
قراءة نقدية في القصة القصيرة جدا( شجون) للقاصة الهام عيسى |الناقدة جليلة المازني
قراءة نقدية: “البصرذوشجون”.
القصة القصيرة جدا “شجون”
الكاتبة السورية: الهام عيسى.
الناقدة التونسية: جليلة المازني.
التصدير: يقول “فارازا كازي”وهو أديب هندي:
“ما تساءلتَ يوما عن الطريقة التي تقتل بها نفسك دون أن تموت؟
الأمر بسيط: أحِبَّ شخصا لا يُحبك”.
1- قراءة في العنوان”شجون”:
ان كلمة شجون حسب علماء اللغة هي جمع كلمة” شجن ” ولها في اللغة العربية دلالات ومعان عميقة ومتعددة تشير غالبا الى المشاعر الإنسانية المركبة.
وفي هذا الإطار:
– هل أن الكاتبة استخدمت كلمة” شجون” للدلالة على أنها أثارت الحزن والغم وتشعب المشاعر الذي ألمّ بالمحب المتكلم المعني بالأمر؟
– هل أن الكاتبة استخدمت كلمة ” شجون ” للدلالة على تداخل الأمور وتشعبها والتي منها اشتق مثل العرب الشهير” الحديث ذو شجون”؟
– هل أن الكاتبة استخدمت كلمة شجون ” للدلالة على الحاجة الملحة والاشتياق الشديد والشغف بالشيء؟
– هل أن الكاتبة استخدمت كلمة “شجون” لتجمع بين عمق الحزن وتشعب الأفكار والمشاعر داخل المعني بالأمر؟
لعل التحليل سيكشف لنا حقيقة هذه التساؤلات:
2- التحليل: ” البصرذو شجون”
ان الشجون هي في الحقيقة نتيجة لسبب كما في المثل الشهير “الحديث ذو شجون”
فالحديث سبّب جلب الشجون.
وفي هذا الإطار فان الكاتبة قلبت الترتيب المنطقي بين السبب والنتيجة فجعلت النتيجة في المتن والسبب في القفلة. وقد يكون هذا لسببين:
* قد تكون الكاتبة تعطي الأولوية للشجون التي استبدت بالمحبّ وما انتابه من عمق الحزن وتشعب المشاعر داخله ويكون بذلك التناغم بين العنوان والمتن.
* قد تكون الكاتبة قدمت النتيجة على السبب لضرورة الققجية في جعل القفلة مدهشة للقارئ وبذلك تكسر الكاتبة بين افق انتظار القارئ وأفق النص لتصنع المسافة الجمالية بين الأفقين حسب نظرية التلقي الحديثة لياوس وآيزر والمدرسة الألمانية.
أ- الشجون الذي استبد بالمحبّ:
الحب غرق دون إدراك النجاة/ إصرار على احتواء قلب المحبوبة دون درايتها/ إغداق خيالي بالروح/نسيان لحياته/ تمرد على كل قوانين الدنيا. وبالتالي هل ما عبر عنه هذا المحب من معاناة :
– هو افراط في الحب؟
– هو الحب الروحي؟
أ- افراط المحب في الحب:
ان الافراط في الحب حسب علم النفس (او ما يعرف بالتعلق المرضي او ادمان الحب)
ليس حالة صحّية بل هو اضطراب عاطفي وسلوكي يستنزف المحب.
وفي هذا الإطار هل أن الحب المفرط فيه هو:
– ادمان سلوكي لهذا المحب الى درجة الغرق فيه دون إدراك النجاة (اغرق في حبك ولا أدرك نجاتي) تماما كما الإدمان على المواد المخدرة حيث يبحث الدماغ باستمرار عن جرعات الدوبامين والاكسيتوسين المرتبطة بالشريك؟
– إنهاك الجهاز العصبي: الافراط في العطاء والمشاعر واغداق خيالي (وأغدق روحي من أجلك).
وهذا لا يضر بالجهاز العصبي فقط بل يسلبه الحياة بمنحها روحه (وأنسى كل حياتي).
– الارتباط بالصدمة: يرى عالم النفس “باتريك كارنز” إن الافراط في الحب غالبا ما يرتبط بان الشخص الذي يسبب الألم اوالتوتر العاطفي هو نفسه مصدر الشعور بالبهجة المؤقتة فيدخل المحب في دائرة مفرغة من المعاناة.
– فقدان الهوية الذاتية: لئن كان الحب الصحي يقوم على التوازن وتبادل الاحترام فان هذا الحب المفرط فيه قد دفع المحب الى إلغاء نفسه ونسيان لحياته (وأنسى كل حياتي) وتضحيات بلا مقابل (اغدق روحي من اجلك) وتوقع مبالغ فيه مما جعله يتمرّد (وأتمرد على كل قوانين الدنيا).
إنه نوع من الاختلال في التوازن النفسي والعاطفي.
يقول الناقد احمد خالد توفيق:” كانت الكارثة كلها في الافراط: الإفراط في الأمل في الحب في التوقعات في الانتظار في كل شيء”
ب- الحب الروحي:
ان ما اتسم به هذا الحب من إفراط يشي للقارئ بإن هذا المحب مرتبط بمحبوبة إمّا حبّا روحيا وإما حبا من طرف واحد وقول الكاتبة:” أحبك وهذا يكفيني” قد يدعم الاحتمالين وقد يدعم احتمالا واحدا:
– إن كان حبه روحيا فالحب الروحي حسب علماء النفس “هو أعمق وأصدق حالات الاتصال العاطفي والوجداني التي تجمع بين شخصين حيث تتخطى العلاقة حدود الجسد والمادة والمنافع الشخصية”.
بيْد أن قول المحبّ “احبك وهذا يكفيني” وباستخدام ضمير المتكلم المفرد ينفي هذا الحب الروحي الذي يقتضي الجمع بين روحين مرتبطين رغم المسافات حيث التجرد ونكران الأنا حيث يشعر كل واحد منهما أن الروح المقابلة تشبهه كانها جزء منه أو مرآة لروحه.
وبالتالي فقول هذا المحب “أحبك وهذا يكفيني” لا يدعم إلا احتمالا واحدا يتمثل في أن هذا الحب هو الموسوم ب”الحب من طرف واحد”:
ج- الحب من طرف واحد *
ان الحب من طرف واحد حسب علماء النفس هو شعور عاطفي غير متبادل يوجهه شخص نحو آخر دون ان يلقى الاستجابة نفسها ويصفه علماء النفس بأنه “علاقة ناقصة تفتقر لاهم ركائز الإرتباط السليم مثل التبادل والاهتمام والاستمرارية مما يتسبب في استنزاف الطاقة النفسية والشعور بالإجهاد العاطفي.
ولعل هذا ما حرك شجون المحب بمجرد أن رأى المحبوبة لا تهتمّ اليه ولا تكترث لوجوده.
2- البصر ذو شجون:
ان ما حرك شجون هذا المحب هو حاسة البصر التي جعلته يرى هذه “المحبوبة ” وهي غير مبالية به ولاهي مكترثة بوجوده ولا ملتفتة اليه (قال ذلك لها بملء إرادته مع ذاته وبقلب مهووس بحبها وهي لم تكترث)
انه يتحمل عبء الحب وحده والطرف الآخر لا يهتم وهو بذلك يعيش في أوهام راسما تخيلات وآمال مستقبلية لا ترتكز على واقع فعلي.
وبالتالي فان رؤيته لعدم اكتراثها به كانت سببا في تحريك شجونه التي باح بها في متن الققجية.
والقفلة هي تناص معنوي جزئي مع المثل العربي القديم “الحديث ذو شجون”.
بيْد أن الشجون هنا قد جلبتها رؤيته لها وهي تقطع الطريق الى الجانب الاخر.
تقول الكاتبة: “هذا ما دار من تخيلاته التي صورها لنفسه حين رآها من بعيد كانت تسير حتى وصلت إلى طرف الجانب الآخر من الطريق الذي كان سائقها الخاص ينتظرها فيه.”
ولئن كان “الحديث ذو شجون ” يقتضي القرب بين الطرفين وهما يتحدثان ف”البصر ذو شجون” قد يقتضي البعد وهذا أقسى على قلبه وأشدّ وقعا.
ولعل الأقسى من ذلك ان شجونه تحركت مرتين:
– مرة برؤيتها وهي لا تكترث لوجوده..
– مرة وهو يحدث نفسه بمعاناته من اجلها. (قال ذلك لها بملء إرادته مع ذاته وبقلب مهووس بحبها وهي لم تكترث)
الخاتمة:
ان البصر كان ذا شجون لهذا المحب الذي يطارد وهْما ويعيش سرابا مقابل محبوبة تجهل حبه ولا علم لها به (وأصر على أني أحتوي قلبك دون درايه منكِ)
وفي هذا الإطار كأني بالكاتبة ترثي الحب من طرف واحد وتبكي مُحبا يطارد حبا ميؤوسا منه وحبا يقابل بالاهمال واللامبالاة من الطرف الآخر الذي يجهل حبه.
ولعل القارئ هنا يستحضر قول بعض الادباء:
يقول ويليام شكسبير:” في الحب نكون كالأطفال لا نحسن التفكير ولا التحمل يفرحنا الاهتمام ويُبْكينا الإهمال.
يقول باولو كويلو:”إياك ومطاردة الحب فهو إن لم يُعط بحرية فلا قيمة له”.
بتاريخ :22/ 10/ 2026 ………المرجع:
*علم النفس والحب من طرف واحد-تسنيم معابرة -16 فيفري 2020 موقع موضوع
=========== الققجية “شجون” للكاتبة الهام عيسى=========
شجون
أغرق في حبك ولا أدرك نجاتي وأصر على أني أحتوي قلبك دون درايه منكِ’ وأغدق روحي من أجلك’ وأنسى كل حياتي ‘وأتمرد على كل قوانين الدنيا.
أحبك وهذا يكفيني.
قال ذلك لها بملء إرادته مع ذاته وبقلب مهووس بحبها وهي لم تكترث
هذا ما دار من تخيلاته التي صورها لنفسه حين رٱها من بعيد ‘كانت تسير حتى وصلت إلى طرف الجانب الٱخر من الطريق الذي كان سائقها الخاص ينتظرها فيه.








