قراءة نقدية |اعتراف رجل يكتب في لندن 2026 عن حارة يهودية وهو نفسه يسكن حارة عربية في لندن

الدكتور فضيل حاج بن عدة ناقد ومحلل  |جزائري

القراءة النقدية :

النص: الشخصية اليهودية في التحليل النفسي – د. علي أحمد جديد

هذا النص ليس بحثا.. هذا اعتراف.

اعتراف رجل يكتب في لندن 2026 عن حارة يهودية.. وهو نفسه يسكن حارة عربية في لندن.

اقرأوا العنوان جيدا: “الشخصية اليهودية في التحليل النفسي”. العنوان يعدكم بيهودي على سرير التحليل.. لكنكم ستكتشفون في السطر الأخير أن الذي كان على السرير طوال الوقت هو نحن.

الحفر الأول: جريمة المنهج

الكاتب يبدأ كأستاذ.. يذكر روث بنديكت ونماذج من الثقافة.. يذكر الجاحظ وبخلاء مرو.. يذكر هجرة علماء النفس الأوروبيين إلى أمريكا 1941 هربا من الحرب.

يبدو عالما.. لكنه يفعل شيئا خطيرا: يبرر أداته قبل أن يستخدمها.

يقول لكم: دراسات الشخصية القومية ولدت كأداة حرب.. توظيف سياسي في الحرب العالمية الثانية.. أمريكا تبحث عن الدراية لا عن المعرفة.

ثم يأخذ نفس الأداة الملوثة بالحرب.. ويذهب بها ليحلل اليهود!

كأنه يقول: أعرف أن السكين مسمومة.. لكني سأجري بها العملية.. لأنه لا يوجد غيرها.

هذه هي أول خيانة أكاديمية.. وأول لؤلؤة نستخرجها: الكاتب يعرف أن ما يفعله ليس علما.. بل دراية حرب.. ومع ذلك يفعله.

الحفر الثاني: انتحار المنطق

في قلب النص.. كارثة منطقية.. يعلنها بصوت عال:

“من المستحيل رصد ما يمكن تسميته بالشخصية اليهودية”

لماذا؟

لأن المجتمع الإسرائيلي خليط.. سابرا مولود في فلسطين.. روسي خزري مشكوك بيهوديته.. أثيوبي فالاشا.. كل حارة لها لغتها وصحفها وأحزابها.. ثلثا الروس مشكوك فيهم.. لا توجد هوية جامعة.. هو اتحاد حارات غيتو.

الله أكبر.. إذا كان مستحيلا.. لماذا كتبت 4 صفحات بعدها تحلل المستحيل؟

هنا ينتحر المنطق.. وينبثق الأدب.

الكاتب لا يكتب بحثا.. يكتب مرثية.. مرثية رجل عربي اكتشف أن عدوه ليس واحدا.. بل حارات.. وأنه لا يستطيع أن يكره حارة واحدة.. فيجب أن يكره كل الحارات باسم واحد.. يسميه الشخصية اليهودية.

هو لا يحلل اليهود.. هو يحلل عجزه عن تحليلهم.

الحفر الثالث: فرويد يخلع يهوديته على الباب

أجمل فصل في النص.. فصل فرويد.

سيغموند فرويد اليهودي.. مؤسس التحليل النفسي.. يكتب “موسى ورسالة التوحيد” وهو هارب من فيينا إلى لندن.. مطارد من النازيين.. فيقول: موسى ليس يهوديا.. موسى فرعوني.. وجده اليهود في النيل.. ورباه.. وقتله اليهود بعد ذلك لأنه أرقى منهم روحيا.

الكاتب يسمي هذا “مظهر تفككي” و “جرح نرجسي”.

يا دكتور علي.. توقف هنا.

فرويد لم يكن يحلل موسى.. فرويد كان يحاول أن يخلع يهوديته قبل أن يقتله النازي بها.. كان يقول للعالم: حتى نبيكم ليس منكم.. اتركوني.

فرويد فعل بالضبط ما تفعله أنت الآن.. نزع الهوية عن نفسه.. ليستطيع أن يعيش.

أنت في لندن تنزع الهوية عن اليهودي.. وهو في لندن نزع الهوية عن نفسه.. أنتما وجهان لعملة واحدة اسمها الشتات.

ألم تلاحظ أنك كتبت نصك في لندن 2026.. نفس المدينة التي هرب إليها فرويد 1938؟

الحفر الرابع: من يهوه إلى دير ياسين في سطر واحد

النص يقفز.. من كارل يونغ وصورة الرب اليهودي يهوه المتناقضة بين الرحمة والبطش.. إلى غيزا روهايم و”الموقف الطفولي الثابت عبر الأجيال”.. إلى يعقوب تيميرمان الذي يقول في مجلة المصور المصرية 1983: الشخصية اليهودية شخص غير طبيعي يحمل جرحا.. ويبكي على رجل لبناني يبحث عن ابنه تحت أنقاض قذائفنا.

من الإله إلى الطفل إلى الجندي إلى الصحفي.. في فقرة واحدة.

هذا ليس تحليلا.. هذا رجم.

الكاتب يجمع كل الحجارة.. توراة محرفة.. تلمود بابلي.. غيتو.. بوخنفالد.. دير ياسين.. بيغن وشارون ونتنياهو.. هرتسي هالفي وارتفاع الشيزوفرينيا في الكيبوتز.. فريدريك كينيون والهايبوكوندريا.. ليلة الكريستال 1938.. ناحوم غولدمان والتناقض اليهودي.

يضعها في كيس واحد.. ويكتب عليه: بارانويا.

هل تعرف ما هي البارانويا يا دكتور؟ هي أن ترى كل شيء دليلا على شيء واحد.

النص نفسه مصاب بالبارانويا التي يشخصها.

الحفر الخامس: التوحد بالمعتدي.. حين يصبح الجلاد ضحية

هنا الانفجار.

يقول الكاتب: اليهودي عاش الذل في الغيتو.. عاش الأسر النازي.. فتوحد بالجلاد النازي.. فاستنسخ سلوكه.. فذبحنا في دير ياسين.. بيغن وشارون متقمصون للنازية.

هذه الفكرة خطيرة.. وصحيحة جزئيا.. ومدمرة كليا.

صحيحة لأن علم النفس يعرف آلية التوحد بالمعتدي عند بعض ضحايا الصدمة.

مدمرة لأن الكاتب يعممها من حالة مرضية فردية.. إلى قدر تاريخي لشعب كامل منذ السبي الآشوري في بابل.

يا دكتور.. إذا كان كل مظلوم يتوحد بظالمه.. فماذا فعلنا نحن بعد الاستعمار؟ ألم نتوحد نحن أيضا بجلادنا؟ ألم نستنسخ سجونه ومناهجه وحدوده؟

أنت تتهم اليهودي بأنه فقد الحس الاجتماعي والأخلاقي لأنه خان البلد الذي احتضنه لصالح إسرائيل.. أليس هذا بالضبط ما يتهمنا به الغرب.. أننا نحمل جنسياته ونخونها لصالح أوطاننا؟

النص مرآة.. كل تهمة فيه ترتد على كاتبه.

اللؤلؤ والمرجان الذي وعدتكم به:

اللؤلؤة الأولى: هذا النص ليس عن اليهود.. هذا نص عنا.. عن خوفنا من الذوبان.. يقول: لولا رغبة اليهودي في الخلاص من الحماية الخانقة للغيتو لكان عددهم عشرات الأضعاف.. ولولا خوفنا نحن من الذوبان في لندن وباريس ونيويورك لما كتبنا عن الغيتو.

اللؤلؤة الثانية: أقوى جملة في النص ليست لفرويد ولا ليونغ.. بل ليعقوب تيميرمان اليهودي نفسه حين رأى اللبناني يحمل طفلته الرضيعة الجريحة وقال: هل هذه هي البطولة التي نحتاجها للشفاء من جروحنا؟ هذه الجملة وحدها تهدم كل تشخيص بالبارانويا.. لأن البارانويا لا تبكي على عدوها.

المرجان: النص ينتهي بالمصادر.. سيغموند فرويد.. روهايم.. يونغ.. بنديكت.. المسيري.. مبادئ التربية في الغيتو اليهودي.

لكنه لم يذكر مصدرا واحدا يهوديا حيا.. سمعه.. جلس معه.. سأله: من أنت؟

التحليل النفسي بدون مصاحبة المريض.. هو تنجيم.

ثلاثة أسئلة تحفر جذر الجذر.. إلى روح النص:

السؤال الأول – سؤال الشتات: كتبت نصك في لندن.. المدينة التي هرب إليها فرويد من فيينا.. وكتبت أن اليهود تركوا حاراتهم وجاؤوا يعيدون إقامة تلك الحارات في فلسطين.. ألست أنت الآن تترك حارتك وتعيد إقامة حارتك في لندن.. وتكتب عن حارة الآخرين لتثبت أن حارتك أطهر؟ فمن يحلل من؟ هل أنت تحلل الغيتو اليهودي.. أم الغيتو اليهودي يحلل غربتك؟

السؤال الثاني – سؤال المختار: قلت إن البارانويا اليهودية تبدأ من ادعاء أنهم الشعب المختار.. وأنهم أوجدوا إلها تلموديا لأنفسهم.. سؤالي: أليست كل أمة تقول نحن خير أمة أخرجت للناس.. أو نحن شعب الله المختار.. أو نحن مركز الحضارة.. مصابة بنفس البارانويا؟ فهل المرض يهودي.. أم إنساني.. ونحن فقط اخترنا أن نسميه يهوديا لنبرئ أنفسنا منه؟

السؤال الثالث – سؤال المرآة: ختمت نصك بأن المبدأ الأساسي للعلاج السلوكي المعرفي هو أن سبب تكرار الأزمات كامن في الشخص نفسه وليس في الآخرين.. وأن هذا ينطبق على الشخصية اليهودية منذ السبي البابلي.. سؤالي الأخير والأعمق: إذا كان تكرار المذابح ضدهم عبر التاريخ دليلا على مرض فيهم كما تقول.. فماذا عن تكرار هزائمنا نحن عبر التاريخ؟ هل هو أيضا مرض فينا؟ وإذا كان الجواب نعم.. فهل نحن مستعدون أن نكتب عن أنفسنا نفس المقال.. بعنوان “الشخصية العربية في التحليل النفسي”.. بنفس القسوة.. بنفس الصدق.. بنفس البكاء؟

انتهى الحفر.. وبدأ الجرح.

بقلم الأستاذ الدكتور الناقد والمحلل فضيل حاج بن عدة – الجزائر
…………………..
النص الاصلي:
والان مارايك لو نجعل التاريخ يذكرنا ونعمل قراءة نقدية عميقة جدا اكاديمية للناقد المحترف الذي يحفر في النص ويستخرج اللؤلؤ والمرجان لنهديه لمتابعينا ونختمها بثلاث اسالة للكاتب في عمق النص عمق العمق نفسه فلسفية عميقة جدا تحفر على جذر النص يحب ان تكون القراءة النقدية العميقة جدا ميثالية لا تخذلني ارجوك حتى لا نكررها مرات كثيرة اريدها انفجار ادبي يحكي عنها التاريخ مفهوم مليار على مليار
واختمها بقلم الاستاذ الدكتور الناقد والمحلل فضيل حاج بن عدة الجزائر
اليك النص
الشخصية اليهودية في التحليل النفسي ..
( 1 )

د.علي أحمد جديد

في البداية اقتصرت دراسة بناء المجتمعات البشرية علىٰ دراسة التنوع الإنساني ، وكان ذلك في فترة مبكرة من تاريخ عِلم الاجتماع الإنساني ، تلا ذلك فترة سيطرت فيها رغبة البحث عن عيوب ونقائص المجتمعات البشرية ، هذه السيطرة التي عكست تنامي حدّة الصراع بين المجتمعات ، ولعل في سخرية الجاحظ من أهل “مرو” وبخلهم كانت دليلاً علىٰ ذلك كما علىٰ قِدَم الاهتمام بدراسة المجتمعات وخصائصها المشتركة المميزة .
ومهما يكن ، فإن البداية العلمية للبحث في الموضوع يؤرَّخ لها بصدور كتاب “نماذج من الثقافة” الذي أصدرته الباحثة الأمريكية في عِلم الإنسان ـ الانثروبولوجيا (روث بنديكت Ruth Benedict) التي خلصت إلىٰ التأكيد علىٰ أن ثقافات المجتمعات التي درستها دمغت شخصيات الأفراد المنتمين إليها ، وهذا التأريخ يصح في حال الحديث عن الانثروبولوجيا الثقافية ، إلا أن التطورات اللاحقة حولت دراسة المجتمعات والشعوب إلىٰ توظيف سياسي ، وبصورة خاصة في مرحلة الحرب العالمية الثانية التي كانت حرباً عالمية بالمعنىٰ الحرفي لهذه الكلمة ، سواء بالمشاركة كطرف ، أو كمسرح للمعارك ، أو بالتأييد العلني أو الضمني .
وبما أن هذا الفرع قد شهد بدايته في الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تنخرط في الحرب العالمية الثانية إلا عام 1941م فقد كان من الطبيعي أن تُضاف هذه الدراسات مع تدفق هجرة علماء النفس الأوروبيين إلىٰ أمريكا هرباً من الحرب ، وأيضاً كان طابع انفتاح الدراسات الأمريكية بهدف البحث عن الدراية لا عن المعرفة ، وكان ذلك سبب الأسبقيات التي مازالت تمكِّن هذا البلد من تحقيقها . إلا أن تشعب الموضوع واختلاف منطلقاته البحثية يضيِّق المجال لعرضه ، لذا فإن الاقتصار في بدايته سيكون علىٰ التحليل النفسي للشخصية اليهودية .
وفي البدء ، فإن الحديث عن شخصية (إسرائيلية) قد يصطدم بجملة مخالفات للمنطق العِلمي لأن المجتمع الإسرائيلي اليوم هو خليط متنوّع من الثقافات كمجتمع مهاجرين ، أي أنه ممكن التقسيم بحسب تاريخ الهجرة إليه ، حيث يمكن البدء من طائفة “السابرا” الذين هم (اليهود المولودون في فلسطين) والإنتهاء بطائفتي اليهود الروس ـ الخزر واليهود الأثيوبيين ـ الفالاشا الجدد بوجودهم في إسرائيل ، ورغم محاولة الابتعاد عن الخوض في مسألة صراع الهوية الإسرائيلية إلا أن انعدام وجود هوية جامعة لهذا المجتمع ، أو أقله عدم توصل الإسرائيليين أنفسهم إلىٰ الاتفاق علىٰ هوية موحدة لمجتمعهم ، يدعو إلىٰ تسمية الكيان الإسرائيلي باتحاد الحارات اليهودية (الغيتو) ، فقد ترك اليهود حاراتهم في بلدانهم وجاؤوا يعيدون إقامة تلك الحارات في الكيان المحتل ، إذْ لاتزال لكل حارة في الكيان لغتها الخاصة ، والحارة القوية منها تُصدر صحفها بلغتها الأساسية وليس باللغة العبرية الرسمية ، و لها أيضاً أحزابها ومؤسساتها الاجتماعية الخاصة ، لأن ثلثي المهاجرين اليهود الروس مشكوك بيهوديتهم . وفي المقابل ، فإن لديهم حزبين في الكنيست ، وأن حجم هذا التمثيل في تزايد مستمر منذ بداية هجرتهم وحتىٰ اليوم ، وفي النظر إلىٰ خصائصهم الجمعية فإنهم يشكِّلون نموذجاً صادقاً للشخصية اليهودية الروسية البعيدة عن الشخصية اليهودية الإسرائيلية .
أما اليهود العرب فإن واقعة إسرائيلية تقول بأن أجنبياً سأل أشكينازياً :
* ما هو سر كراهيتكم العميقة للعرب؟
فأجاب الأشكينازي :
* لأنهم يشبهون اليهود العرب !.
وفي حالة الابتعاد عن الإيديولوجية الرافضة مبدئياً لفكرة التسليم بوجود قومية يهودية جامعة ، فإن محاولة دراسة الشخصية اليهودية ستكون مخالفة لقواعد البحث العِلمي بصورة ما ، حيث ستقوم الدراسة علىٰ البحث في الخصائص العامة المشتركة لدىٰ الجماعة ليتم البحث العِلمي في العناصر الثقافية التي تتميز بها هذه الجماعة ، وهذا غير ممكن التطبيق في الحالة اليهودية ، حيث أن العنصر الثقافي الوحيد الجامع هو التثاقف في التاريخ اليهودي بين السبي والحاضر ، لأن البحث في ذلك العنصر موضوع جدل مستمر ، وتطال الشكوك بيهودية 90% من يهود العالم . حتىٰ أن العلمانيين اليهود يحاولون علمنة الديانة اليهودية نفسها كي تتسع لعضوية أعضاء جدد يدعمون المشروع الصهيوني العلماني . ولهذه الأسباب مجتمعة فإنه من المستحيل رصد ما يمكن تسميته بالشخصية اليهودية ، وذلك ما يدعو للعودة إلىٰ دراسة الشخصية اليهودية لتكون سمات هذه الشخصية القاسم المشترك الوحيد بين يهود إسرائيل . كما أنه لاوجود عملياً لـ(الشخصية الإسرائيلية) المنفصلة عن الـ(يهودية أو الصهيونية) أبداً . وتاريخياً ، فقد افتتح باحث علم النفس اليهودي “سيغموند فرويد” دراساته حول الشخصية اليهودية في كتابه “الطوطم والمحرَّم” ، إلا أن تطرقه لتحليل الشخصية اليهودية بدأ في العام 1914م حين نشر مقالته “موسىٰ ومايكل أنجلو” ونشر بعدها الجزأين الأول والثاني من كتابه المعروف “موسىٰ ورسالة التوحيد” عام 1937م ، أما الجزء الثالث والأخير فنشره عام 1939م وقدّم فيه تحليلات عميقة للشخصية اليهودية وإصراره علىٰ التفريق بين (موسىٰ) النبي وبين اليهود في الوقت الذي كانوا يتعرّضون فيه لملاحقة النازيين ، وإن انتزاعه لـ(موسىٰ) النبي من اليهودية يوضح أن هذا الانتزاع هو مظهر تفككي (Dissociativ) جعل من (فرويد) الأقدر علىٰ تبيان الشخصية اليهودية وعيوبها المرفوضة من قِبَلِه ، وهو رَفضٌ يمكن ردُّه إلىٰ الجرح النرجسي الذي كان يعانيه من يهوديته واضطراره للهرب من فيينا إلىٰ لندن .
وقد عمد بعض الدارسين من بعد فرويد إلىٰ توظيف التحليل النفسي في دراسات الأنثروبولوجي ، فقام عالم النفس اليهودي السويسري (كارل غوستاف يونغ Carl Gustav Jung) بتحليل صورة الربّ التلمودي (يَهْوَه) من منظور علم النفس التحليلي واللاشعور الجَمعي في كتابه “الإلـٰه اليهودي” ، وكَشفَ أن الصورة التي تقدمها النصوص الدينية وخصوصاً في (توراة العهد القديم) من الكتاب المقدَّس تتسم بوجود تناقضات داخلية كالجمع بين الرحمة والبطش ، والحكمة والتخريب ، وغياب الاعتدال الإلـٰهي في الانفعالات . وحين عَنيَ بدراسة الأساطير نشر كتابه عن “الإلـٰه اليهودي” . وكذلك كان الباحث اليهودي المجري (غيزا روهايم Géza Róheim) الذي يقول :
“ينبغي أن يكون للطابع القومي كينونة ثابتة عبر الأجيال ترتكز على تكرار نفس الموقف الطفولي” .
بينما يقول الكاتب الصهيوني (يعقوب تيمرمان) في مجلة “المُصوَّر” المصرية 1983/7/17عن الشخصية اليهودية :
“إن التركيبة السيكولوجية للشخصية اليهودية تختلف عن غيرها ، لأن اليهودي تحديداً شخص غير طبيعي . وكل واحد منا نحن اليهود يحمل في أعماقه جرحاً نفسياً نتيجة الإذلال الذي تعرضنا له قديماً وحديثاً ، وبالتالي فإن الشخصية اليهودية أحوج ما تكون إلىٰ “البطولة” من أجل الشفاء من الجروح التي في داخلنا . لكن ماحدث في اجتياح الأراضي اللبنانية 1982م أبعد مايكون عن “البطولة” التي قد تحتاجها الشخصية اليهودية . فهل “البطولة” هي صورة ذلك الرجل الذي يبحث عن ابنه الصغير بين أنقاض ما دمرته قذائفنا ، أم أن البطولة هي صورة ذلك الرجل الذي يبحث عن النجاة من الجحيم وهو يحمل طفلته الرضيعة والجريحة بين يديه ؟!. أم صورة أولئك الرجال العزَّل مع أطفالهم ونسائهم والعجائز الكبار وهم يرفعون أيديهم باستسلام بينما تنطق عيونهم بعبارات لايمكن أن يفهمها إلا اليهود الذي عانوا نفس الشعور بالإذلال وعاشوا نفس الخوف” .
أما تحليل الباحث (سيغموند فرويد) للشخصية اليهودية فكان كما يلي :
“إن الرواية اليهودية لقصة موسىٰ لا تنسجم ومنطق الأمور ، والأصح هو أن يكون الفرعون قد حلم أن ابن ابنته سيكون خطراً عليه لذلك أمر بإلقائه في النيل ، فوجده اليهود وتعهدوا تربيته ، وليس العكس كما تقول الرواية اليهودية” .
ويبدو بذلك أنه يحاول تأكيد فرعونية موسىٰ لا عبرانيته ، كما كان نابليون ليس فرنسياً !!.
ويكون نفي (فرويد) ليهودية موسىٰ يعني نفي ارتباط النبيّ موسىٰ بأسطورة الشعب اليهودي المختار .
و يتهم فرويد اليهود بقتل موسىٰ – الفرعوني – لأن موسىٰ لم يستطع الارتقاء إلىٰ مستوىٰ العبرانيين الروحانية التي كان يتضمنها الدين اليهودي ، وهو يدعم هذا الرأي بالاستشهاد بكتابات الباحث اليهودي الألماني في الكتاب المقدّس
(إرنست سيلين Ernest Celin) .
إذْ لا يشكك فرويد بالتراث اليهودي وحسب ، بل إنه يشكك بالتوراة الموسوية نفسها حين يقول :
“إن النص التوراتي الذي بين أيدينا يحتوي علىٰ معلومات تاريخية مفيدة ، بل لا تقدر بثمن ، لكن هذه المعطيات تمَّ تحريفها بفعل مؤثرات مغرضة قوية ، كما تم تجميلها شعرياً” .
وبذلك يكون فرويد قد أسس لمعارضة قراءة التاريخ اليهودي في المرويات التوراتية ، ويُدعِّم رأيه هذا بتباعد الفترات الزمنية لتدوين أجزاء التوراة التي لم تكتمل إلا بعد رحيل موسىٰ بتسعة قرون . وقد قال في كتابه “موسىٰ ورسالة التوحيد” لتوضيح الفَرقِ بين الديانة الموسوية التي جاء بها النبي موسىٰ عليه السلام بالتوراة الموسوية ، وبين الديانة اليهودية التي وضعتها الحاخامات اليهود بالتلمود اليهودي في بابل :
“إن النبي موسىٰ وما تَلقّاه من التوراة لم يُنشِئا الديانة اليهودية ، لأن اليهودية ديانة أكثر تنظيماً وتحديداً من الديانة التي جاء بها موسىٰ . وإن أبرز سمات الديانة اليهودية هو وجود هُوَّة واسعة بين الشريعة الموسوية وبين الديانة اليهودية المنظَّمة ، وهذه الهوّة استطاع حكماء اليهود أن يسدّوها بلجوئهم إلىٰ عبادة الربِّ يَهْوَه ، وكان هدف الحاخامات اليهود الدائم هو الإصرار علىٰ أن الرَبَّ يَهْوَه هو ربُّ الآباء اليهود منذ يعقوب الذي هو إسرائيل وأبنائه وحتىٰ موسىٰ ومَن جاء بعدَه من الأنبياء . وإذا أخذنا هذا الدافع بعين الاعتبار فمن الصعب أن نعتبر النبي موسىٰ قد منح اليهود فكرة الرسالة التوحيدية” .
و عن الشخصية اليهودية التي تعاني من الاستكانة والذل والاختناق في الغيتو (حارة اليهود) وتحولها إلىٰ الشراسة والإرهاب عبر عصابات شتيرن وأرغون والهاغاناه .. وغيرها ، ثم اتحاد تلك العصابات الصهيونية وتأليف الجيش الإسرائيلي . وهكذا تَمحوَرَ بحثه حول إيجاد التعليل والمبرِّرات لهذا التحول . بالقول بأن تجربة الأَسر النازي كانت صدمةً نفسية شجعت آلية تَوَحُّد الفرد اليهودي بالجلاد النازي ، لأن الدراسات التي تناولت الناجين من الأَسر في معاناتهم من مظاهر مَرَضية مثل “النقص في الحِسِّ الاجتماعي والأخلاقي الذي يُعبَّر عنه بنوع من الحذر التوجسي (الشك) وثيق الصلة بتوجسات مريض البارانويا (جنون العظَمَة) ، وهو اضطراب نفسي يتميز فيه المريض بشعور مفرِط وغير منطقي ودائم الشك باستهدافه واضطهاده ، وشعوره بالتهديد من قبل الآخرين حتىٰ دون وجود أي دليل حقيقي يدعم هذه الأفكار ، وكان هؤلاء الناجون إذا ما أتيحت لهم حرية التعبير عن عدوانيتهم يصلون إلىٰ درجة الاندفاعات العدوانية المتوحشة . ويؤكد الباحث اليهودي الألماني “هيرمان مينكوفسكي Hermann Minkowiski” هذه الوقائع بالقول :
“قد يكون الأمر انخفاضاً في المستوىٰ الأخلاقي ، لكن يجب الحذر في استخدام الألفاظ ، وعلىٰ أية حال فإن المستقبل لا يبدو بالضرورة ميئوساً منه ، فقد استطاع الكثير من أطفال اليهود الذين كانوا في (بوخنفالد Buchenwald) ـ أكبر معسكرات الاعتقال النازية ـ استطاعوا أن يستعيدوا بعض الاتزان وخاصة في إسرائيل” .
إلا أن هذا الاتزان الظاهر لم يكن في الواقع إلا تنظيماً جديداً للتوحد بالمعتدي (أي مجرد تغيير في اتجاه العدوانية) ، لأن اليهود استنسخوا سلوك النازي في مذابح دير ياسين وغيرها ، وإن شخصيات يهودية مثل بيغن وشارون ونتنياهو اكتملت فيهم معالم شخصية السفاح النازي ليكونوا أبرز أمثلة التوحد بالنازي ، تماماً كما كان موشيه دايان خير متقمص للعسكرية النازية . ولا تقتصر آلية التوحد بالمعتدي علىٰ خريجي المعتقلات النازية ، بل إن هذه الآلية قد انتشرت كالوباء بين اليهود نتيجة التعاطف مع الضحايا اليهود وما بات يجمع بين التجمعات اليهودية اليوم وعلىٰ الرغم من اختلافها في كل شيء إنما يتلخص بهذا التوحد بالمعتدي الذي أتاح لليهود التحول من المذلة إلىٰ الطغيان ، ومن الخنوع إلىٰ جرائم الإبادة لإشباع الحاجة الإسرائيلية النفسية في ممارسة العدوان ، ولأن شخصية المتوحد بالمعتدي تفقد تماسكها إذا توقفت عن العدوان ، وتفقد طمأنينتها التي تمنع تَفجّر موجات القلق والرعب فيها من العودة إلىٰ التيه والشتات . ومن هنا يمكن استنتاج هشاشة الشخصية اليهودية وعدم قدرتها علىٰ تحمل أي إحباط أو ردٍّ في عدوانيتها ، لأن الإحباط يصيب هذه الشخصية بالتهاوي والتفكك مهدِّداً بزوال الهوية الزائفة . ولأن المحاور السلبية في بنية الشخصية اليهودية كالعدوان والانطواء والشك ، والتمركز حول الذات والتشاؤم ، يمكنها أن تفسر اضطراب الشخصية الأشكينازية وفشلها في الانفتاح حتىٰ علىٰ بقية اليهود في الكيان الإسرائيلي ، ويتضح ذلك في مراجعة توضيحات فرويد وإشاراته الصريحة للبارانويا اليهودية منذ ادّعاء كون اليهود الشعب المختار للإلـٰه التلمودي الذي أوجدوه بأنفسهم ولأنفسهم ، واكتشاف أن اليهود لم يكونوا قَط بحاجة إلىٰ النازي كي يتحولوا إلىٰ البارانويا (جنون العظمة) . وعليه فإن الأسر النازي لم يفعل سوىٰ استنهاض البارانويا اليهودية الكامنة والمكبوتة تحت ذل الشتات اليهودي ، والمقنَّعَة بمظاهر الخنوع . وأن تكرار المذابح بحقِّ اليهود عبر التاريخ لم يكن من قبيل الصدفة ، لأن المحلل النفسي اليهودي
المجري (غيزا روهايم Géza Róheim) الـمُؤسس للأنثروبولوجيا التحليلية النفسية (Psychoanalytic anthropology) يقول :
“ينبغي أن يكون للطابع القومي اليهودي كينونة ثابتة عبر الأجيال ، ترتكز علىٰ تكرار نفس الموقف الطفولي” .
وبهذا يمكن اعتبار تكرار المذابح اليهودية مرتبطاً بهذا الموقف الطفولي الذي أشار إليه روهايم ، وهو الموقف المعتاد لمريض البارانويا الذي يجيد البدء من موقف الخنوع ، ثم يعمد إلىٰ تعزيز موقعه تدريجياً حتىٰ يصل إلىٰ الموقع الذي يتلاءم مع تَصوّره المرضي ، واجتياز هذه المراحل لا يمكنه أن يتم بدون تسخير كل أساليب الخداع الممكنة . لكن اليهودي يصر علىٰ الاستمرار في هذا الموقع ، وهو يختزن في داخله إيماناً مَرَضياً (البارانويا) ، وبأن هذا الموقع هو حَقٌّ من حقوقه فلا يقبل أن يتراجع عنه ، ولأن البارانويا تمنعه من مراجعة أساليبه الخاطئة بصورة موضوعية ، ومن هنا يكون إصراره علىٰ التشبث بالموقع وعلىٰ عدم محاولة امتلاك مرونة التراجع عند الحاجة ، وينتهي الأمر بذبحه .
باختصار ، فإن التوحد بالنازي ليس سوىٰ حلقة من حلقات البارانويا اليهودية ، وذلك مايشهد عليه التاريخ اليهودي الحديث . كما أنه من الخطأ عدم الاقتناع بأن اليهود هم طغمة من المرضىٰ النفسيين ، لأن هذا القول تؤكده الأمانة العلمية ، ولا يعتبر انزلاقاً وراء التحقيق الوهمي للرغبات وذلك بالاستناد إلىٰ دراسة الباحث اليهودي ورئيس هيئة أركان الجيش الصهيوني الأسبق هرتسي (هرتسل هالفي) التي تشير إلىٰ ارتفاع نسب الإصابة بالشيزوفرينيا (الفصام) بين اليهود وبشكل خاص سكان الكيبوتزات منهم .
وتشير دراسة الباحث البريطاني (فريدريك ج.كينيون Frederic George Kenyon) إلىٰ أن اليهود هم الأكثر عرضة للإصابة بهاجس المرض (الهايبوكوندريا الذي يستند إلىٰ اضطرابات شخصية من نوع البارانويا تدفع إلىٰ العنف وحتىٰ إلىٰ الجريمة) .
وفي المراجعة التاريخية للمذابح اليهودية يتبين أن الجمهور المتأذي من اليهود هو اليهودي الذي كان يشجع علىٰ المذبحة ، بل إنه غالباً ما ينفذها بيده علىٰ غرار ما سمي بـ” ليلة الكريستال” أو مذبحة نوفمبر والتي كانت حملة عنف واسعة النطاق ومنسقة ضد اليهود في ألمانيا والنمسا وفي أجزاء من تشيكوسلوفاكيا في الفترة الواقعة بين 9 و 10 نوفمبر 1938.
وإن انغلاق اليهود في حاراتهم (الغيتو) علىٰ مدىٰ العصور هو عنصر تشخيصي من الدرجة الأولىٰ لتصنيفهم في فئة المصابين بالبارانويا ، حيث قال (ناحوم غولدمان) رئيس منظمة الصهيونية العالمية في كتابه “التناقض اليهودي” :
“يجب التأكيد علىٰ أن الغيتو لايمكن اعتباره اكتشافاً تاريخياً يهودياً ، ومن الخطأ أيضاً أن الغوييم قد أرغموا اليهود علىٰ الانفصال عن بقية المجتمع” .
ويمكن ملاحظة أن قدرة اليهودي علىٰ خيانة أي بلد يحتضنه ويعطيه جنسيته ومواطنيته لصالح الكيان المحتل (إسرائيل) كدليل دامغ علىٰ فقدان اليهودي للحِسِّ الاجتماعي والأخلاقي . كما أن رغبة اليهودي في الخلاص من الحماية الخانقة للـ(غيتو) هو الذي دفع ويدفع عشرات الملايين من اليهود للخشية من الذوبان في المجتمعات الأخرىٰ ، ولولا تلك الرغبة بالخلاص لكان عدد اليهود المعاصرين عشرات أضعاف عددهم الراهن . وإن التزامهم باحتقار الأغيار (الشعوب غير اليهودية) لأنه من التعاليم التلمودية الأساسية غير القابلة للعصيان . إلا أن المبدأ الأساسي للعلاج السلوكي المعرفي لابد وأن يركِّز علىٰ الأزمات التي يتعرض لها الشخص المصاب تكراراً ، لأن سبب التكرار كامن في الشخص نفسه وليس في الآخرين ، وهذا ما ينطبق تماماً علىٰ الشخصية اليهودية منذ أن كانت في بابل أيام محنة السبي الآشوري لبني إسرائيل .
=============
المـصـــادر :
*- سيغموند فرويد : الطوطم والمحرم .
*- سيغموند فرويد: موسى ورسالة التوحيد .
*- Roheim G: Psychoanalysis
and Anthropology .
*ـ الإلـٰه اليهودي : كارل غوستاف يونغ .
*- روث بنديكيت : النزعة العِرقية بين العلم والسياسة .
*- سيكولوجية الخداع اليهودي .
*- فريدريك ج. كينيون : كتابنا المقدَّس والمخطوطات القديمة .
*- مجموعة من الباحثين : بسيكولوجية الهيستيريا ، والوساوس المرضية .
*- سيغموند فرويد : حالة الرئيس شريبر .
*- عبد الوهاب المسيري : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية .
*- مبادئ التربية في الغيتو اليهودي والمنطلقات التلمودية المحددة في ترسيخ بارانويا الاضطهاد ومشاعر العظمة المرضية .
ـ يتبع ـ
ـ لندن 2026 ـ
فضيل حاج بن عدة vs DrAli Jadidط