الإلكترونية والرقمنة (ميكنة المعاملات ورفع كفاءة الخدمات الحكومية في التشريع الليبي)

 

بقلم المستشارعبدالباسط صالح بن نجاح رئيس لجنة إدارة هيئة التأمين الطبي:

 

تعد الإدارة الإلكترونية ركيزة أساسية في تحديث المرفق العام وإعادة هيكلة أجهزة الدولة، إذ تنقل الوظيفة العامة من أنماطها البيروقراطية التقليدية القائمة على التعامل الورقي والشهود المباشر، إلى فضاء رقمي يعتمد السرعة والشفافية والتدفق الآمن للمعلومات.

 

ولم تعد ميكنة (أتمتة) الإجراءات الحكومية مجرد خيار رفاهية تنظيمي، بل أصبحت التزاماً قانونياً وضرورة مؤسسية تفرضها متطلبات الرقابة المباشرة وتحسين كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين. وفي هذا الصدد، أصلحت التشريعات الليبية البيئة القانونية الحاكمة لتستوعب مفهوم المعاملات الرقمية وتوفر لها الإطار الإجرائي والحماية اللازمة.

أولاً: الإطار التشريعي الحاكم للإدارة الإلكترونية في ليبيا

استجابت المنظومة التشريعية الليبية للتحولات التكنولوجية من خلال إصدار تشريعات متخصصة وضعت النواة القانونية للتنظيم الرقمي وكان أبرزها:

 

1. القانون رقم (6) لسنة 2022م بشأن المعاملات الإلكترونية: يمثل هذا القانون حجر الزاوية التشريعي للرقمنة في ليبيا حيث أقر بالاعتماد القانوني الكامل للمحررات والسجلات الإلكترونية، ومنحها ذات الحجية القانونية التي تتمتع بها المحررات الورقية الرسمية، شريطة استيفاء المعايير التقنية الخاصة بالسلامة وعدم التغيير (المادة 15 و 16 من القانون).

 

2. الاعتراف بالتوقيع والتصديق الإلكتروني: نظم القانون رقم (6) لسنة 2022م إطار التوقيع الإلكتروني، معتبراً إياه إثباتاً قانونياً لإرادة الموقع وشخصيته متى توافرت فيه شروط السيطرة التامة ومطابقة منظومة التوقيع، كما أسبغ حماية قانونية على خدمات التصديق لضمان سلامة التعاملات الواردة بين جهات الإدارة والمواطنين.

 

3. القانون رقم (5) لسنة 2022م بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية: وفر المشرع الليبي الحماية الجزائية للبيانات والأنظمة الحكومية، حيث نصت التشريعات على تجريم واضح لأفعال اختراق الأنظمة، والتعدي على البيانات الشخصية، وتعطيل سير المرافق العامة إلكترونياً (مثل المادة 35 من القانون)، مما يعزز الثقة العامة في المنظومات الرقمية الحكومية.

 

ثانياً: الأبعاد القانونية لأتمتة المعاملات الحكومية

تتحقق أتمتة المعاملات الإدارية عبر استبدال السلسلة الإجرائية التقليدية ببرمجيات وآليات رقمية تنفذ القرار الإداري بأسلوب أسرع وأدق، وتترتب على هذه العملية آثار قانونية مهمة:

• مشروعية القرار الإداري الإلكتروني: يستلزم صدور القرار الإداري عبر المنصات الرقمية تحقق أركانه كافة (السبب، الاختصاص، الشكل، المحل، والغاية). وتعد المحررات الصادرة عن المنظومات المعتمدة قرارات صادرة عن السلطة المختصة متى اقترنت بالتوقيع أو الختم الإلكتروني المعتمد. • الشفافية وحظر التمييز: تسهم الأتمتة في الحد من السلطة التقديرية للعنصر البشري المباشر، مما يقلل من فرص المحسوبية أو الفساد الإداري، ويضمن مبدأ مساواة المواطنين أمام المرافق العامة وفق أحكام الدستور والتشريعات المنظمة للوظيفة العامة. • سرعة وموثوقية الإجراءات: يلزم الإطار القانوني الجهات الإدارية بحفظ الوثائق والمستندات الرقمية بطريقة تضمن الوصول إليها وحمايتها من التعديل أو التلف لضمان حقوق ذوي الشأن في الطعن والمراجعة القضائية. ثالثاً: أثر التحول الرقمي على كفاءة الخدمات الحكومية وحقوق المواطنين

إن تفعيل الإدارة الإلكترونية ينعكس بشكل مباشر على الموازنة بين حقوق الإدارة وحقوق المتعاملين معها:

• تسهيل الولوج للخدمة العامة: يضمن النظام الرقمي كفالة حق المواطن في الحصول على الخدمة دون التقيد بالحدود الجغرافية أو ساعات الدوام التقليدية، وهو ما يجسد مبدأ استمرار سير المرافق العامة بانتظام واطراد. • حماية البيانات الشخصية والخصوصية: يلتزم مزودو الخدمات والجهات الحكومية بموجب قواعد التشريع الليبي بعدم جمع أو تداول بيانات المواطنين إلا في حدود ما تقتضيه الضرورة وللأغراض المحددة قانوناً، مع حظر استخدامها في غير غرضها بغير موافقة صاحب الشأن. • تقليل العبء المالي والزمني: تسهم ميكنة الخدمة في تقليص التكاليف المباشرة وغير المباشرة على خزينة الدولة وعلى المواطن، مما يحقق مبدأ الكفاءة الاقتصادية للوظيفة العامة. رابعاً: التحديات ومتطلبات التفعيل الكامل

رغم التطور التشريعي الذي شهدته الدولة الليبية في تنظيم المعاملات الرقمية، إلا أن التطبيق الناجح على أرض الواقع يتطلب التعامل مع جملة من التحديات:

• تطوير البنية التحتية التقنية: ربط مؤسسات الدولة بشبكات متكاملة عالية الأمان لضمان استمرارية الخدمات ورسم خطة للتعافي من الكوارث الرقمية. • إصدار اللوائح التنفيذية: سرعة استكمال اللوائح والقرارات التنفيذية الشارحة لمواد قانون المعاملات الإلكترونية وتحديد معايير هيئات التصديق المعتمدة. • التأهيل والتدريب: إعداد الكوادر البشرية في القطاع العام وتدريبهم على التعامل مع التشريعات والتقنيات الرقمية لضمان سلامة التطبيق القانوني والإداري.

أخيراً فإن الانتقال نحو الإدارة الإلكترونية والرقمنة لم يعد خياراً تنظيمياً بل ضرورة حتمية لإرساء دعائم دولة القانون والمؤسسات، ويوفر القانون الليبي رقم (6) لسنة 2022م بشأن المعاملات الإلكترونية والقوانين المكملة له الغطاء التشريعي الكافي للبدء في التحول الرقمي الشامل، ويبقى الرهان الحقيقي قائماً على مدى التزام المؤسسات التنفيذية بتطبيق هذه النصوص، وتحديث بنيتها التحتية، للوصول إلى إدارة عصرية موثوقة، شفافة، وقادرة على تقديم خدماتها للمواطنين بأعلى درجات الكفاءة والنزاهة.