المناقشات الجامعية موسم لتصفية الحسابات الأكاديمية بقلم د نور الهدى قرباز

د.نور الهدى قرباز جامعة محمد خيضر بسكرة .المناقشات الجامعية: موسم لتصفية الحسابات الأكاديمية.
حين ينتصر الغرور ويُهزم العلم
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37].
ما أعجب أن يتسلل الغرور إلى بعض الفضاءات التي أُنشئت أصلًا لمحاربته! فالجامعة التي وُجدت لتكريس قيم المعرفة والحوار والتواضع العلمي، تتحول أحيانًا في بعض المناقشات إلى مسرح تتصارع فيه الأنا أكثر مما تتلاقح فيه الأفكار. وهناك من ينسى أن الشهادة العلمية ليست تاجًا للهيمنة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه العلم وطلابه.
في بعض المناقشات لا يُناقش الطالب عمله فحسب، بل يجد نفسه في قلب معركة خفية بين أساتذة يتنافسون على الوجاهة العلمية أو يسعون إلى إثبات تفوقهم على زملائهم. فتغدو المذكرة ذريعة، والطالب ضحية، والبحث العلمي مجرد تفصيل هامشي في مشهد تتصدره الأنا.
وقد أدرك الحكماء منذ القدم خطورة الكبر، فقال الشاعر:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ
على صفحات الماء وهو رفيعُ
ولا تكُ كالدخان يعلو بنفسه
إلى طبقات الجو وهو وضيعُ
وقال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
فالعالم الحقيقي كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا، لأنه يدرك اتساع ما يجهله. أما من ظن أن العلم سلطة يتعالى بها على الناس، فقد فهم الشهادة ولم يفهم الرسالة.
وكانت جداتنا، رغم بساطة تعليمهن، أعمق فهمًا لهذه الحقيقة من كثير من المتعلمين. فكن يقلن: “السنبلة المليانة تنحني، والفارغة تبقى واقفة.” والمعنى أن الممتلئ علمًا وخلقًا يكون أكثر تواضعًا، أما الفارغ فيلجأ إلى الضجيج ليستر فراغه.
ويقلن أيضًا: “الواد الهادي أعمق من الواد الهادر.” فليس أكثر الناس صخبًا أعلمهم، وليس أكثرهم استعراضًا أعمقهم معرفة.
وفي الموروث الشعبي الجزائري يتردد: “اللي شبع علم ما يعيّرش الناس.” أي أن صاحب العلم الحقيقي لا يفتش عن أخطاء الآخرين ليصنع منها مجده الشخصي.
إن المؤلم في بعض المناقشات أن الطالب الذي قضى سنوات من البحث والقراءة ينتظر كلمة تشجيع أو نقدًا بنّاءً، فإذا به يواجه أسئلة لا يراد بها التقويم، بل الإحراج، وملاحظات لا يقصد منها الإرشاد، بل الاستعراض. وهنا تنتقل المناقشة من فضاء أكاديمي إلى محكمة رمزية يُراد فيها إثبات سلطة الأستاذ أكثر من تقييم البحث.
لقد قال الإمام الشافعي:
كلما أدبني الدهرُ
أراني نقصَ عقلي
وإذا ما ازددتُ علمًا
زادني علمًا بجهلي
وهذه هي روح العلم الحقيقية؛ أن يقود صاحبه إلى التواضع لا إلى التعالي، وإلى الإنصاف لا إلى التحقير.
حين ينتصر الغرور يُهزم العلم، لأن المعرفة لا تنمو في تربة الاستعلاء. وحين يعلو صوت الأنا يخفت صوت الحقيقة. أما الجامعة التي نحلم بها فهي جامعة يصنع فيها الأستاذ مناقشة ترفع الطالب ولو انتقدت عمله، وتمنحه الثقة ولو صححت أخطاءه، لأن التربية قبل التقييم، والإنسان قبل الشهادة.
ويبقى السؤال المؤلم: كم من باحث شاب فقد شغفه بسبب كلمة جارحة؟ وكم من مشروع علمي مات في مهده لأن صاحبه صادف غرورًا أكبر من أن يسمع، وأصغر من أن يتواضع؟
فالعلم شجرة لا تثمر إلا إذا سُقيت بالتواضع، أما الغرور فريحٌ عاتية لا تُنبت إلا الفراغ.