
صفح بلا قيد
صفح بلا قيد
بقلم : عائشة الفارسي / سلطنة عمان
أسهل عبارة ممكن تُقال وممكن تُسمع
إذا صفحت فـاصفح بلا عتب، ولكن عند التطبيق تكون أثقل فعل يمكن أن نتحمله وأصعب موقف يمكن أن يمر علينا
لأن أسهل شيء نقوله “سامحنا”، وأصعب شيء نفعله فعلًا “أن نسامح ونرمي العتب وراء ظهورنا”، سهل القول باللسان ولكن التطبيق هو الصعب، يبقى في قلوبنا وكأن الموضوع قضية لم يتم إغلاقها، نتذكر مع كل زلة أو موقف مشابه، نظراتنا تفضحنا، ويرجع الألم، ونعود نقلب في الصفحات القديمة والزلات التي مضت.
علينا أن نميّز الصفح من التأجيل، والصفح الحقيقي ليس هدنة مؤقتة أو تخديرًا مؤقتًا نخدع أنفسنا به قبل غيرنا، ليس أن نسكت اليوم ونتظاهر بالسماح لنعاتب غدًا، فالصفح الحقيقي أن نمسح كل الكلام من على السبورة دون أن نترك أثرًا للطباشير لكي لا يكون شاهدًا على الخطأ إذا عدنا نقرأ ما كُتب على السبورة، فالله أمرنا بالصفح الجميل فقال: “فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ” (الحجر: 85)، والصفح الجميل المذكور في الآية هو الذي لا أذى فيه ولا منّة ولا تذكير ولا عتاب، هو صفح يمكن تشبيهه بوجع الأم عند الولادة ونسيانها لذلك الألم أول ما ترى مولودها؛ ينتهي الألم لأن الحاضر أهم مما كان من الماضي.
الصفح الجميل هو الخالي من العتب، كيف نكون سامحنا ونحن نفتح ونُحيي جرحًا انتهى؟ العتب بعد الصفح ظلم مضاعف، ظلم للذي أخطأ، لأننا سنحكم عليه مرتين: مرة بغلطته، ومرة بذاكرتنا التي لا ترحم، وفي الوقت نفسه ظلم لنا، لأننا اخترنا أن نسكن في بيت الذكرى والعتاب، وكل عتاب هو طوبة نضعها لتزيد الجدار بيننا وبين راحة بالنا، وهو سجن للطرفين؛ نحن مسجونون بالذكرى والذي أخطأ مسجون بالذنب، والصفح هنا يحرر الاثنين من قيود العتب والذنب.
الذي يعفو ويترك العتب هو من فهم أن القلوب أغلى من المواقف، وأن الكرامة ليست في تكسير وتأنيب من أمامنا، وإنما في ترميم وإصلاح ما انكسر بيننا، وعلينا أن نفهم أن الأجر عظيم لدرجة أن الله تكفّل به بنفسه فقال: “فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ” (الشورى: 40)، وهنا أجر مفتوح بلا ميزان، لأن العفو بلا عتب عملة نادرة وصفقة رابحة، لأن الأجر مباشر لا سقف له، عندما نسامح يجب أن ندفن الموقف كاملًا الغلطة، الكلمة، الدمعة، الجرح، ندفنه ونزرع مكانه الورود، ولو عدنا نحفر نجد بدل الألم وردًا.
إذا صفحنا فلنصفح بلا عتب، نصفح وكأن شيئًا لم يكن، ليس غباءً ولا ضعفًا، هذه قوة، قوة من قرر أن يعيش مرتاحًا بدل أن يعيش جلادًا وضحية في الوقت نفسه، لأن العتاب يقتل الصفح ويحملنا حملًا كبيرًا على قلوبنا، والصفح بلا عتب راحة للنفس وأجر وسعادة بال، دعونا نسامح ونرمي المفتاح في البحر لكي لا نعود نفتح باب العتب مرة ثانية، نصفح ونبدأ من السطر الجديد، لا من هامش الصفحة القديمة التي عفا عليها الزمن، علينا إذا صفحنا أن نصفح بلا عتب.






