الرياضة حصن المجتمع في مواجهة ٱفة المخدرات| احمد بوسكرة كاتب جزائري

الرياضة… حصن المجتمع
في مواجهة آفة المخدرات

بقلم: الأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة
أستاذ الإدارة والتسيير الرياضي – جامعة المسيلة (الجزائر)
عضو لجنة الإعلام والاتصال باللجنة الأولمبية والرياضية الجزائرية

يأتي هذا المقال تفاعلًا مع اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، الذي ينعقد هذا العام تحت شعار: «حلول جريئة ومبتكرة وقائمة على الأدلة لمواجهة مشكلة المخدرات العالمية»، وهو شعار يعكس قناعة المجتمع الدولي بأن التصدي لهذه الآفة لم يعد يقتصر على الإجراءات الأمنية والقانونية، بل يتطلب تبني سياسات وقائية متكاملة تستند إلى البحث العلمي، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز الشراكة بين مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق، يقف العالم اليوم أمام واحدة من أخطر الظواهر وأكثرها انتشارًا، وهي آفة المخدرات والإدمان، التي أصبحت تهدد الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي للدول، وتستهدف بصورة متزايدة فئة الشباب باعتبارها الثروة الحقيقية لأي أمة. ولم تعد هذه الظاهرة تقتصر على آثارها الصحية والسلوكية والأمنية، بل تحولت إلى تحدٍّ تنموي يمس استقرار المجتمعات ويستنزف قدراتها البشرية والاقتصادية، الأمر الذي يستوجب تضافر جهود جميع مؤسسات الدولة والمجتمع لمواجهتها.

وتواجه الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي واتساع حدودها البرية، تحديات متزايدة في مكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، في ظل تنامي نشاط شبكات الاتجار غير المشروع بالمخدرات عبر الحدود، وما تفرضه البيئة الإقليمية المحيطة بالجزائر من تحديات أمنية متزايدة مرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود. وتؤكد الحصائل الرسمية الصادرة عن الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، والمديرية العامة للأمن الوطني، وقيادة الدرك الوطني، والمديرية العامة للجمارك، حجم الكميات الكبيرة المحجوزة من مختلف أنواع المخدرات والمؤثرات العقلية، وهو ما يعكس حجم التهديد الذي تواجهه الجزائر، ويبرز في الوقت نفسه يقظة مختلف الأسلاك الأمنية واحترافيتها في حماية الوطن والمجتمع.

غير أن الخطر الأكبر يتمثل في محاولات الشبكات الإجرامية استهداف الأطفال والمراهقين والشباب، والعمل على نشر هذه السموم داخل الأحياء السكنية، وبمحيط المؤسسات التربوية والجامعية، وفي بعض الفضاءات العمومية، وهو ما يفرض على الجميع رفع مستوى اليقظة المجتمعية. فكل شاب يسقط في براثن الإدمان لا يخسر صحته ومستقبله فحسب، وإنما يخسر الوطن طاقة بشرية كان من الممكن أن تسهم في التنمية والبناء.

ومن هذا المنطلق، فإن مكافحة المخدرات لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها مهما بلغت فعاليتها، لأن الأجهزة الأمنية تتولى محاربة الشبكات الإجرامية، بينما تبقى مسؤولية الوقاية مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتمر عبر المدرسة والجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والجمعيات، والمنظمات الوطنية، ومؤسسات الشباب والرياضة. كما أصبح من الضروري اعتماد استراتيجية وطنية شاملة تقوم على الوقاية، والتوعية، والتربية، والمرافقة النفسية والاجتماعية، إلى جانب الردع القانوني، بما يضمن بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة هذه الآفة.

وانطلاقًا من تخصصنا في علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية، فإننا نؤمن بأن الرياضة تمثل أحد أهم أسلحة الوقاية المجتمعية. فممارسة الأنشطة البدنية والرياضية لا تقتصر على تحقيق المكاسب الصحية والبدنية فحسب، بل تؤدي أيضًا دورًا تربويًا واجتماعيًا بالغ الأهمية، من خلال تعزيز الاندماج الاجتماعي، وبناء الشخصية، وتنمية الثقة بالنفس، وترسيخ روح الانضباط والالتزام، وغرس قيم التعاون والمسؤولية واحترام القانون. كما توفر للشباب بيئة إيجابية يشعرون فيها بالانتماء والنجاح، مما يقلل من احتمالات الانجراف نحو مختلف السلوكيات الخطرة، وفي مقدمتها تعاطي المخدرات.

وقد أثبتت العديد من الدراسات العلمية أن الانتظام في ممارسة النشاط البدني يسهم في تحسين الصحة النفسية، والحد من القلق والتوتر والاكتئاب، ورفع مستوى جودة الحياة، وهي عوامل وقائية تقلل من احتمالات اللجوء إلى المخدرات باعتبارها وسيلة للهروب من الضغوط النفسية أو الاجتماعية. ولهذا، فإن الرياضة تمثل اليوم إحدى أهم وسائل الوقاية الأولية التي توصي بها المؤسسات الدولية المعنية بالصحة والتنمية.

ومن منظور الإدارة الرياضية الحديثة، فإن الاستثمار في الرياضة لم يعد مجرد إنفاق على الترفيه، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في الأمن الوطني، والصحة العمومية، والتنمية البشرية. فكل ملعب جواري، وكل قاعة رياضية، وكل فضاء مخصص لممارسة النشاط البدني، وكل نادٍ رياضي يحتضن الأطفال والشباب، يمثل مشروعًا وقائيًا حقيقيًا يسهم في تحصين المجتمع من الانحراف والإدمان، ويعزز قيم المواطنة والانتماء.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الوقاية من المخدرات تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، فالحي، فالملعب، قبل أن تصل إلى مراكز العلاج أو قاعات المحاكم. ولذلك، فإن بناء الملاعب الجوارية، وتوسيع فضاءات الممارسة الرياضية، ودعم الأندية والجمعيات الرياضية، وإتاحة النشاط البدني لجميع فئات المجتمع، لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه استثمار في القطاع الرياضي فحسب، بل هو استثمار استراتيجي في الأمن المجتمعي، والصحة العمومية، والتنمية البشرية. فكل شاب يجد في الرياضة فضاءً يحقق فيه ذاته، ويستثمر طاقاته، ويعزز انتماءه، هو شاب أبعد عن الوقوع في براثن الانحراف والإدمان، وأقرب إلى أن يكون عنصرًا فاعلًا في بناء وطنه وخدمة مجتمعه.

إن بناء مجتمع أكثر أمنًا وأقل عرضة لآفة المخدرات يبدأ ببناء الإنسان، وتنمية وعيه، وفتح آفاق النجاح أمامه. والرياضة تمتلك القدرة على تحويل طاقات الشباب من مسارات الانحراف إلى مسارات الإبداع والتميز، ومن الفراغ واليأس إلى الإنجاز والانتماء، لتصبح بذلك شريكًا حقيقيًا في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.

وفي اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، فإن رسالتنا هي الدعوة لبناء ثقافة وطنية للوقاية، قوامها اليقظة المجتمعية، وترسيخ قيم المواطنة، وتشجيع التبليغ عن شبكات الترويج والاتجار بالمخدرات، وتعزيز التعاون بين الأسرة، والمؤسسة التربوية، والأجهزة الأمنية، والهيئات الرياضية، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني. فحماية شبابنا ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر الجميع.

فالرياضة ليست مجرد منافسة من أجل الفوز بالميداليات والكؤوس، وإنما هي مشروع وطني حضاري لبناء الإنسان، وخط الدفاع الأول لحماية الأجيال، وأحد أهم أدوات الوقاية من مختلف الآفات الاجتماعية. وكل دينار يُستثمر في الرياضة والوقاية اليوم، هو استثمار في أمن الجزائر واستقرارها ومستقبل أجيالها، ويوفر على الدولة والمجتمع أضعافه غدًا في مكافحة الجريمة والإدمان وعلاج آثارهما. لذلك، فإن بناء مجتمع رياضي واعٍ هو في جوهره بناء لمجتمع أكثر أمنًا وصحةً وتماسكًا وازدهارًا.