أوغاريت حين سالت المحبة عن القناعة

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم آثار أكاديمي |سوري

في أوغاريت يوم كانت المدينة تنهض على كتف البحر وتفتح مرافئها لسفنٍ تحمل الأرجوان وخشب الأرز والنحاس كان الفجر يتسلّل رويدًا بين حجارة الأسوار ويلقي ضوءه على أبواب المعابد . فيما تتعالى من بعيد أصوات البحّارة وتستيقظ الأزقّة على وقع الحياة.
هناك، في تلك المدينة العظيمة التي تركت للأجيال أبجديّةً من حروف وذاكرةً من طين تخيّلتُ قلبي يمشي وحيدًا في باحة معبدٍ قديم يبحث بين الأعمدة عن سرٍّ طالما حيّره.. لماذا لا تشبع الروح من الحياة مهما نالت منها؟..
وعند عتبة المعبد حيث تتجاور ظلال الحجارة مع خيوط الشمس الأولى رأيتُ المحبّة جالسةً كأنّها تعرف أسئلة البشر منذ أوّل نبضة. كان البحر وراءها أزرقَ كحلمٍ لم تكتبه الألواح بعد وكانت نسمةٌ آتية من المرفأ تعبث بطرف ردائها.
اقتربتُ منها وقالت:
يا أيتها المحبّة أين القناعة؟ لقد سمعتُ أنّها تشارككِ الإقامة في هذا المكان وأنّها رفيقة الروح حين تتعب من الركض خلف الأمنيات وبلسم القلب حين يطول انتظاره.
رفعت المحبّة عينيها نحوي وابتسمت ابتسامةً تشبه شروق الشمس فوق مياه أوغاريت ثم قالت:
يا ابن الطين والبحر لقد رحلت القناعة إلى المدينة التي تتزاحم فيها المطامع حيث يزن الناس أيامهم بما يملكون ويقيسون سعادتهم بما ينقص الآخرين ويظنّون أنّ الحياة بابٌ لا يُفتح إلا بمفتاح الذهب.
أمّا هنا في رحاب المحبّة، فإنّ الروح لا تكفّ عن الحلم ولا تتخلّى عن شوقها إلى ما هو أوسع من حدود الأشياء.
انظر إلى أوغاريت كم من سفينةٍ غادرت مرفأها وشقّت عباب البحر لا تعرف أيّ شاطئٍ ينتظرها لكنها تمضي لأنّ في الأفق نداءً وفي المجهول وعدًا وفي قلب البحّار رغبةً في اكتشاف ما لم تقع عليه عيناه.
وهكذا هي النفس الإنسانية قد ترسو في مرفأ الأمان لكنها تظلّ تسمع نداء البحر.
فالسعادة ليست سكونًا دائمًا عند شاطئٍ واحد بل شوقٌ يعانقه الوصال وحلمٌ يجد في تحقّقه بدايةً لحلمٍ آخر.
ثم أشارت المحبّة إلى ألواح الطين التي خلّفها كتّاب أوغاريت وقالت:
أترى هذه الألواح؟.. لقد احتضنت كلمات الناس ورسائلهم، وشؤون حياتهم وحفظت لنا شيئًا من عالمٍ مضى. لكنّ الإنسان الذي نقش الحروف على الطين لم يكن يريد أن يحبس الحياة فيه أراد أن يمنحها عمرًا أطول من عمره.
وهكذا يفعل القلب حين يحبّ والعقل حين يبحث والروح حين تتطلّع إلى الكمال إنّها لا تكتفي بأن تعيش اللحظة بل تحاول أن تمنحها معنى يتجاوز حدودها.
أمّا القناعة فإنّ لها وجهين يا صديقي وجهًا يُنقذ الإنسان من جشعٍ لا ينتهي ويعلّمه أن يرى النعمة في رغيفه وبيته ووجوه أحبّته ووجهًا آخر قد يتحوّل إلى استسلامٍ يطفئ الرغبة في التعلّم والنموّ ويقنع المرء بأنّ ما بلغه هو آخر الممكن.
الأولى حكمة والثانية قيد.
فلا تخلط بين قلبٍ يرضى بما لديه وروحٍ تتخلّى عن حقّها في الحلم.
إنّ الرضا يحمي الإنسان من عبوديّة الامتلاك أمّا الشوق النبيل فيحميه من الركود وبينهما تتوازن الحياة ويجد القلب طريقه إلى السكينة دون أن يفقد جناحيه.
سكتت المحبّة ومضت ببصرها نحو المرفأ حيث كانت السفن تستعدّ للرحيل تحمل من أوغاريت ما صنعته الأيدي وتعود إليها بما جادت به الأراضي البعيدة.
وقالت:
انظر إلى تلك السفن لو اكتفت أوغاريت بما تعرفه من شواطئ لما اتّسعت تجارتها ولا تلاقت عند مرفئها لغات الشعوب وحكاياتها. ولو ظلّ كتّابها أسرى ما يعرفونه من علامات لما خطرت لهم إمكانية اختزال اللغة في حروفٍ تحمل الكلمات إلى البعيد.
ليس كلّ جديدٍ خلاصًا وليس كلّ قديمٍ قيدًا. لكنّ الحياة تنمو حين نملك شجاعة السؤال وحين نجرؤ على اكتشاف ما وراء الأفق دون أن نفقد احترامنا لما تعلّمناه في الطريق.
ثم التفتت إليّ وقالت بصوتٍ خفيض:
يا صديقي إنّ النفس الخالدة لا ترضى بالكمال الذي ينتهي لأنّها ترى في كلّ معرفةٍ بابًا لمعرفةٍ أخرى وفي كلّ جمالٍ نافذةً إلى جمالٍ أعمق.
والكمال الذي تطلبه الروح ليس امتلاك العالم بل توسيع قدرتها على فهمه ومحبّته.
أمّا اللانهاية فليست شاطئًا نصل إليه ونلقي مراسينا بل أفقٌ يتراجع كلّما اقتربنا منه ليذكّرنا بأنّ في الوجود أسرارًا لم تُكشف بعد وأنّ الإنسان يظلّ تلميذًا في مدرسة الحياة حتى آخر أنفاسه.
عندها شعرتُ بأنّ حجارة المعبد تصغي إلينا وأنّ البحر يردّد كلماتها على إيقاع الموج وأنّ الفجر الذي أضاء أوغاريت قبل آلاف السنين ما زال قادرًا على إضاءة زاويةٍ معتمة في القلب.
وفهمتُ أنّ المحبّة لم تطرد القناعة من مملكتها، كما أوهمني جوابها الأوّل بل كانت تحذّرني من قناعةٍ تُغلق الأبواب وتدعوني إلى قناعةٍ تفتح النوافذ.
قناعةٍ تجعلني أمتنّ لما أملك دون أن أزدري ما أطمح إليه وأفرح بما وصلت إليه دون أن أحتقر المسافة التي ما زالت تنتظرني.
وقبل أن يغادر الفجر باحة المعبد تخيّلتُ حكيمًا أوغاريتيًّا يجلس أمام لوحٍ طينيّ رطب ويغرس فيه علامات وصيّته الأخيرة:
يا ابن أوغاريت يا وريث البحر والطين
لا تجعل من القناعة جدارًا يحجب عنك الأفق ولا تجعل من الطموح ريحًا تقتلع جذورك.
اشرب من نبع الرضا كي لا تظمأ روحك إلى ما لا تملك وأبحر في بحر الحلم كي لا تموت فيك الرغبة في الاكتشاف.
أحبّ ما بين يديك واصنع بيديك ما لم يوجد بعد واعلم أنّ القلب الذي لا يعرف الامتنان يتعبه ما ينقصه وأنّ الروح التي لا تعرف الحلم يثقلها ما تملكه.
فليكن لك مرفأٌ تعود إليه وبحرٌ تشتاق إلى ارتياده ونجمةٌ تهدي خطاك حين تتشابه الجهات
ولا تسأل الحياة أن تمنحك كلّ شيء بل اسأل قلبك أن يتّسع لكلّ ما يجعل الحياة جديرةً بأن تُعاش.
ثم جفّ الطين على الرقيم وارتفعت الشمس فوق البحر..

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎