الأرض تبكي ونحن نصفق للإسمنت|نور الهدى قرباز

د.نور الهدى قرباز| كانبة الجزائر

-الأرض تبكي… ونحن نصفق للإسمنت…
وأنا أتجول في بساتين بنارية، لم تكن الأشجار أول ما شدّ انتباهي، وإنما ذلك الصمت الذي يلتهم المكان. صمت لا تعرفه الأرض التي اعتادت أصوات الرعاة، ولا البساتين التي كانت تستيقظ على وقع المعاول وثغاء الأغنام. بحثت عن بيت من بيوت الشرف التي شيّدها الأجداد بعرقهم، فوجدت جدرانًا منهارة، وأسقفًا ابتلعتها السنوات، وأبوابًا كانت يومًا لا تُغلق في وجه ضيف، ولا يُرد عنها فقير، ولا يخرج منها جائع.
كانت تلك البيوت تحمل رائحة الخبز المخبوز على الحطب، ورائحة الحليب الطازج، ورائحة الكرم الذي لا يُقاس بالمال، وإنما بالقلوب. كانت تحمل هيبة رجال عرفوا قيمة الأرض، وآمنوا أن الشرف لا يسكن القصور، وإنما يسكن الأكواخ التي تنتج قوتها بعرق أصحابها.
وفي تلك الجولة، عادت بي الذاكرة إلى طفولتي، يوم كنت أسير مع أبي، رحمه الله، في الطريق المؤدي إلى البساتين. لم يكن يكتفي بالنظر إلى الأشجار والوديان، بل كان يقرأ المكان كما تُقرأ صفحات التاريخ. كان يشير بيده ويقول: هنا سقط شهيد، ثم يذكر اسمه بكل إجلال، ويقف لحظة كأنه يحيي روحه. ثم يمضي خطوات ويقول: هنا كانت معركة، ويقص علينا كيف دافع الرجال عن الأرض والعرض. ويشير إلى بيت قديم ويقول: هنا منزل فلان، وهنا كان يجتمع المجاهدون، وهنا عاش رجال تركوا أسماءهم في ذاكرة التراب قبل أن تُكتب في الكتب. كنت يومها أستمع دون أن أدرك قيمة تلك الكلمات، أما اليوم فأفهم أن أبي لم يكن يعرّفني بالطريق، وإنما كان يورثني الذاكرة، ويعلمني أن الأرض ليست ترابًا فحسب، بل تاريخًا ودمًا وأمانة.
ثم جاء زمن سُمّي زورًا بالتحضر…
هُجرت الأرض، وصمتت الحقول، واختفت قطعان الأغنام، وأصبح الفلاح يخجل من فلاحته، والراعي يعتذر عن مهنته، وكأن إطعام الناس عار، وكأن إنتاج الغذاء مهنة لا تستحق الاحترام.
صفقنا للإسمنت…
ودفنا تحته أجمل الأراضي.
ركضنا خلف المظاهر…
وتركنا الجذور تموت عطشًا.
ثم استيقظنا على سوق لا يرحم.
الخضر تشتعل أسعارها.
الفاكهة تغادر موائد البسطاء.
اللحم أصبح ضيفًا نادرًا.
والأوجع من كل ذلك…
العيد.
ذلك اليوم الذي كان يوقظ القرى كلها على تكبيرات الفجر، وعلى فرحة الأطفال وهم يلتفون حول الأضحية، تحول في بيوت كثيرة إلى يوم ثقيل، تختلط فيه الابتسامة بالانكسار.
كم من أبٍ يقف أمام واجهات بيع الأضاحي، يتأملها كما يتأمل المسافر وطنًا لا يستطيع العودة إليه.
كم من يدٍ امتدت لتلمس صوف كبش، ثم عادت إلى الجيب خالية إلا من الحسرة.
كم من طفل سأل أباه: “متى سنشتري أضحيتنا؟” فهرب الأب بعينيه إلى السماء حتى لا يرى انكسار ابنه، وحتى لا يرى ابنه الدموع التي تقاتل للخروج من عينيه.
ليست قسوة الفقر في غياب الأضحية…
القسوة الحقيقية أن يشعر الأب بالعجز أمام نظرات أطفاله.
أن يعود إلى بيته محملًا بالصمت بدل الكبش.
أن يختبئ خلف كلمات مطمئنة، بينما قلبه ينهار لأنه لم يعد قادرًا على تحقيق فرحة كانت في الماضي من أبسط حقوق الأسرة الجزائرية.
أي مجتمع هذا الذي جعل الأب يخجل من فقر لم يصنعه بيده؟
أي سياسات وأي خيارات أوصلتنا إلى زمن أصبحت فيه الأضحية حلمًا مؤجلًا، بعد أن كانت الأغنام ترعى على مرمى البصر من كل بيت؟
لقد هجرنا الأرض…
فهاجرتنا البركة.
تركنا المراعي…
فأصبح اللحم للأغنياء أكثر منه لعامة الناس.
تركنا البساتين…
فصارت الفاكهة ترفًا.
احتقرنا الفلاح…
فاحترمنا الغلاء.
هذه ليست أزمة أسعار فقط…
إنها أزمة هوية.
أزمة أمة قطعت الحبل الذي كان يربطها بأرضها، ثم راحت تبحث عن أمنها الغذائي في موانئ العالم، بينما حقولها تنتظر من يعيد إليها الحياة.
أنقذوا الأرض…
فالأرض لا تبكي على نفسها، وإنما تبكي علينا، لأنها تعرف أن الأمة التي تفقد فلاحها وراعيها، ستفقد يومًا خبزها، ولحمها، وعيدها، وشيئًا من كرامتها.