حين يختطف النبي من صوته هل خانت الإذاعة مبدعها بلقاسم مسروق؟

الدكتورة نورالهدى قرباز مخبر أبحاث في اللغة والأدب الجزائري .جامعة محمد خيضر بسكرة.
حين يُختطف النبي من صوته: هل خانت الإذاعة مبدعها بلقاسم مسروق؟


في البدء لم يكن الصوت مجرد موجةٍ عابرة،
كان كائنًا حيًّا…
ينبض، يتنفس، ويُراوغ الصمت كما يُراوغ الضوءُ العتمة.
ومن بين ذلك الصخب الخفي، خرج بلقاسم مسروق لا كإذاعيٍ فقط،


بل كصوتٍ يشبه نبوءةً لم يُحسن العالم الإصغاء إليها.
هل كان مذيعًا؟
سؤال بسيط في ظاهره، خادع في عمقه.
لأن المذيع ينقل، أما هو فكان يُحوِّل.
كان يأخذ الكلمة من حالتها الخام،
ويعيد صهرها في أتون الفكر،
حتى تخرج مشتعلةً بالمعنى، عصيّةً على الاستهلاك السريع.

لكن، هل ضيّعته الإذاعة؟
أم أنه كان أكبر من أن تحتويه جدران الاستوديو؟
الإذاعة، ذلك الفضاء الذي يُفترض أن يكون حُرًّا،
قد تتحول—حين تضيق الرؤية—إلى قفصٍ ذهبي.
تمنحك الميكروفون، لكنها تضع حوله شروطًا غير مرئية،
تُصفّق لك حين تُجيد،
وتخاف منك حين تُفكّر.
بلقاسم مسروق لم يكن صوتًا مُطيعًا،
بل كان صوتًا مُقلقًا.
والأصوات المقلقة لا تُحبها المؤسسات طويلًا.
في برامجه، لم يكن يقدّم مادةً إذاعية،
بل كان يفتح نوافذ في جدار الوعي.
ينتقل من الأدب إلى الفلسفة،
ومن النقد إلى التاريخ،
ومن النص إلى ما وراء النص…
كما لو أن الحدود بين العلوم مجرد وهمٍ تربوي.
هنا تكمن المفارقة:
هل جعلته هذه الحصص فيلسوفًا؟
الفيلسوف، في جوهره، ليس من يملك أجوبة،
بل من يوسّع الأسئلة.
ومسروق كان يُجيد هذا الفن النادر:
فنّ إرباك اليقين.
لم يكن أسير تخصص،
بل كان عابرًا بين الحقول،
كأن المعرفة عنده أرضٌ واحدة
والتخصصات مجرد أسوارٍ وهمية.
وهنا يطلّ السؤال الأكثر استفزازًا:
هل تفوّق على الأستاذ الأكاديمي؟
الجامعة تُنتج معرفةً مُنظمة،
لكنها أحيانًا تُكبّلها بالمنهج.
بينما الإبداع الحر—كما عند مسروق—
يتحرّك بلا خرائط،
وقد يصل إلى مناطق لم تطأها أقدام المقررات.
ليس التفوق هنا مسألة ترتيب،
بل اختلاف في المسار.

الأستاذ الأكاديمي يُعلّم كيف نقرأ،
أما المبدع الحقيقي فيُعلّم لماذا نقرأ…
وأحيانًا لماذا نشكّ في ما نقرأ.
بلقاسم مسروق لم ينافس الأستاذ،
بل كسر اللعبة كلها.
حوّل الميكروفون إلى منبر تفكير،
والحصة إلى مختبر أسئلة،
والمستمع إلى شريكٍ في القلق المعرفي.
ومع ذلك…
يبقى الجرح مفتوحًا:
هل احتضنته الإذاعة كما ينبغي؟
أم استهلكت صوته ثم تركته يتردد في الفراغ؟
المؤسسات غالبًا لا تُجيد التعامل مع من يشبهون الأنبياء في حسّهم،
لأنهم لا يأتون بما يُرضي،
بل بما يُربك.
ربما لم تُضِعه الإذاعة بالكامل،
لكنها—بشيء من القصور أو الخوف—
لم ترتقِ إلى حجمه.
في النهاية،
لا يمكن حصر بلقاسم مسروق في صفة واحدة:
إذاعي، كاتب، شاعر، قاص، روائي…
كلها أقنعة لجوهرٍ واحد:
عقلٌ لا يهدأ،
وصوتٌ لم يُخلق ليُقال…
بل ليُوقظ.
فهل كان نبيًا ضيّعه زمنُه؟
أم مبدعًا سبق مؤسساته بخطوةٍ أحرجتها؟
ربما الإجابة ليست في سيرته،
بل في صمتنا نحن…
حين لا نُدرك قيمة الصوت إلا بعد أن يخفت.ويستمر الصوت… لا كصدى، بل كضميرٍ لا يهدأ:
لقد كان بلقاسم مسروق حين يتحدث عن عثمان لوصيف، لا يستعيد سيرة شاعر فحسب،
بل كان يفضح عطبًا جماعيًا:
كيف نُهمل من يكتبون أرواحنا، ونحتفي بمن يُجيدون ترتيب العناوين؟


كان يقول—بطريقته التي تشبه الطعن الناعم—
إن لوصيف لم يُقصَ لأنه ضعيف،
بل لأنه صادق أكثر مما تحتمله المؤسسات.
وأننا، نحن، شركاء في هذا الإهمال،
حين نُفضّل النص المُروَّض على النص الذي يُقلقنا.
ثم ينتقل، كعادته، من اسمٍ إلى فكرة،
ومن فكرةٍ إلى جرحٍ أعمق:
يتوقف عند بلقاسم خمار،
لا بوصفه شخصًا، بل بوصفه حالةً ثقافية.
هناك… عند تلك المنطقة الرمادية،
حيث يقف الفنان من جهة،
والأكاديمي من جهة أخرى،
يرى مسروق حاجزًا غير مرئي،
أشد صلابة من الجدران.
حاجزٌ من الغرور أحيانًا،
ومن سوء الفهم غالبًا.
الأكاديمي—في صورته المتكلسة—المتكسلة ؟
ينشغل بحراسة المصطلح،
يُدقّق في حرفٍ،
ويُقيم الدنيا على “دالٍ” أو “ألف”،
كأن المعرفة تختبئ في شكل الحرف لا في وهج الفكرة.
بينما الفنان،
ذلك الكائن الذي يكتب بالدم لا بالحبر،
يمضي نحو المعنى مباشرة،
دون أن يستأذن القواميس.
هنا كان مسروق حاسمًا، وربما قاسيًا:
ليست “الدال” ولا “الألف” ولا “الباء” ما يصنع الأثر،
بل الفكرة…


تلك الشرارة الأولى التي إن غابت،
صار النص مجرد هيكلٍ لغوي جميل… بلا روح.
كان يُدين ذلك الغرور الأكاديمي الذي يختبئ خلف المصطلحات،
ويُذكّر—دون أن يصرخ—
أن النقد ليس لعبة تفكيك،
بل فعلُ إضاءة.
ما قيمة تحليلٍ مُحكم،
إن لم يلمس قلب النص؟
ما جدوى مصطلحٍ دقيق،
إن لم يُحرّك فينا شيئًا؟
لم يكن ضد الجامعة،
بل ضد اختزالها في إجراءات.
لم يكن ضد الأكاديمي،


بل ضد تحوّله إلى حارس بوابةٍ يمنع الحياة من الدخول.
كان يرى أن المعرفة الحقيقية لا تُبنى على التعالي، ولو اننا نقبل التكبر الذي يخرج أجمل مافي النص
بل على التواضع أمام النص،
وأمام التجربة الإنسانية التي تُغذّيه.
وهكذا،
بين عثمان لوصيف المُهمَل،
وبلقاسم خمار الذي يكشف التصدعات،
يرسم بلقاسم مسروق خريطةً أخرى للثقافة:
خريطة لا تعترف بالحواجز،
ولا تُقدّس الألقاب،
بل تنحاز إلى ما يبقى…
إلى الأثر.
وفي عمق هذا كله،
كان يهمس بفكرةٍ تكاد تكون لبنة مشروعه:
ليست القيمة فيما نقوله،
بل فيما يظلّ حيًا بعد أن نصمت.
هناك فقط…
يُختبر المبدع،
وهناك يُفضَح الزيف.
أما الحروف،
فقد تكون أنيقة…
لكنها، وحدها،
لا تُنقذ فكرةً من الموت.وهو الذي يقول :إذا أردتَ أن تتحكّمَ في جاهلٍ فعليك أن تُغلّف كُلّ باطلٍ بغلافٍٍ دِينيٌ …”
———–
العمّ الوليد بن رشد