البناء الصوفي والبناء الدلالي قراءة في قصيدة لغتنا العربية للشاعر خالد الباشق| سعيدة بركاتي ناقدة تونسية

البناء الصوتي و البناء الدلالي : بقلم سعيدة بركاتي/ تونس
في قصيدة : لغتنا العربية ” للشاعر العراقي المقيم بتونس: خالد الباشق

#تمهيد :
++ العربية الفصيحة : لغة القرآن العظيم و الحديث الشريف و الشعر العربي الفصيح و هي لغة خالصة سليمة من كل عيب ، لا يخالطها لفظ عامي أو أعجمي ، و هي اللغة الوحيدة التي تحتوي على حرف الضاد و تتكون من ثمانية و عشرون حرفا تعتبر من أغزر اللغات من ناحية المادة اللغوية .
++ البحر الكامل : هو أغزر بحور الشعر استخداما يتمتع بإيقاع سريع و حماسي ، مفتاحه :
كمل الجمال من البحور الكامل متفاعلن متفاعلن متفاعلن

++ كملاحظة أولى : لا بد أن نقرأ القصيدة بصوت عالي حتى نمسك روحها لنكشف الانفعال قبل المعنى و هذا مهم جداً.

#القراءة:

القصيدة “لغتنا العربية” تشبه بناءًا معماريا محكما ، أقيم على ثمانية وعشرون بيتاً بعدد حروف الهجاء ، كل بيت يُستهل بحرفٍ منها على الترتيب . هذه البنية ليست زخرفاً شكلياً ، بل هي جزء من المعنى ، كأن الشاعر يريد أن يقول للمتلقي : اللغة العربية كلٌّ متكامل ، لا يستقيم المدح إلا باستيعاب كامل حروفها ، من الألف إلى الياء ، من “أهدت” إلى “يسمو”. فالمعمار هنا يشبه المعجم ، والقصيدة تصبح عرضاً شاملاً للغة عبر الأبجدية ذاتها .
لقد اختار الشاعر خالد الباشق البحر الكامل و هو اختيار واع
الكامل بحره “متفاعلن” ست مرات ، نفس طويل ممتد ، و قد بينت أعلاه مميزات هذا البحر فيه جلجلة وقوة / بحر الأوابد والمدائح الكبرى . وهو يليق بموضوعٍ القصيدة احتفالا و دفاعا و تمجيدا للغة العربية . القافية الموحدة “ـيرا” المردوفة بياء والموصولة بألف الإطلاق أعطت النص نَفَساً خطابياً ممتداً ، فيه رنين الراء المفخم ، و جمال المد .
حرف الراء في آخر الكلمة يتميز بخصائص صوتية وتجويدية محددة تجعله مختلفاً عن باقي الحروف ، وتدور أحواله حول التفخيم والترقيق بناءً على حركة الحرف الذي قبله ، بالإضافة إلى صفاته الذاتية :
الراء حرف تكراري جهوري ، يوحي بالديمومة والانتشار ، فكأن كل بيت ينتهي بصدى يتردد داخليا و خارجيا ، صدى رنين إيقاع جرسه قويا : عبيرا / هديرا / كبيرا…
فيلاحظ المتلقي وجود انسجام صوتي منها نشيد واحد متصل و مترابط لا يمكن تجزيئه .
تعددت الدلالات في القصيدة يمكنني تقسيمها إلى أربعة حقول دلالية متداخلة تكمل بعضها البعض :
+ الأول : حقل العلو و السلطة و السيادة : ما ورد من ألفاظ / اعتلت /علت / العلا / أميرةً / مراتباً / تقديرا / فخر / زئيرا .. تكررت فرسمت صورة للغة ذات سيادة عليا .
+ الثاني: حقل النور والعطر : ما ورد من ألفاظ : تضوع عبيرا / سحرها / نورها / تنويرا / يقيناً ساطعاً / أزهرت / : مما جعلها مصدر نور و ضاء وجودي ، و ليست مجرد أداة للتواصل .
+ الثالث: قد أُشبهه بالأمومة و مصدر الأمان و الإحتواء و الحماية و الحنان : ما ورد من ألفاظ : الحنونة /أمَّنا / نصيرا / خِلاً / سميرا / درعاً . ربما أراد الشاعر أن يجعل للقصيدة قلبا يخفق و هذا الحقل هو الجانب العاطفي في القصيدة .
+ الرابع: حقل الصراع و خيبة العدو : ما ورد من ألفاظ : خاب عدوها/ حسيرا / قلبت موازين الركاكة / لم تشكُ في زمن الغوى تغييرا .
كاستنتاج مما ذُكر في الحقول الدلالية : القصيدة إذا ليست غزلاً خالصاً ، بل هي جلسة مرافعة كان فيها الشاعر بمثابة المحامي الذي دافع عن اللغة العربية ضد تهم الضعف والتراجع ، اختصرها في البيت :” كانت وما زالت وتبقى أمَّنا وتظلُّ خِلاً في الهوى وسميرا” : مما أعطى روحا للقصيدة .
بنى الشاعر القصيدة على صور شعرية قائمة على التشخيص فجعل منها كائنا حيا فاعلا من خلال التتابع الفعلي : أهدت /بدت / تهب / جاءت / خلدت / دأبت / … صدقت / ظفرت … / غطت / قلبت … مما جعل من القصيدة كأنها سيرة ذاتية للغة نفسها . فكانت غزيرة بالصور الاستعارية ، شدني هذا البيت الذي يقول فيه الشاعر : “ثوبُ الفصاحةِ خِيطَ من ألوانِها فرمت على كلِّ الرؤوسِ حريرا”. هذا التلون في اللغة العربية : الفصاحة ثوب / و حروفها هو الخيط الذي نُسج به هذا الثوب / ثوب من حرير لا يليق به إلا أن يكون كالتاج على رؤوس الملوك / وجه من أوجه السيادة للغة العربية . في موضع آخر أبدع الشاعر في وصفها قطعة من الطبيعة في فصل الربيع حين تتشابك حروفها جمالا و زخرفا : “روضُ الحروفِ بما حوت قد أزهرت وتشابكت في حُسنِها تشجيرا”.
بناء القصيدة متماسك و قوي اعتمادا على الحجة و البرهان ، الشاعر بدأ بإثبات جمالها : تضوع عبيرا / صوت الجمال هديرا . ثم انتقل إلى الحجة الدينية : جاءت بقرآن كريم فاعتلت . أما تاريخيا فهي : ظفرت بفوز في العلوم جميعها ، كتبت بها تلك العلوم مصيرا …إلى ان ينهي القصيدة ببعد وجداني للغة كان فيها الأسر بمعناه ” العشق ” فنحن أسرى باختيارنا لهذه اللغة : “درعاً إذا أمسى الزمانُ عسيرا ، يبقى اللسانُ أسيرا”.
الشاعر خالد الباشق كان شفافا و أعطى لكل ذي حق حقه و كأنه في موضع اعتراف في هذا البيت : ” خلدت وقد تكبو بقيدِ مراوغٍ لكنّها ألقت بنا التدبيرا”. ربما إشارة إلى من حاول طمس ” الهوية العربية” من خلال تغيير اللغة الأم في الأوطان العربية التي وقع استعمارها ، فقوة اللغة العربية تحدت هذه العراقيل / ” المراوغات ” / و بقيت صامدة و إن سقطت كان سقوطها إلى الأعلى .
القصيدة مشبعة بحرف ” الراء” حتى خارج القافية و من أحصاه سيجده يقارب المائة مرة مما يعزز هذا الرنين للجرس و إيقاع القصيدة ، فقد اقترحت أعلاه أن تُقرأ القصيدة بصوت عال ، فسيسمع القارئ دويا و ارتجاجا يتوافق مع ” زئيرا” ، و هذا لا يمنع وجود حروف أخرى زادت من قوة إيقاع القصيدة ك حرف العين و هو حرف حلقي فخم يفيد في ” الشعر” نقل الانفعال و تسجيد الصورة الشعورية : العربية / العلو / العلا/ العلوم …
بما أننا مع قصيدة من الشعر العمودي يهتم القارئ بالقافية و التي جاء فيها التكرار على صيغة ” فعيل ” تكرر وزنها : كبيرا / عبيرا / هديرا…ثلاث و عشرون مرة ، و هي صيغة للمبالغة، فالإيقاع المضخم و الفخم لم يكن في البحر الذي نظمت عليه القصيدة فقط ، بل كان كذلك في نسيج الكلمات نفسه . أما التكرار
إنه تكرار فني ، يستدعي التأويل ، ويغتني بإيقاعات تفصح عن انفعالات داخلية ، سواء كانت انفعالات الشاعر التي نحس بها من خلال تصاعد المؤثرات الواردة أو من خلال استجابات القراءة ، حيث ينبع من إيقاع ذاتي ، فتكون ذات المتلقي متوازية مع ذات الشاعر ، فتتحقق المشاركة بينهما في الوصول إلى مدلولات التكرار في النص الشعري ” القصيدة ” .

فيتضح مما تقدم أن الشاعر جعل من اللغة العربية في القصيدة بطلا وحيدا لا منازع له مما يجعلها صالحة لكل زمان و مكان و هذا ليس بالغريب عن شعراء العراق حين يتقنون تطويع الأبجدية كقطعة طين بين أصابعهم أو كلوحة فنية تشكيلية الموضوع واحد و الألوان متعددة ، خالد الباشق وازن بين الموضوع و الذات ” فهي أمنا ” و هي في نفس الوقت ” فوق اللغات” و هو ما زاد قوة في الخطاب ، فمن الرهانات الصعبة أن يبنى قصيدا بهذا الالتزام ” حروف الأبجدية” دون السقوط في التكلف ، و أن يجمع بين العديد من الوظائف ، فكان بحر الكامل منبرا و القافية ايقاعا و القصيدة برهانا و انت القائل : اللغة العربية “أميرةً لم تشكُ في زمن الغوى تغييرا”.

#نص_القصيدة:
لغتنا العربية….

. أهدت إلينا في الحروفِ كثيرا
وبدت بألسنِنا تضوعُ عبيرا
. بدت البلاغةُ أوجُها في سحرِها
وطغى بها صوتُ الجمالِ هديرا
. تهبُ الجمالَ لكلِّ مَن يشدو بها
فيصيرُ في قومِ الكرامِ كبيرا
. ثوبُ الفصاحةِ خِيطَ من ألوانها
فرمت على كلِّ الرؤوسِ حريرا
. جاءت بقرآنٍ كريمٍ فاعتلت
فوق اللغاتِ وكم تعزُّ نظيرا
. حاروا بها أهل الفصاحةِ والنهى
لغةُ الجنانِ علت بذاكَ أثيرا
. خَلَدت وقد تكبو بقيدِ مراوغٍ
لكنّها ألقت بنا التدبيرا
. دأبت على هدي العقولِ وكلّما
ضلَّ الذين تقاعسوا تفكيرا
. ذاتُ البلاغةِ لم يفز أقرانها
أبداً على نَيلِ العلا تمصيرا
. روضُ الحروفِ بما حوت قد أزهرت
وتشابكت في حُسنها تشجيرا
. زادت محبيها وخابَ عدوها
وبدا بخيبات الشرور حسيرا
. ساقت ندى الإحساسِ حتى أصبحت
سُبخُ المشاعرِ عندها إكسيرا
. شدّت على كفِّ الضرير وإنهُ
أمسى بها بعد الظلامِ بصيرا
. صدقت بما جاءت يقيناً ساطعاً
وتأصلت في أهلها تعميرا
. ضاقت سواها في الكلام فقصّرت
بالمفرداتِ وأُعجزت تعبيرا
. طبعت بنا لونَ العروبةِ غايةً
ودعت بأحوال العُلا تحريرا
. ظفرت بفوزٍ في العلوم جميعها
وتوسعت في فخرها تنظيرا
. عُدت على أُمم اللغاتِ مراتباً
وسعت فنالت في الدنا تقديرا
. غطت جسومَ العارفين بحرفها
فرمت عليهم حرفها تأثيرا
. فهي الحنونةُ للجميع بعطفها
ولمن شكا ضعفاً تكون نصيرا
. قلبت موازين الركاكةِ عندما
كُتبت بها تلك العلوم مصيرا
. كانت وما زالت وتبقى أمَّنا
وتظلُّ خِلاً في الهوى وسميرا
. لغةٌ تكاملَ نورُها في حرفِها
وشمت على أقلامنا تنويرا
. مِن سالفِ الأزمان نحملُ إسمَها
درعاً إذا أمسى الزمانُ عسيرا
. نرقى بها ويكون شأنُ زماننا
فخراً وما نلقى بها تقصيرا
. هي قوةٌ في نطقِها لا تنثني
يبقى بها صوت العلوِ زئيرا
. وتظلُّ في كلِّ العصورِ أميرةً
لم تشكُ في زمن الغوى تغييرا
. يسمو بها كل الذين تحبهم
وبحبِها يبقى اللسان أسيرا

خالد الباشق
2019/12/18

#المراجع:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%AD%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84

https://aau.ac.ae/ar/blog/arabic-language

https://shamela.ws/book/38104/79

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%B9%D8%A9/

https://ketabonline.com/ar/books/103120/read?part=14&page=3935&index=16734

https://www.alriyadh.com/1760007

https://ekhtibarat.com/exam-questions/770e790e-0080-4f3f-b089-c0d1076b1fcf/%D9%88%D8%B2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B9%D9%8A%D9%84-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D9%85-%D9%81%D9%8A-

00
https://www.diwanalarab.com/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D9%8A.html