
ليسوا نعاجا جرباء فلا تقتلوهم مرتين |نور الهدى قرباز
أكاديمية |جامعة بسكرة|الجزائر
ليسوا نعاجًا جرباء… فلا تقتلوهم مرتين
ليس السرطان أكثر ما يفتك بالإنسان…
بل ما يفعله الناس بالإنسان حين يعلمون أنه مصاب به.
ما إن تُنطق كلمة “سرطان” حتى تتبدل الوجوه، وتنخفض الأصوات، وتغدو النظرات مزيجًا من الشفقة والخوف، وكأن المريض انتقل في لحظة من عالم الأحياء إلى غرفة انتظار الموت. ينسى الناس اسمه، ويصبح عندهم: “مريض السرطان”. وكأن المرض محا تاريخه، وأحلامه، وضحكاته، وكل ما كانه قبل أن يسكن الألم جسده.
أي ظلم هذا؟
إن السرطان يهاجم الخلايا، أما نحن فكثيرًا ما نهاجم الروح.
يؤلم الجسد بالعلاج والجراح، بينما نؤلم نحن الكرامة بنظرات الشفقة، وبالأسئلة التي تفتح الجراح، وبالعبارات التي تبدو رحيمة، لكنها في حقيقتها تعلن هزيمته قبل أن تبدأ معركته.
لهذا أقولها بملء اليقين:
لا تنظروا إلى مريض السرطان كما كانت العرب تنظر إلى النعجة الجرباء، فيفر الناس منها ويتركونها وحيدة.
فالسرطان ليس عيبًا، وليس لعنة، وليس نهاية الحياة.
هو امتحان…
وقد يكون من أشرف الامتحانات التي يخوضها الإنسان.
صافحوا المريض كما كنتم تصافحونه قبل مرضه، وعانقوه كما لو أن شيئًا لم يتغير، وتحدثوا معه عن الحياة، عن المستقبل، عن السفر، عن الكتب، عن الأحلام، لا عن الموت. لا تجعلوا الشفقة لغتكم، لأن بعض نظرات الشفقة أقسى من العلاج الكيميائي نفسه.
أكتب هذا، لأن السرطان لم يكن بالنسبة إليَّ قصة سمعتها، ولا بحثًا قرأته، بل كان فصلًا طويلًا من حياتي، كتبت سطوره الدموع، وحفظتها الذاكرة، وعاشها قلبي قبل قلمي.
عشته مع والدي… رحمه الله.
كان أبي رجلًا إذا حضر حضر معه الوقار، وإذا تكلم أنصت الجميع. لم أعرفه يومًا كثير الشكوى، ولا رأيته يخاصم قضاء الله. كان يخفي ألمه كما يخفي الآباء دموعهم؛ حتى لا تتصدع قلوب أبنائهم.
كان المرض يسرق من جسده كل يوم شيئًا، لكنه لم يستطع أن يسرق منه إيمانه، ولا ابتسامته، ولا رضاه.
كان يبتسم…
وأنا وحدي كنت أعرف كم وجعًا يختبئ خلف تلك الابتسامة.
ثم جاء اليوم الذي انقلبت فيه الحياة كلها.
الرجل الذي كنت ألوذ بظله، وأشعر أن الدنيا كلها تصبح أهون ما دام إلى جواري، صار طفلي المدلل.
أساعده على الوضوء، وأمسك بيده إلى الصلاة، وأطعمه بيدي، وأحدثه طويلًا حتى أنسيه بعض ألمه، وأدلك جسده الذي أنهكه المرض، وأعدل وسادته مرة بعد أخرى، وأراقب أنفاسه وهو نائم، وكأنني أخشى أن يختطفها الليل.
كنت أريد أن أهزم السرطان بشيء واحد…
بالحب.
وكان بيننا طقس صغير لا يعرفه أحد.
كنت أمد يدي إليه وأقول مبتسمة:
“يا أبي… اضغط على يدي.”
لم أكن أختبر قوة يده…
بل كنت أختبر خوفي.
كان يقبض على يدي بكل ما بقي فيه من قوة، فأتظاهر بأن قبضته ما زالت تؤلمني، وأقول ضاحكة:
“رويدك يا أبي… لقد آلمتني.”
فيبتسم…
وكانت تلك الابتسامة بالنسبة إليَّ عيدًا صغيرًا.
أما أنا، فكنت أحمد الله في سري لأن قبضة يده ما زالت تشبهه، ثم أختلي بنفسي لأبكي، لأنني كنت أخشى اليوم الذي سأمد فيه يدي فلا أجد تلك القوة التي كانت تمسك بيدي وأنا طفلة، وتعبر بي مخاوفي كلها.
وأشد ما كان يؤلمه أنه لم يعد يستطيع الذهاب إلى المسجد.
لم يكن يحزن لأنه مريض…
بل لأنه حُرم من السير إلى بيت الله.
ظل قلبه معلقًا بالمآذن حتى آخر أيامه، وكأن الأرواح المؤمنة تعرف طريقها إلى الله حتى وإن أعياها الجسد.
وما زالت آخر صلاة لا تغادر ذاكرتي.
كانت في مسجد البشير الإبراهيمي بمدينة باتنة، بالقرب من مخبر سعد العود، إن لم تخنّي الذاكرة.
أراد أن يصعد درجات المسجد، لكنني رأيت التعب يسبقه إلى كل درجة، ورأيت المرض يسرق أنفاسه أمام عيني.
خفت…
ليس من الموت…
بل من أن يسقط أبي، وأنا التي طالما احتميت بذراعيه، فأعجز عن حمله.
طلبت منه أن يؤمنا أنا وأخي خارج المسجد.
وقف يصلي…
وكان صوته، رغم الوهن، يفيض طمأنينة.
أما أنا، فكنت أردد الفاتحة، بينما كانت روحي تبكي، وأقول في سري:
اللهم إن كان لا بد من الألم، فاجعله في جسدي، وخفف عن أبي.
ولم يكن أبي وحده من علّمني أن السرطان ليس مرضًا يصيب الجسد فحسب، بل امتحانًا يعبر من خلاله كل من يحب المريض.
كانت عزيزة…
صديقتي في مرحلة الماجستير، ورفيقة أيامي الجميلة. كانت تسابقني إلى المكتبات، وتسبقني إلى المراجع، وتفرح لكل خطوة أخطوها في درب العلم، وكأن نجاحي قطعة من نجاحها. كانت تؤمن أن المعرفة رسالة، وأن الصداقة لا تُقاس بطول السنين، بل بصدق المواقف.
حين علمت بمرضها، قصدتها إلى المستشفى.
دخلت عليها، فوجدت ابتسامتها تحاول أن تهزم وجعًا أكبر منها. نظرت إليّ باستغراب وقالت:
“كيف عرفتِ؟”
ابتسمت، رغم أن قلبي كان يرتجف، وقلت:
“أنا أعلم كل شيء… فلا تقلقي.”
كنت أكذب على خوفي حتى لا أخيفها، وأزرع في قلبها بذور الأمل، بينما كنت أستعين بالله حتى لا تنكسر دموعي أمامها.
ثم حدثت المعجزة التي كنا ننتظرها…
تعافت.
خرجت من المستشفى، وعادت إلى حياتها، وعادت إلى الجامعة طالبة بين طلبتي. كنت كلما رأيتها، قلت في نفسي: الحمد لله… لقد انتصر الأمل هذه المرة.
لكن المرض لا يحترم أحلامنا دائمًا.
عاد…
وعاد أكثر شراسة.
ثم أخذها ورحل.
رحلت عزيزة، وبكتها الجامعة، وبكاها الطلبة، وبكاها كل من عرف نقاء قلبها، ورقة روحها، وجمال أخلاقها.
وحين وقفت أمام خبر رحيلها، أدركت أن السرطان لا يختبر المريض وحده، بل يمتحن كل قلب تعلق به.
يترك في البيوت مقعدًا لا يجرؤ أحد على الجلوس فيه.
ويترك في الخزائن ثيابًا ما زالت تحتفظ برائحة أصحابها.
ويترك في الهواتف أرقامًا لا نستطيع حذفها.
ويترك في الذاكرة أصواتًا نستيقظ أحيانًا على وهم أننا ما زلنا نسمعها.
لهذا…
كلما رأيت مريض سرطان، لا أرى المرض.
أرى إنسانًا يقاتل حربًا لا يراها أحد.
أرى أمًّا تخفي دموعها عن أطفالها.
وأبًا يبتسم حتى لا يخاف أبناؤه.
وشابًا يحلم بمستقبل لا يزال يؤمن أنه سيبلغه.
وفتاة تقف أمام المرآة، لا تبكي لأن شعرها تساقط، بل لأنها تخشى أن يراها الناس ناقصة، بينما هي عند الله ربما كانت أكمل منا جميعًا.
أيها الناس…
ارحموا مرضى السرطانارحموا مرضى السرطان من شفقة تجرحهم.
لا تجعلوا كلماتكم امتدادًا للعلاج المؤلم.
ولا تكونوا أنتم والمرض عليهم.
إن السرطان يرهق أجسادهم…
فلا ترهقوا أرواحهم.
لا تستقبلوهم بملامح الوداع.
ولا تحدثوهم كما لو أن الموت يقف خلف الباب.
ولا تسرقوا منهم حقهم في الحلم.
فكم من مريض أخبره الناس أنه سيموت… فعاش.
وكم من صحيح نام مطمئنًا… فلم يستيقظ.
إن الأعمار لا يكتبها طبيب، ولا يحددها تقرير طبي، وإنما يكتبها الله وحده.
صافحوا مرضى السرطان بمحبة.
احتضنوهم دون خوف.
اجلسوا معهم طويلًا.
اضحكوا معهم.
خذوا صورًا معهم.
اشعروهم أنهم ما زالوا جزءًا من الحياة، لا هامشًا فيها.
كونوا لهم نافذة يدخل منها الضوء، لا نافذة يدخل منها اليأس.
ورب كلمة صادقة أحيت روحًا أوشكت أن تنطفئ، ورب ابتسامة كانت دواءً لم تستطع العقاقير أن تصنعه.
رحم الله أبي…
ذلك الرجل الذي علمني أن الإيمان قد يكون أقوى من الألم.
ورحم الله عزيزة…
التي علمتني أن بعض الأرواح، وإن غابت، تظل حاضرة في كل دعاء.
ورحم الله كل من خاض هذه المعركة النبيلة ثم مضى إلى رحمة الله.
وأما أنتم…
فإذا التقيتم يومًا بمريض سرطان، فلا تضيفوا أنفسكم إلى قائمة أوجاعه.
فالسرطان يكفيه… فلا تكونوا أنتم المرض الآخر.
ولا تكونوا رسول اليأس إلى قلبٍ ما زال يقاوم.
كونوا رسول أمل.
فقد يكتب الله الشفاء بكلمة، ويجبر قلبًا بابتسامة، ويحيي روحًا بدعاء.
إنهم ليسوا نعاجًا جرباء يُفرُّ منها… بل أبطالٌ يحملون فوق أكتافهم جبلًا من الوجع، ثم يبتسمون. فاحترموا شجاعتهم، وأعينوهم على الحياة، ولا تجعلوا نظراتكم أول هزائمهم.






