
ليست الكعبةمن يحتاج إليك الإنسان هو الذي ينتظر رحمتك
د. نور الهدى قرباز – جامعة بسكرة –
اكاديمية| الجزائر
أخشى أن بعضنا لم يعد يعتمر لله… صار يعتمر للناس.
كل عام حقيبة جديدة، وصورة جديدة، ومنشور جديد، وعبارة محفوظة: “رزقني الله العمرة للمرة الخامسة… السادسة… العاشرة.” كأن الجنة تُوزَّع بعدد الرحلات، وكأن الملائكة تحصي تذاكر الطيران أكثر مما تحصي دموع الفقراء.
يا هذا… الكعبة لا تنتظر قدميك، فهي مكرمة بربها منذ أن رفع قواعدها إبراهيم. الذي ينتظر هو ذلك الشيخ الذي أنهكه المرض، والأرملة التي تطبخ الماء لتخدع صغارها، والطالب الذي كاد يترك جامعته لأنه لا يملك ثمن كتبه، والمدين الذي صار يختبئ من الناس حياءً من دائنيه.
وتنتظر أيضًا تلك الأسر التي أكلت الحرائق بيوتها، ونام أطفالها على رماد الذكريات. تنتظر من يمد إليها يدًا قبل أن يحمل حقيبة سفر جديدة، ومن يواسيها بالفعل قبل الدعاء. فلو أن بعض الأموال التي تُنفق على عمرات تتكرر كل عام وُجِّهت إلى ضحايا الحرائق، لكانت سقفًا يؤوي مشردًا، ودواءً لمصاب، وكساءً لطفل، وطعامًا لجائع، وربما كانت عند الله أعظم أجرًا من نافلة تتكرر، بينما أخٌ لك يواجه محنته وحده.
تبحث عن الله في الزحام، وتتركه يناديك في بيت جارك.
تسابق إلى الحجر الأسود، وتتأخر عن يدٍ ممدودة تستغيث.
تذرف الدموع أمام الكعبة، وتجف عيناك أمام جوع إنسان.
أي مفارقة هذه؟
رسول الله ﷺ لم يصنع أمةً تتقن السفر إلى مكة وتفشل في الوصول إلى قلوب الناس. صنع أمةً تعرف أن الرحمة عبادة، وأن إطعام الطعام قربة، وأن تفريج كربة المسلم باب عظيم من أبواب الأجر.
الدين ليس ألبوم صور، ولا سجلَّ رحلات، ولا وسامًا يُعلَّق على الصدور.
الدين طفلٌ شبع بعدما كان جائعًا.
الدين مريضٌ عاد إليه الأمل بعدما وجد ثمن الدواء.
الدين مدينٌ نام لأول مرة مطمئنًا بعدما قُضي دينه.
الدين أمٌّ لم تمد يدها للناس لأن أحدًا حفظ كرامتها.
والدين أيضًا أسرةٌ أحرقتها النيران ثم وجدت من يعيد إليها الأمل بدل أن يكتفي بالدعاء لها من خلف الشاشات.
ما أقسى أن يفاخر إنسان بعشر عمرات، وفي حيه عشرة بيوت لا يدخلها اللحم إلا في الأعياد.
وما أقسى أن تتكرر العمرة عامًا بعد عام، بينما ضحايا الحرائق، والأيتام، والمرضى، والغارمون ينتظرون من يخفف عنهم بعض ما أثقلهم.
ما أقسى أن تُنفق آلافًا في نافلة تتكرر، وتستكثر مئاتٍ على محتاج يتقلب على جمر الحاجة.
ليس العيب في العمرة… العيب أن تتحول إلى شهادة تفوق يتباهى بها الناس، وأن يصبح المحتاج أقل شأنًا من صورة تُلتقط أمام الكعبة.
لو فتشنا دفاترنا، فربما وجدنا عدد العمرات مكتوبًا بدقة، ولم نجد عدد البطون التي أشبعناها، ولا الدموع التي مسحناها، ولا الديون التي قضيناها، ولا البيوت التي ساهمنا في ترميمها بعد كارثة، ولا العائلات التي أعَدْنا إليها شيئًا من كرامتها.
الله لا تنقصه زيارتك، أما الفقير فينقصه رغيف، والمريض ينقصه دواء، واليتيم ينقصه حضن، والمدين ينقصه من يرد إليه كرامته، وضحية الحريق ينقصه من يقف إلى جانبه حتى ينهض من تحت الرماد.
فإن أردت أن ترى أثر عبادتك، فلا تعد مرات الطواف… عد القلوب التي أحييتها. هناك يبدأ الطريق إلى الله، وهناك تُعرف حقيقة الإيمان.






