
الصخرة الأثرية الغامضة
الصخرة الأثرية الغامضة
إن أرض الجزيرة العربية لم تكن بقعة قفرًا تمشي عليها الرياح بلا أثر، ولا صحراء ترسم الرمال ملامحَها عبثًا، بل كانت وعاءً مكينًا لحضارة عريقة ناطقة، ضربت في أديم التاريخ بأطناب راسخة. وتلك النقوش المنحوتة في صلاب الصخور، المخطوطة بماء العزم على متون الجبال ومعابد الأقدمين، ما هي إلا سجلات ناطقة ترفض النسيان، وتبوح بأسرار أمة أبت إلا أن تخط مجدها على وجه الأرض بحروف من حديد وحجر.
ولقد أخطأ من ظنّ أن تاريخ هذه الأرض يبدأ بعهد قريب، أو أن أهلها كانوا همجًا رعاعًا؛ بل جاءت تلك الخطوط والمساند المنقوشة في جنبات نجران وعلاها وجنوبها وشمالها؛ لتكشف عن بصائر قوم شادوا المدائن، ونظموا التجارة على طريق البخور والتوابل، وأسسوا ممالك ذات بأس وشأن، وعبدوا الله أو دانوا بشرائع وأعراف تنظم أمر معاشهم ومجتمعاتهم. فهذا خط المسند الهندسي البديع في اليمن وممالكها، وتلك النقوش الثمودية واللحيانية والصفائية المنتشرة في شمال الجزيرة ووسطها، إنما هي شواهد صدق تنطق بلغة عربية عريقة، وتؤكد عمق الجذور وتأصل الهوية قبل فجر الإسلام بدهور طويلة.
وما عاد العبث التاريخي أو التجني المنهجي ليطمس تلك الحقائق؛ فقد نهضت هذه النقوش من بين ركام النسيان لتغدو مرجعًا علميًا أشمّ، وميزانًا دقيقًا يعتمد عليه الباحثون والمؤرخون في استجلاء تاريخ الشرق الأدنى القديم برمته. لقد سدت هذه الحجار الصامتة ثغرات عظمى في تاريخ الإنسانية، وربطت الحاضر بالماضي، وأقامت الحجة الدامغة على أن الجزيرة العربية كانت مهدًا لوثبة حضارية كبرى، لا يستغني باحث عن العودة إليها لفهم سياقات المنطقة وتفاعلاتها القديمة.
فسلام على تلك الصخور التي حفظت للأمة وجهها، وسلام على حروف ناطقة أبت الصمت حين خرست الأصوات.
د. هند خليل مروان





