عن الحضور عبر الهدم، مما يترتب عليه تكريس الصخب المفتعل وإشاعة السطحية الرقمية.

​إن شجب الرأي الآخر وتكميم ألسنة النقد بدعوى الحفاظ على هيبة الرموز ليس إلا تكريساً لجمود ثقافي يخنق دماء التجديد ويصنع صروحاً من زجاج. وفي الوقت ذاته، فإن ممارسة الهدم العبثي باسم الحرية الرقمية وفرض وصاية الانطباعات العابرة يفرغان الفكر من قيمته العلمية والرصينة. إن الرمز الثقافي الحقيقي لا يضيره النقد التفكيكي العميق بل يتغذى عليه ويزداد به عمقاً وتأثيراً، والمشهد الثقافي الراشد هو ذاك الذي يتسع لصارمة المراجعة الشديدة دون أن يتردى في مجاهل الملاسنات؛ مشهد يُدرك أن “قتل الأب الأدبي” لا يعني إهانته بل يتجلى في تجاوز إنجازه بإنجازٍ أعمق وأكثر حداثة، وأن “موت المؤلف” ليس إلغاءً للإنسان، بل تحريرٌ للنص لكي يحيا في وجدان القراء