قراءات ( النص إهداء)|روزيت عفيف حداد

كاتبة وناقدة|سورية

 

قراءات
النص
إهداء
كتبتْ قصيدة شوق، أرسلتْها في بريد الموج مع عطرهما المفضل، هاج البحر، تأرجحت القارورة، انتشر عبقها بحثا عنه؛ لم تنم تلك الليلة… لم تأت ليال بعدها… ولا حتى نهارات…
على الرمل بقي مطبوعا شكل امرأة وزجاجة يفوح منها عطر كلما حاذاها عاشقان.
روزيت عفيف حداد/ سوريا

القراءة:
تساءلت في قراءة اخرى عن علاقة الققج بالقصص القراني والحكاية والخرافة والنادرة من تراثنا السردي الأصيل وفاتني الانتباه الى ما بين بعض الققج وقصيدة النثر من وشائج خاصة.

وقصيدة النثر، إلى طاقتها الشعرية، وهذا طبيعي، لم تخل من نفس سردي. وهذه الققج سردت بنفس شعري واضح
. الشعر يقتضي الاقتضاب والإيحاء والققج كذلك.

هذا النص يصلح لرصد وجوه التلاقي بين الققج والشعر المنثور وهو فن جديد في أدبنا العربي كالققج.

النص قصة حب عفيف عنيف تأخذ من سجل الغزل مفرداته ومعانيه وما يمكن أن يكون بين العشاق من أشياء مشتركة أو تهاد بهدايا مخصوصة أو تواصل بأساليب مختلفة كالمراسلة وما يمكن أن يساعد رابطة العشق كالزجاجة أو يعرقلها كالبحر الهادر. وقصص العشق لم تخل من عاذل وواش ورقيب.

والنص يوظف أيضا ما يمكن أن يترتب عن الهجرة السرية من مغامرة ومخاطر ومآس
سأحاول مقاربة هذه الققج متحركا بين القطبين هاذين.

يمكن اعتبار النص ذا بنية ثلاثية مقطع أول فيه تحرير الرسالة وإعداد الهدية وإرسال كل ذلك.
والمقطع الثاني مصير القارورة وقد ألقيت في البحر فعل كل من يسلم بالمقادير فلا يدري أيقيض للرسالة الوصول أم يحول القضاء دون المراد.
والمقطع الثالث وهو وضع الختام فيه الخبر عن قصة الحب وقد صارت في ذمة التاريخ ونموذجا من شهداء الغرام يكاد يرتقي الى قيس وليلى أو روميو وجولييت معاصرين.

حالت دون أولئك التقاليد وعداوة الأسر وحال دون هذين البحر ربما كناية عن الهجرة أو التهجير بأهوال الحرب.

لنقارب النص من سجل الغزل.
كثير من العشاق في قصصهم شعراء يكتبون قصائد الغزل في حبائبهم كقيس بن الملوح وعروة ابن حزام وجميل بن معمر وعبد الله بن قيس الرقيات وكثير عزة وذي الرمة وديك الجن والعباس ابن الأحنف وابن زيدون. ومن المحبوبات من حاولت قرض الشعر كليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي.

وفي هذا النص الحبيبة هي التي ألفيناها ترسل الهدية وفي طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي أنها تهدي منديلها المطرز أو خصلة من شعرها مضمخة بالغالية يحرزها العاشق في درج أو حق من العاج.

كتبت رسالة هي قصيدة، لا بد، من فن الغزل ومضمونها معنى من معاني الصبابة هو الشوق وسببه البين بالنأي أو الهجر أو السفر أو الوفاة. والسبب الواضح هو السفر. والبحر هو الحائل دون الحبيب لعله من هجرة سرية أو تهجير قسري وهذا من أسباب البين المعاصرة. والمراسلة والمهاداة من معاني الغزل.

النص يتقدم وفق وحدات صغرى في الأولى تجتمع المرأة والزجاجة وفي الثانية نتابع مصير الزجاجة مرمية في خضم البحر وفي الثالثة نتابع مصير المرأة منفردة. وفي الرابعة وهي كقفلة الققج تجتمع المراة والزجاجة على الشط خبرا لا حقيقة وقد صارتا في ذمة التاريخ

في الوحدة الدنيا الثانية تواجه الزجاجة مصيرها. للعشاق شخصيات مساعدة تحضن حبها وتتستر عليها وتتوسط لها وتلقى لها عذرا وتقدم لها الخدمة
وفي هذه القصص شخصيات مضادة معاندة تعمل على إفشال العلاقة بالحسد والمنافسة والرقابة والنميمة إلى ذوي المتحابين. والبحر هو الشخصية المعرقلة. حمل الحبيب المسافر بعيدا ووقف حاجزا دون وصال المتحابين. وحين ظن به الخير وأنه سيبلغ الرسالة صنع بها ما صنع.

إلقاء الرسالة بزجاجة في البحر تقليد من أمله ضعيف لكنه يحاول محاولة أخيرة عسى المقادير تحقق المنى أو عسى الاتفاق والعناية الإلهية تحف المطلب وتحقق الرجاء لمن انقطع رجاؤه
يقول الفرنسيس:
jeter une bouteille à la mer
ذاك ما فعلته العاشقة وحال البحر دونه كما غرق أحلام المهاجرين سرا أو قسرا. وتلك مقاربة أخرى.

ما حدث للزجاجة هو ما يحدث للمهاجر إذ يهيج ويغرقه. فالزجاجة فيما يبدو تحطمت وفاح أريجها رغم اختلاطها بملوحة البحر والقصيدة لا ريب ابتلت ومحيت حروفها.

الوحدة الصغرى الثالثة فيها ما يعتري العاشق المهموم من أرق وسهاد كأن قلبها خبرها أن الرسالة لن تصل ( لم تنم تلك الليلة). هذه الجملة المنفية تلتها أخريان تخبران بتوقف حركة الفلك. فامتناع النوم قد يتبعه الضنى والنحول والذبول وقد يموت العاشق كمدا عميدا شهيد العشق ( لم تأت ليال بعدها ولا حتى نهارات)

الوحدة الصغرى الرابعة ختامية موضعها موضع القفلة. لعل الموت عشقا يحول صاحبه نموذجا ومثلا أعلى للحب ترويه الأجيال أو تقيم له تمثالا حيث مكان وثيق الصلة بقصة الحب ورمز من رموزه هو صورة المراة والزجاجة عند الشاطئ الفاصل الواصل بين المتحابين

ومن معاني الغزل أن تدون الذاكرة قصة المتحابين وقد يذكر شاعر غزل سلفا له تقدمه في الغزل العذري أو كما تؤرخ كتب الأدب لشهداء الغرام. فأبو الفرج الاصفهاني كتب في الأغاني سير العشاق العرب المشهورين وذكرت أغلبهم أعلاه. وممن لم أذكر المرقشان الأكبر والأصغر

ويمكن لهذة الققج أن تروي قصة الهجرة ومآسيها لا مسلطة الضوء على المهاجر وما يلقاه في البحر بل على الباقين بالوطن أهلا ومتحابين يقتلهم الشوق إلى المهاجر يتنسمون أخباره فلا يحصلون على شيء فكثير من المهاجرين تنقطع أخبارهم سنوات حتى يسووا إقامتهم بالمهجر وآخرون ينتهون هناك نهاية أليمة وفيهم من يبتلعه البحر. وهكذا تصور الوحدة الصغرى لهفة الأهل وحيرتهم. وكم من قريب يتردد على الشاطئ يستطلع عبثا الأفق الذي غرب فيه المهاجر وكم ممن ركبوا البحر أشبهوا الزجاجة في ضآلة أمل النجاة والوصول الى الشاطئ الآخر وبدء حياة جديدة. حصل لهؤلاء ما حصل للقارورة بهياج البحر فاضت أرواحهم. هي مجرد جثث عند وسائل الإعلام وهي عند أهلها طيب ليس مثله عطر يشم ويخبأ في الصدر. هكذا ترى الأمهات أكبادهن وترى المحبات الحبيب المخاطر بحياته طلبا لحياة حالمة باسمة. وسهاد الحبيبة من ألم الفراق في الوحدة الصغرى الثالثة كسهر الأهل ينتظرون الخبر سارا كان أو فاجعا.

وقد يحتفي الوطن المنكوب في شبابه المغامر. فيكتب عنهم أو يقيم لهم تذكارا أو يحيي لهم ذكرا لكن على الرمل أظنه سرعان ما يمحي.

أطلت الوقوف لتناولي النص من وجهتي تأويل مستندتين إلى نفس الوصف الفني.

أستاذ KHaldoun Kb