
قراءة في تحقيق الأمن القومي بقلم د علي احمد جديد
قراءة في تحقيق الأمن القومي ..
د.علي أحمد جديد
في التاريخ الحديث ، كان اهتمام الدول بالأمن القومي يتوافق مع الظروف عالمية سياسياً وعسكرياً عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وقيام التوازنات والتكتلات والمحاور بين القوى الدولية ، إضافة إلىٰ انتشار الأسلحة وتطورها التدميري النوعي الذي أدىٰ إلىٰ تعديلات في النظام الدفاعي العالمي وفي ثوابته التقليدية ، وهو مافَرضَ رؤيةً جديدةً في مفهوم الأمن ، وفي تحديد المجال الأمني للدول . بعد أنْ تمَّ تحميل مفهوم الأمن القومي في نشأته الغربية الأمريكية أهدافاً سياسية تبرز كمحور لسياسات الدول العظمىٰ في فترة الحرب الباردة والاستقطاب الدولي .
ورغم أن مصطلح الأمن القومي قد شاع دولياً بعد الحرب العالمية الثانية ، إلا أنه يعود في جذوره إلىٰ القرن السابع عشر ، أي بعد معاهدة وستفاليا عام 1648 والتي تُعرَف أيضاً بمعاهدة مونستر Treaty of Munster أو معاهدة أوسنابروك Treaty of Osnabruck التي تمّ توقيعها في 24 أكتوبر 1648 في مونستر وستفاليا ( ألمانيا) ، وقد أنهت هذه المعاهدة حرب الثلاثين عاما (1618 – 1648) التي بدأت بالثورة ضدَّ هابسبورغ في بوهيميا عام 1618 والتي أنتجت صراعات مختلفة حول دستور الإمبراطورية الألمانية في ذلك الوقت . وقد أسست تلك المعاهدة لولادة الدولة القومية أو (الدولة – الأمة Nation – State) ، وشكَّلت في حقبة الحرب الباردة الإطار والمناخ اللذين تحركت فيهما محاولات صياغة المقاربات النظرية والأطر المؤسساتية وصولاً إلىٰ استخدام مصطلح “إستراتيجية الأمن القومي” ، وسادت مصطلحات الحرب الباردة مثل “الاحتواء والردع والتوازن والتعايش السلمي” كعناوين بارزة في هذه المقاربات بهدف تحقيق الأمن والسلم وتجنب الحروب المدمِّرة التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين . ونشأت تبعاً لذلك مؤسسات أكاديمية تهتم بمصادر الأمن القومي و مُقوِّماته وإجراءات ضمان حمايته ، في معاهد ومراكز بحوث تنتمي إلىٰ جامعات ومؤسسات علمية عالمية وإعلامية ومجلات متخصصة وإدارات مؤسسات مرتبطة بالقرار السياسي الرسمي . ويشكل مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية النموذج الأول والأمثل لهذه المؤسسات ، حيث جسّد هذا المجلس التعريف الذي طرحه (والتر ليبمانWalter leapman) عن الأمن القومي بأنه قدرة الدولة علىٰ حماية أمنها بحيث لا تضطر إلىٰ التضحية بمصالحها المشروعة لتفادي الحرب ، والقدرة علىٰ حماية تلك المصالح إذا ما اضطرت عن طريق الحرب . وقد بدأ التشكيل التنظيمي المؤسسي لمصطلح “الأمن القوميالأمريكي” بصدور قانون الأمن القومي لعام 1947 عن الكونجرس الأمريكي ، أما بقية دول العالم فقد وضعت لمفهوم الأمن القومي عنواناً آخر هو “الدراسات الإستراتيجية” بوصفها اجتهادات في التخطيط السياسي النشط حول المستقبل .
ولم يعد مفهوم الأمن القومي يقتصر علىٰ تعريفه السابق والمنحصر بالاحتياطات العملية في حماية المجال الإقليمي للدولة ذات السيادة ، كما لم يعد يعني مفهوم الأمن القومي دراسة العلاقات الداخلية والخارجية بين دولةٍ ما وبين مواطنيها من وجهة نظر وطنية وقومية ، ولا البحث في السياسة العالمية إلا من وجهة نظر تعتنق فلسفة القوة ، وحتىٰ القوة القاهرة في كثير من الحالات ، لأن الضرورات الأمنية في هذه الحقبة التاريخية باتت لا تعرف قانوناً للتاريخ القومي للأمم والشعوب في خدمة هذه الأغراض ، وبات مفهوم الأمن القومي يشمل حماية الثروات الاقتصادية و الثقافة الوطنية والهوية القومية لتحصينها باحتياطات تكرِّس السيادة الوطنية علىٰ الأرض في حدودها الإقليمية وفي مصالحها الداخلية والخارجية المرتبطة ببنائها القومي والثقافي الحضاري . ومن هذه النقطة باتت تتفرَّع مفاهيم الأمن القومي في بنيتها الوقائية بحيث لا تقتصر علىٰ تعزيز القوة العسكرية في تكريس وحماية السيادة الوطنية وحسب ، بل تتعدىٰ ذلك إلىٰ السياسة الخارجية في التقديرات الاستراتيجية للواقع الإقليمي المحيط ، ومدىٰ التقارب أو التناقض الحضاري والإيديولوجي بين الدولة وبين جاراتها الإقليمية ، وكذلك دراسة إمكانيات الدول ذات المصالح المتعارضة مع مصالحها الوطنية والقومية والثقافية في تاريخهاالحضاري ، وتوفير الحماية الأمنية إزاء الأخطار المحتمل ظهورها من الأعداء المباشرين ، أو توطيد التعاون مع البلدان الحليفة والصديقة للحصول علىٰ المساندة والدعم الفعليين في حالة نشوب صراع مسلّح .
وبعد امتداد الحرب التي كانت علىٰ سورية لأكثر من عقدٍ من السنوات ، لم يعد هناك مجال لإنكار أننا اليوم ، فعلاً ، نواجه أزمةً وطنية وقومية ، وأن تجاوز هذه الأزمة والتغلب عليها يقتضي التفاهم الشعبي (الجماهيري) لإيجاد سياسة قومية تتمحور حول أمنٍ قومي ووطني سوري لايستثني أي جزء أو كيان من سورية الطبيعية انطلاقاً من الالتزام القومي علىٰ مستوىٰ الأمة السورية وعلىٰ مستوىٰ مساحة الوطن السوري الذي تم ومازال يتم تقسيمه ، والذي لن تتوقف محاولات تقسيم مايتم تقسيمه ، وهو التزام يرتبط بحتمية حماية أمن كل جزء سوري وضرورته .
لقد بات الأمن القومي السوري مهدَّداً ومعرَّضاً للانهيار لأننا أهملنا ومازلنا نهمل الاعتماد علىٰ الخصوصية السورية تاريخياً وحضارياً ، والتفتنا إلىٰ الإندماج الطبيعي والكامل بالمحيطين العربي والإقليمي علىٰ اعتبار أن ذلك الإندماج سيزيد من تماسك وقوة الأمن القومي الوطني لسورية . ولما اشتعلت الحرب علىٰ سورية كشفت أن المحيطين العربي والإقليمي كانا مجرد أدوات في حصار سورية وسهام متقَنَة التصويب والتسديد علىٰ قلب حضارتها الإنسانية والتاريخية ، وأن ذلك المحيط العربي والإقليمي هو في حقيقته كان العمق الاستراتيجي لحماية الكيان اللقيط المحتل من كل ما كان يتهدَّد وجوده في مرحلة سابقة ، وانقلبت ماكان معروفاً بسياسة مقاطعة العدو إلىٰ سياسة حصار سورية والسوريين بقرار من (اصطبل) جامعة الدول العربية لتكون تلك الجامعة بدولها (الشقيقة) أكثر التزاماً بتخريب سورية وبحصارها ، علىٰ عكس الدول الصديقة مثل فنزويلا وروسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية ، علىٰ سبيل المثال لا الحصر ، وكما تحوّلت مصر (محمد مرسي) والأردن وتركيا ومشيخات الخليج إلىٰ عمقٍ استراتيجي فاعل و داعم لسياسة التدمير والقتل والإبادة التي يمارسها جيش الكيان اللقيط والمحتل في غزة ولبنان اليوم .
لقد بات الأمن القومي السوري يحتل أولوية رئيسة في كل حديثٍ عن إشكالية وحدة المجتمع السوري في الحفاظ علىٰ المقدرات المستقبلية والجهود التنموية التي كان تخوضها سورية بعيداً عن التمسك بإرثها الحضاري العريق وبهويتها الثقافية السورية المميَّزة والتي لايمكن النجاح بدون الانطلاق من الانتماء لجذورها ، كما لا يمكن أن تتفرَّع عنها فروع مناقِضة كالتعريب أو التأسلم التدميري ، لأن سورية في كل تاريخها كانت ومازالت تستوعب كل الفكر الديني الصحيح والمعتدل وكل الإثنيات التي عاشت ولجأت إليها لتكون ملاذها الآمن .
إن إهمال التمسك بأصالة الجذور والالتفات إلىٰ وهم الفروع أثبتت أن تلك الفروع ماهي إلا سِهام يتم تسديدها للنيل من سورية بكل مجدها وبكل حضارتها وأصالتها ، تمهيداً لمتابعة تقسيمها خدمةً لأمن وسلامة الكيان اللقيط المحتل ، لأن الأمن القومي الفعلي هو مجموعة الإجراءات السليمة التي يمكن اتخاذها للمحافظة علىٰ أمان الوطن والمواطن في الحاضر وفي المستقبل البعيد علىٰ حَدٍّ سواء ، مع مراعاة الإمكانيات المتاحة وتطويرها بموجب المتغيرات الإقليمية التي يتسارع حدوثها بشكل لايمكن الانصراف عن الاهتمام بها لأي سبب من الأسباب وتحت أي ذريعة كانت .
ولتحقيق الأمن القومي السليم لابد من دعم وجود القيادة السياسية الواحدة الموَحِدَة والموحَدَة والقائمة علىٰ أساس إجماع مكوِّناتها الشعبية كداعمٍ ومساند للخطط القيادية الوطنية في توفير أمن الوطن الذي هو من أمن المواطن ، وذلك لايمكن أن يتوفر إلا بالحصول علىٰ ثلاثة أسس رئيسة وهي :
” الإرادة و المَقْدِرَة و القوة ”
فالإرادة شيء لايمكن القضاء عليه ، لأن الإنسان كائن حيّ يولد ومعه إرادته المستقلة ، والوطن كائن حيّ تكون إرادته من إرادة مكوِّناته الشعبية ومواطنيه ، وإذا كان من المستحيل القضاء علىٰ إرادة المواطن ، فإنه سيكون من المستحيل أيضاً القضاء علىٰ إرادة وطن بقيادةٍ تستجمع إرادة المواطنين ككل ، والتي يمكن بواسطتها تجاوز كل الضغوطات الخارجية منها والداخلية مهما كان حجمها وتأثيرها ، خاصة ، إذا تم التوفيق بين الآمال الوطنية وبين الإمكانيات المتوفرة في توظيفها ، لأن السياسة هي تحقيق الممكن دائماً وغير المستحيل ، وتلك هي مهمة القيادة المطلقة والتي لايمكن تحقيقها إلا بالحدّ من تفشي الفساد ومحاصرته للقضاء عليه ، وبِنشر المحبة والتسامح بين كل مكوِّنات الوطن الواحد ، ليأتي من بعد ذلك التوافق التام بين القيادة وبين المواطن في ترسيخ أمنٍ قومي قوي وسليم .
وقد أكد الباحثون علىٰ عدة أسباب لزيادة الاهتمام بالأمن القومي في مختلف دول العالم بما يمكن اعتباره ظاهرة لها أسبابها ، ومن أهم تلك الأسباب :
1- التوسع في مفهوم المصلحة القومية ليشمل ضمان الرفاهية للمواطنين بما يعنيه ذلك من تأمين مصادر الموارد . ثم برز مفهوم الأمن القومي كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية ، ومحاولة حماية مصادرها المحلية والخارجية ، وحماية الترتيبات الداخلية بصورة خاصة التي تدفع إلىٰ زيادة معدل الرفاهية .
2- ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة والتي قد تتطور إلىٰ حروب ، ثم سار الاهتمام بالأمن القومي في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات علىٰ المستويين الإقليمي والدولي .
3- ازدياد شعور الدول بنوعين من التهديدات المتصلة بالأمن القومي . فمن ناحية ، تُعد الديون الخارجية المستحقة عليها تهديداً لأمنها السياسي والاقتصادي ، والحد من حرية اتخاذ القرارات الإستراتيجية . ومن ناحية أخرىٰ ، الخشىية من قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية وعلىٰ رأسها هيئة الأمم المتحدة ليس في تحقيق مصالحها وحسب ، ولكن للإضرار بمصالح الدول الصغرى وبأمنها القومي التي لا تنفك عن محاولات تفكيك الدول القومية المستقلة ذات السيادة وتجزئتها .
ـ لندن 2026 ـ





